خاص بآفاق البيئة والتنمية
من تتاح له فرصة التوجه إلى شمال الضفة الغربية في فترة فصل الربيع، وخصوصاً منطقة سهل مرج بن عامر أو مناطق الأغوار، سيكون محظوظاً بمشاهدة أصناف متنوعة من الطيور المهاجرة القادمة من القارة الأوروبية هرباً من البرد القارس وبحثاً عن الغذاء.
موقع فلسطين الجغرافي المتوسط بين قارات أسيا وإفريقيا وأوروبا، جعلها مقصداً للطيور في مواسم الهجرة الربيعية والخريفية؛ ميزةٌ تضيف تنوعاً حيوياً للبيئة الفلسطينية، حيث تعتبر الطيور من أبرز أشكال التنوع الحيوي التي يمكن للناس رصدها ومشاهدتها.
الحجل الاسود
محطة خضراء!
دفعت تكوينات مرج ابن عامر الجغرافية، باعتباره أعظم سهل داخلي في فلسطين، مركز التعليم البيئي / الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة إلى تدشين أول محطة موسمية لمراقبة الطيور وتحجيلها خلال آذار الماضي ونيسان الحالي.
وعكف باحثو المركز على رصد ومراقبة ودراسة طيور المرج المحاط بثلاث كتل جبلية : طابور أو الطور شمالاً، والدحي شرقاً وسلسلة جبال فقوعة، واستطاعوا تسجيل 75 نوعًا مختلفًا من الطيور، التي تزين سماء المرج، فيما جرى تحجيل 21 نوعًا من الطيور أبرزها الحجل الأسودـ وهازجة سافي، والفر، وجشنة الشجر، والكروان الصحراوي، وغيرهم.
ووفق المدير التنفيذي للمركز سيمون عوض، وهو أول خبير عربي يحصل على الشهادة الدولية للتحجيل، فإن محطة مرج ابن عامر عنيت بتتبع ثلاثة مفاصل: تحجيل الطيور، ودراسة الطفيليات فيها، وتحديد الاتجاهات التي تسلكها في هجرتها.
يقول: لطبيعة المرج بين جبال الجليل شمالاً وجبال نابلس في الجنوب والجنوب الغربي، وجبال الناصرة في الشمال، ووادي الجالود المنتمي لنهر الأردن من ناحيته الشرقية، فقد شكلت المنطقة موقعًا مهما للدراسة التي نفذها باحثو المركز ومتطوعوه بمشاركة البرفيسور شمسواف بوسيه رئيس منظمة الطيور الأوروبية SEEN، والمختصة في طفيليات الطيور إيزابيل جونت.
يفصّل عوض: التحجيل علم له تقاليده العلمية والبحثية، والأمر لا يتصل بهواية أو تعبئة وقت فراغ، وفيه نمسك الطائر بشباك خاصة تحافظ على سلامته، ثم نقيس طول أجنحته، ووزنه، ودهونه، وجنسه، وتفاصيل أخرى، ونضع حلقة معدنية في رجله، تتضمن اسم فلسطين ومركز التعليم البيئي، والرقمً المتسلسل، وندون كل في سجل بيانات خاص، ثُم نُعيد إطلاقه ثانية.
يتابع: ركزنا في محطة مرج ابن عامر، وهي الرابعة للمركز بعد بيت جالا الدائمة، وأريحا وطولكرم الموسميتين على دراسة الطفيليات التي تشارك الطيور المهاجرة أجسادها، وفحصنا فرص نقل هذه الكائنات لما تحمله إلى الأحياء الأخرى.
يضيف: "ما فعلناه تشريح الطيور النافقة التي تأتي من شتاء أفريقيا إلى مواطن تكاثرها في القارة الأوروبية، وفهم العلاقة بين طفيلياتها، عبر فحصها في مختبرات علمية، والربط بين ما نتوصل إليه من نتائج والمحيط البيئي للطيور."
واستنادًا إلى عوض، الذي أصدر عام 2009 كتاب طيور فلسطين، فإن فحص تحديد الاتجاه يتم من خلال وضع الطيور في إطار من الشبك لعشر دقائق، ومن ثم يجري جمع المعلومات عن وجهته، والربط بين الأنواع المتشابهة من الطيور ومقارنتها بنتائج مماثلة تجري بالتزامن في محطة الأزرق في الأردن وأخرى في مصر.
