خاص بآفاق البيئة والتنمية
لا يقتصر تأثير الأسلحة المستخدمة من قبل جيش الاحتلال الاسرائيلي، على الخسائر البشرية في أرواح وأجساد الفلسطينيين، ولا يقتصر أيضا على الخسائر المادية التي تحدثها هذه الأسلحة بمصالح السكان القريبين من مواقع ونقاط المواجهات الدائمة، بل يتعداه الى إلحاق أضرار بيئية في الهواء والماء والتربة والغطاء النباتي بطرق مباشرة وغير مباشرة، ما يؤثر في نهاية المطاف على حياة الانسان. لكن اللافت في هذا الأمر أنه لا توجد دراسات فلسطينية أو فحوصات مخبرية تقيس مدى تأثير هذه الأسلحة على البيئة الفلسطينية.
أسلحة وذخيرة الاحتلال لقمع المتظاهرين
أصناف عديدة من الأسلحة والذخائر يستخدمها الاحتلال في قمع المتظاهرين في نقاط التماس أو خلال عمليات الاقتحامات والمواجهات. ورصدت مؤسسة "بتسيلم" الحقوقية الاسرائيلية أنواع الأسلحة والذخيرة التي تلجأ اليها اسرائيل في المواجهات، منها ما هو مستخدم منذ سنوات طويلة، كالرصاص الحي، ومنها ما أجريت عليه تحديثات، كالرصاص المطاطي، وبعضها جديد كالمياه العادمة الكيماوية. واستعرض التقرير أبرز هذه الأسلحة والتي استخدمت على نطاق واسع منذ انطلاق الهبة الجماهيرية في عموم الاراضي الفلسطينية المحتلة منذ مطلع تشرين أول /اكتوبر وهي:
الغاز المسيل للدموع: وهو مادة كيماوية تؤدّي إلى حرق شديد في العينيْن وجهاز التنفس، ويُعتبر الوسيلة الأكثر شيوعًا، ويُنشر عبر عدة أنواع من القنابل التي تُنتج في الولايات المتحدة: قنبلة غازية مصنوعة من المطاط (المسماة "400" أو "العِربيدة")، والتي تُرمى أو تُطلق من خلال هاون مُركّب على السّلاح، وقنبلة مصنوعة من الألومينيوم بعيار 40 ملم (المُسمّاة "صاروخ غاز") والتي تُرمى بواسطة راجمة. وتستخدم قوات الاحتلال في القدس المحتلة، أيضًا، القنبلة المنشطرة إلى ثلاث عبوّات فرعية. وتُطلق القنابل من عيار 40 ملم من عدة أنواع من الرّاجمات. كما تملك تلك القوات جهازًا مركّبًا على سيّارات الجيب يُمكّن من إطلاق صليات متتالية من القنابل من أجل نشر الغاز المسيل للدموع على مساحة واسعة.
قنبلة صوتية: وهي أكثر الوسائل شيوعًا في المواجهات، إلى جانب الغاز المسيل للدموع. تستخدم كوسيلة إرباك يؤدّي انفجارها إلى إحداث ضجيج عالٍ وقويّ وإلى لمعة ضوئية، وتهدف إلى زرع الهلع. تُصنّع هذه القنابل في الولايات المتحدة أيضًا، وتؤدي الاصابة المباشرة بها الى جروح خطيرة خصوصا اذا كانت في منطقة الرأس.
عيارات معدنيّة مغلفة بالمطّاط: تطلق قوات الاحتلال نوعيْن من هذه العيارات، يكون لبّهما مصنوعًا من المعدن ومغلّفًا بالمطاط أو البلاستيك، حيث تُطلق من هاون يكون مُركّبًا على قصبة السّلاح. وتقوم الصّناعات العسكرية الإسرائيلية بإنتاجها.
"البُوءَش" (السائل النتن): وهو سائل نتن ومتعفّن طوّرته شرطة الاحتلال من أجل قمع المظاهرات. ويُرشّ هذا السّائل من صهاريج ورائحته لا تُطاق، بحيث يُجبر كلّ شخص موجود في المنطقة القريبة على الابتعاد.
ولعل أخطر أنواع الأسلحة التي يلجأ اليها الاحتلال في المواجهات، الرصاص الحي الذي تكون الاصابة به قاتلة في أغلب الاحيان خصوصا اذا كانت في الاجزاء العلوية من الجسم. نوع اخر خطير من الذخيرة وهو رصاص الدمدم المتفجر والذي يلحق أضرار كبيرة بالأعضاء الداخلية في الجسم. ولوحظ منذ بداية الهبة الجماهيرية استخدام الرصاص الحي والدمدم ضد المتظاهرين خصوصا في المواجهات التي اندلعت في قطاع غزة قرب المناطق الحدودية.
خسائر بشرية
تفيد التقارير الصادرة عن وزارة الصحة الفلسطينية بأن قمع الاحتلال أسفر عن 59 شهيداً، منذ بداية الهبة الشعبية مطلع اكتوبر وحتى تاريخ السادس والعشرين من نفس الشهر. وبلغ عدد الشهداء الأطفال 14 في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وفيما يخص الإصابات، فقد سجلت في نفس الفترة حوالي 2100 إصابة بالرصاص الحي والمطاطي والضرب المبرح والحروق، من بينهم 983 إصابة بالرصاص الحي و906 إصابة بالرصاص المطاطي، إضافة إلى أكثر من 5 آلاف حالة اختناق نتيجة الغاز المسيل للدموع.
