خاص بآفاق البيئة والتنمية
يقف تاجر الأحذية هاني زيود في مدخل محله بسوق جنين التجاري، ويوزع نظره بين عقارب ساعته ومولد الكهرباء الأصفر، الذي صار ركنًا ثابتًا في متجره. ويقول: "في كل يوم نُشغل المولدات، وهذا الحال مستمر منذ بداية شهر آب حتى اليوم، ففي كل ظهيرة ينقطع التيار الكهربائي ساعة ونصف، وكنا نعتقد أن الأزمة ستحل بقدوم شهر أيلول، إلا أنها لا تزال ترافقنا. ومع أن المولدات لا تحل كل مشاكلنا، فلا نستطيع غير تشغيل مراوح صغيرة، وبعض المصابيح."
ويسرد زيود قصص المعاناة المرتبطة بالمحركات الصغيرة التي تصطف في مداخل المتاجر، ليروي حكايات التلوث البيئي، والروائح غير اللطيفة، والضجيج، والتكلفة الاقتصادية، والصيانة، وتعطل الحركة.
محل في جنين لبيع مولدات الكهرباء
ركود
ووفق التاجر الخمسيني، فإن الزبائن خلال ساعات غياب التيار الكهربائي عن الأسواق يقلون، وتعجز المولدات عن تشغيل أجهزة التكييف، ويحتاج كل استعمال للمحرك قرابة 20 شيقلاً، فيما تتطلب أعمال الصيانة دفع نحو 100 شيقل عن كل عملية، مع استغلال بعض الفنيين لعدم معرفة الزبائن بأعطال المولدات.
يتابع زيود: "صار انقطاع التيار موضة، ونخشى أن نعيش في الشتاء هذه الظروف، ونحتاج لتخصيص مكان مستقل من متاجرنا الصغيرة للمحركات. وقد اشتريت المولد الصغير بأربعة آلاف شيقل، وأجريت له عمليتي صيانة خلال ثلاثة أسابيع، وحرقت وقوداً بأكثر من 500 سيقل."
ويشعر زيود بالضائقة من تكرار انقطاع الكهرباء كل يوم، ويرى أن العيش في بلد تعجز عن تأمين طاقتها بنفسها ليس سهلاً، ويثب صعوبة الوصول إلى الاستقلال عن الاحتلال اقتصاديًا.
فيما اختار تاجر الألبسة عبد القادر يونس الجلوس في أقصى نقطة من متجره؛ هربًا من روائح المحروقات المحترقة، والضوضاء التي تتسبب بها المحركات.
مولد كهرباء في جنين
ضائقة
يفيد:" ترى الشارع بألوان وأشكال مختلفة للمحركات، وتشعر بعدم الراحة وأنت تحصي ما تسببه المولدات بيومك، فهي ترفع درجة حرارة الجو، وتشكل غاز ثاني أكسيد الكربون، وتحتاج لميزانية إضافية، وتقلل الحركة التجارية، فيهرب المتسوقون من المناطق التي تعلن شركة الكهرباء القطع عنها للمناطق الأخرى، التي تتوفر فيها المكيفات والإضاءة الكافية، والبعيدة عن الضجيج والروائح."
واستنادًا ليونس، فإنه لا يستطيع إقفال محله وقت انقطاع الكهرباء عن منطقته، فيضطر لتشغيل المحرك مدخل متجره، ويربطه بقسم من المصابيح وبمروحتين صغيرتين، ويعجز عن ربطه بالمكيف.
يوالي:" لا نستطيع التفكير جيدًا وسط الضجيج، وتزعجنا الروائح، ونشعر أننا في منطقة صناعية، وننتظر بفارغ الصبر أن تحل الجهات المسؤولة المشكلة، وأن لا نعيش أجواءً مشابهة بقية فصول السنة."
ترقب
يضيف يونس:" تكرر خلال الصيف الحالي الانقطاع بالساعات، وفي أوقات متقاربة، ولم نشعر العام الماضي بالأزمة كما هي السنة، فقد كان الانقطاع على فترات فجائية. وصرنا نترقب جدول التوزيع اليومي لعمليات فصل التيار عن منطقتنا."