الحجل الجبلي
الطيور..مؤشر على بيئة نظيفة
تعتبر الطيور من أكثر أنواع الكائنات التي تعطي مؤشرات على جودة البيئة في أماكن تواجدها، فحينما تتواجد بكثرة في مكان ما، فهذا يعني بيئة جيدة وغير ملوثة، كما يرى عوض في حديث خاص مع "آفاق البيئة". مضيفاً: "الأعداد الكبيرة من الطيور المهاجرة تدلل على أن فلسطين ما زالت تتمتع ببيئة نظيفة رغم كل الممارسات الخاطئة والمجحفة بحق بيئتنا، خصوصا التوسع العمراني في المناطق الزراعية السهلية، إلا أن هذا الأمر لن يبقى إلى الأبد في حال استمرار أعمال التوسع على حساب المساحات الخضراء التي تعتبر أماكن لجذب الطيور المقيمة والمهاجرة، والتي يؤدي كل منها دوره في التوازن البيئي". وأورد عوض مثالاً على طائر البلبل الذي كان يشاهد بكثرة في السابق، أما اليوم فوجوده أصبح محدودًا بسبب التوسع العمراني، الآن أصبحت البلابل تهاجر إلى الحدائق والأرياف بحثاً عن الأجواء النقية.
ويقول الباحث في المركز مهد خير إن النتائج التي حصل عليها المركز من المحطة الجديدة، والتي لم تشهد المنطقة تجربة مماثلة لها، جيدة، وسيعاد افتتاح المحطة في موسم الهجرة الخريفية في أيلول المقبل؛ لإكمال نتائج موسم الهجرة الراهن، الذي تزامن وفعاليات الأسبوع السابع لمراقبة الطيور وتحجيلها، التي تنفذ بالشراكة بين "التعليم البيئي" وسلطة جودة البيئة.
ويضيف: للأسف تشهد المنطقة تعديات كبيرة كإلقاء النفايات العشوائية ورمي جيف الحيوانات النافقة، وحرق المخلفات، وتدمير وحرق موائل الطيور كالقصب في مجرى وادي المقطع.
ووفق بوسيه وجونت، فإن تحجيل الطيور ومراقبتها ليست مسألة ترفيه، رغم ما تحمله من متعة وما تجمعه من هواة، إلا أنها تستند إلى بحث علمي وتشريح ومبادئ دقيقة، والخطأ فيها ليس مقبولًا.
يقولان: "الطيور مؤشر على نوعية الحياة للكائنات الأخرى، ولا تستطيع هذه المخلوقات الصغيرة الساحرة العيش والتكاثر والتغريد إذا ما فقدت أو تراجعت الظروف البيئية المتوازنة، أو تدمر التنوع الحيوي."
الفر
فلسطين التاريخية: 530 نوع طيور
من خلال البحث العلمي الذي قام به "التعليم البيئي" مؤخرا في إصدار حمل عنوان: قائمة طيور فلسطين، وهي دراسة عن الطيور في الضفة الغربية وقطاع غزة، جرى توثيق وحصر(373) نوعًا من الطيور، تشمل (22) رتبة و(64) عائلة أساسية، و(30) عائلة فرعية، و(186) جنسًا، والتي جرى تحجيلها ورصدها ومراقبتها وتوثيقها في الضفة وغزة. في السابق، كانت التقديرات تشير لعدد أقل، أما في فلسطين التاريخية فالرقم أكبر وهو 530 نوعًا.
تقسم الطيور في فلسطين حسب أماكن وجودها إلى خمس مجموعات، جرى توثيقها في ورقة حقائق صدرت مؤخرا عن مركز التعليم البيئي بالتعاون مع سلطة جودة البيئة وهي على النحو الآتي:
جشنة الشجر
الطيور المقيمة
تتواجد الطيور المقيمة على مدار العام، وتُفرخ وتتكاثر وترعى صغارها ضمن البيئات المختلفة في فلسطين، كالعصفور الدوري (البلدي)، والغراب الأبقع، وعصفور الشمس الفلسطيني. وتتوزع هذه الطيور بين الشائعة كالبلبل، والنادرة جداً كحال النسر المُلتحي. وتنتقل بعض أنواعها من منطقة لأخرى في فلسطين، مثل الزرزور الأسود (السوادية)، إذ يمكن ملاحظة التغير في أعدادها من خلال مراقبتها في مناطق تواجدها. فيما يستقر البعض الأخر في منطقة محددة، كشأن البومة النسارية.
وتشمل الطيور المقيمة الكثير من الطيور الاجتماعية، التي تعيش ضمن مجموعات على مدار السنة، كشأن الحمام الجبلي. وتشكل هذه المجموعة 20% من طيور فلسطين، وثمة أنواع تكون خليطة ما بين المقيمة والموسمية، ولا يمكن ملاحظة هذا إلا بمراقبة التغير في أعداد هذه الأنواع، وأماكن تفريخها.
صواي-عش بط خضاري
"زوّار" الصيف
الطيور الزائرة الصيفية، فتمكث بين شهري شباط وأيلول، بعضها يصل يافعاً ويمكث في فلسطين حتى يكمل سن البلوغ، ثم يعود لموطنه الأصلي للتكاثر. وبعضها الآخر يُفرّخ ويتكاثر ويرعى صغاره في بلادنا. ومعظم هذه الطيور تصلنا من القارة الأفريقية، وشبه القارة الهندية. وتبدأ هذه الأنواع بالعودة إلى فلسطين من مواطن قضاء شتائها بداية شباط، فمثلاً تعود السمامة العادية في بداية شباط لتبني أعشاشها، أما الرخمة المصرية فتبدأ بالقدوم منتصف شباط، وعموماً فإن معظم الطيور الزائرة صيفاً تأتي في آذار.