وأصيب 1634 مواطناً في الضفة الغربية برصاص الاحتلال واعتداءاته بالضرب إضافة إلى الإصابات بالحروق منذ بداية أكتوبر منهم 277 طفلاً، 614 إصابة بالرصاص الحي و815 إصابة بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، و196 إصابة نتيجة اعتداءات المستوطنين وجنود الاحتلال على المواطنين بالضرب المبرح، إضافة إلى 12 إصابة بالحروق.
وفي قطاع غزة أصيب 788 مواطناً، منهم 175 طفلاً، 369 إصابة بالرصاص الحي و91 إصابة بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، إضافة إلى 328 اختناقا بالغاز المسيل للدموع.
وفي هذا الجانب يؤكد مدير الإسعاف والطواريء في وزارة الصحة الفلسطينية د.باسم الريماوي على أن اسرائيل تطور أسلحتها المستخدمة في التظاهرة بين فترة وأخرى. مدللا بذلك على استخدام الرصاص المعروف باسم (التوتو)، وهو رصاص ينقسم الى شظايا وتؤدي الاصابة به في بعض الأحيان الى الوفاة. وأشار الريماوي الى أن الرصاص المطاطي أيضا جرى تعديله، بحيث أصبحت نسب المطاط فيه قليلة، لصالح زيادة الأجزاء المعدنية فيه، لذلك بات يعرف بالرصاص المعدني المغلف بالمطاط، وأضراره أكبر بكثير من الرصاص المطاطي الذي كان مستخدما في انتفاضة الأقصى عام 2000 لدرجة أنه قد يكون قاتلا اذا كانت الاصابة في الرأس مثلا.
وبخصوص الغاز المسيل للدموع المستخدم فلا توجد دراسات حول نسب وجود المواد السامة فيه، لذلك طالب الريماوي بإجراء دراسات وفحوصات للكشف عن طبيعة مكونات هذا الغاز الذي يكون قاتلا اذا ما جرى استنشافه بكميات كبيرة، أو اذا كان الشخص المصاب يعاني من أزمات قلبية أو أمراض في الجهاز التنفسي.
أضرار بيئية
الأسلحة على اختلاف أنواعها والمواد الداخلة في تركيبها، تعتبر ضارة بالبيئة والصحة العامة، ومعادية للبيئة. هذا مبدأ عام وفقاً لنائب رئيس سلطة جودة البيئة جميل مطور. مشيراً الى أن انواعا عديدة من الأسلحة ملوثة للبيئة المحيطة وضارة بالانسان في نفس الوقت، مثل الغاز المسيل للدموع، فهو دون شك، يؤثر على البيئة، لكن لا توجد دراسات وتحليلات في فلسطين، تبين حجم هذه الأضرار.
الحال مشابه بالنسبة للمياه العادمة المستخدمة من قبل الاحتلال لتفريق المتظاهرين، فهي ملوثة للأرض والنباتات والانسان والحيوان بطرق مباشرة وغير مباشرة، خصوصا أنها ليست فقط مياها عادمة، بل تحتوي على مواد كيماوية، ما يجعل تأثيرها أمرا واقعا على المياه، التربة والغطاء النباتي.
ويطالب مطور مراكز الابحاث والجامعات والجهات المختصة في وزارة الصحة وسلطة المياه باجراء الدراسات والتحاليل اللازمة على أنواع الاسلحة والذخيرة المستخدمة للوقوف عند طبيعة أضرارها على الصحة العامة والبيئة.
واتفق مع هذا المطلب كلٌ من مدير صحة البيئة ابراهيم عطية الذي أكد الحاجة لمثل هذه الدراسات، ومدير دائرة المياه في وزارة الزراعة فرح صوافطة والذي اعتبر ان الاسلحة والذخيرة المستخدمة في أعمال قمع المتظاهرين تؤثر على الغطاء النباتي وتسمم الثمار وتحرق الأوراق وتتلف الاشجار بشكل كبير جدا.
بالنسبة للمياه العادمة يقول صوافطة انها تؤثر على الحيوان والانسان بشكل مباشر، وعلى البيئة بشكل غير مباشر، لأن هذه المياه تحتوي على مواد كيماوية سامة لكل شيء تلمسه، وحينما تكون بكميات كبيرة فإنها تؤثر دون شك على المياه السطحية وبدرجة أقل على المياه الجوفية خصوصا في فترات هطول الأمطار.
أما الغازات المسيلة للدموع فإنها من الممكن أن تتفاعل وتؤدي الى أمطار محلية ملوثة خصوصا في مكان اطلاق هذه القنابل، وتزيد فرصة سقوط الأمطار الملوثة (حامضية) اذا كان الجو رطباً.
وتبقى هذه الاستنتاجات لحجم الاضرار مجرد كلام عام بحاجة إلى تفاصيل دقيقة عبر إجراء الدراسات والفحوصات المخبرية، لتحديد الأضرار الناتجة عن الاسلحة بشكل علمي وفقاً لصوافطة.