وتبدأ هي وصغارها بالمغادرة في أواخر حزيران، مثل السمامة العادية (الشائعة). أما العويسق فيبدأ بالمغادرة في تموز، ولكن معظم الطيور تهاجر في أيلول، وبعضها يتأخر حتى تشرين الأول.
بينما المُفرّخ الخليط، فهي طيور مقيمة، وتأتي طيور من نوعها نفسه كزائرة صيفية مفرخة. وكقاعدة عامة، فإن الطيور الزائرة الصيفية تبدأ بالتفريخ بعد أسبوع إلى ثلاثة أسابيع من بداية التفريخ للطيور المقيمة من النوع ذاته. وتكون فترة تفريخها قصيرة، وعدد أيام حضانتها أقل، ومعظمها يفرّخ مرة واحدة، مقارنة مع الأنواع المقيمة من النوع عينه.
عش لطائر الكروان الصحراوي
الأسراب المهاجرة
الطيور المهاجرة تعبر فلسطين خلال الهجرة الخريفية و(أو) الربيعي، فبعضها يعبر بلادنا بسرعة، والآخر يستريح فيها أثناء الهجرة عدة أيام أو أسابيع، وبعض أنواعها يهاجر ليلاً، وقسم منها يختار النهار للهجرة. والسبب الرئيس لكثرة الأعداد والأنواع في الطيور المهاجرة عبر فلسطين، موقعها الجغرافي الحيوي بين القارات الثلاث، ووقوعها للكثير من الطيور، في منتصف طريق الهجرة. حيث تعتبر بلدنا عنق الزجاجة بالنسبة الى هجرة الطيور.
ويأتي القسم الأكبر منها من أوروبا الباردة، وكذلك من وسط آسيا وغربها، وتقضي الشتاء في أفريقيا السمراء. وهذه الطيور تعبر فلسطين وتختار خطوط هجرة مختلفة خلال هجرتي الخريف والربيع. ويُلاحظ بعضها بأعداد أكبر خلال الخريف مثل النكّات (السّياف)، فيما يُشاهد البعض الآخر بأعداد أكبر خلال الهجرة الربيعية كاللقلق الأبيض، الذي يعتبر من أكثر الطيور المهاجرة مشاهدة خلال الربيع، وتشاهد منه أسراب مُحلقة بالمئات أو بالآلاف مستخدمة تيارات الهواء الساخن، متجهة شمالاً، وهي تهبط للطعام والراحة. كما أن العديد من الطيور الجارحة تحلق فوق فلسطين، في خطوط هجرة محددة، وأكثرها عدداً حوّام النحل، إذ تم تسجيل نصف مليون طائر منه في سنة واحدة.
هازجة سافي
"ضيوف" الشتاء
الطيور الزائرة الشتوية، هي التي تقصد فلسطين طلباً للدفء قادمة من أوروبا ووسط آسيا وشمالها، حيث تقضي فترة الشتاء، وتغادر عند نهايته. وتبدأ أفواج هذه الطيور بالوصول نهاية أيلول، وتستقر خلال كانون الأول وكانون الثاني. ويلعب تنوع بيئات فلسطين دوراً كبيراً لوجود أنواع زائرة شتوية، وبخاصة في المناطق الرطبة.
وتظهر هذه الأنواع وتختفي بطريقة غريبة وخفية ومميزة، فمثلاً بعض الطيور تبان فور سقوط الأمطار، وكأنها تأتي مع زخات المطر الأولى، مثل الذعرة البيضاء (الكركزان أو القوقزان).
وتعد بعض الطيور الشتوية مفيدة، مثل أبو تمرة أحمر الزور؛ لأنه يقضي على الكثير من الحشرات. أما البعض الآخر فينتشر في الحقول، ويتسبب بأضرار للمزارعين، مثل قبّرة السماء، الذي يُتلف الخضروات. أما غراب البحر فيتسبب بمشكلة لمربي الأسماك.
وتستقر بعضها قرب المناطق المأهولة، مثل أبو الحناء، والبعض الآخر يقيم بجوار المناطق الرطبة مثل البلشون الرمادي، وقسم منها يظهر سنوياً بشكل مفاجئ كالنحام الكبير، دون تحديد زمان ظهوره أو مكانه. وهناك حسّون الشوك الذي يندفع من أوروبا بأعداد معقولة؛ بسبب التنافس على الغذاء في موطنه الأم.
الطيور المشردة
وهي التي تظهر وتختفي في أوقات غير منتظمة على مدار السنة وبأعداد قليلة وفردية، وفي مواسم متفرقة وتسجل مرة أو مرتين، وهذه الأعداد تشكل 20% من مجموع طيور فلسطين.