يجاور التاجر جهاد عليات مولدٌ صغيراٌ في مدخل متجر اتصالات وسط سوق المدينة التجاري، فيما تتعالى أصوات محركات إضافية تغرق السوق، ويقول: "المولدات ليست حلاً، فأعمالنا تتوقف، ولا يستطيع المولد تشغيل أجهزة الحاسوب وأنظمة تسديد الفواتير، وتبقى أجهزة التكييف متوقفة، وتقل أعداد الزبائن، وتزيد التكلفة، ويعلو الضجيج، وتنتشر الروائح، وتساهم المولدات في رفع حرارة المكان."
وليس ببعيد عن عليات، يقف شبان لتعبئة مخزن مولداتهم بالوقود استعدادًا لجولة قطع جديدة، يقول أمجد إبراهيم:" صار عندنا مهمة أخرى، تتعدى مقابلة الزبائن، ومتابعة ثلاجات اللحوم والخضروات المجمدة واللبان، وهي تفقد المولدات وصيانتها، وتشكلت لدينا خبرة بأسعارها."
مولدات الكهرباء التي تصطف في مداخل المتاجر في جنين
طلب مرتفع
ويرى الفني سليمان أبو الرب، الذي يملك ورشة عدد صناعية، أن الطلب هذا الصيف زاد بنسبة 100 %، فخلال شهر قفزت المبيعات للمحركات ووصلت إلى 400 محرك.
يقول: "المولدات مرتفعة الثمن عادة، ومتفاوتة الصناعة، غير أن الأغلبية تفضل الإيطالي، ويسأل آخرون عن الصيني، وقسم قليل يبحث عن الصناعة الألمانية، وبالمجمل فإن بعض المولدات تحتاج إلى 14 لتر وقود في الساعة الواحدة، وتتراوح أسعار المولدات وفق حجمها بين ألف شيقل و7 آلاف، وبعضها يتجاوز هذا الثمن."
وبحسب مدير شركة توزيع كهرباء الشمال في جنين، أيوب فريحات، فإن أزمة التيار الكهربائي في جنين وبلديات: قباطية، ومرج ابن عامر ( تضم تجمعات دير أبو ضعيف، وجلبون، وفقوعة، وعربونة، وبيت قاد، وعرانة) تعاني نقصًا في القدرة الكهربائية المزودة من الشركة القطرية الإسرائيلية، التي تزود جنين بـ450 أمبير ضغط متوسط، المرتبط بمفتاح محوّل بيسان، وهو نفسه الذي لم يتغير منذ عام 1984، فيما تضاعفت الأحمال 50 مرة!
حل استراتيجي
ويؤكد فريحات: "الحل الاستراتيجي، تشغيل محطة التحويل في أراضي مرج ابن عامر، لتحويل التيار من 161 كيلو فولت إلى 33 كيلو فولت، بقدرة 135 ميجا ( 2362 أمبير9، وهي قادرة على تغطية احتياجات محافظتي جنين وطوباس كاملتين، وجزء من منطقة الشعراوية في طولكرم، وهي المحطة التي جرى افتتاحها في كانون الثاني 2015 بمشاركة رئيس الوزراء، غير أن الاحتلال يرفض تشغيلها، ويربط ذلك بحصول السلطة على براءة ذمة مالية تقدر بنحو 2 مليار شيقل."
ويضيف: "توليد الطاقة ليس من اختصاصنا، فنحن شركة توزيع، والمسؤول عن الإنتاج هي سلطة الطاقة، ورخصتنا فقط مقصورة على أعمال التوزيع. ونوزع حاليا المتاح بين أيدينا على جنين وقباطية وبلدية مرج ابن عامر، التي تحتاج إلى 590 أمبير، فيما نملك 450 منها، فنوزع العجز بالتخفيض 50 من قباطية، و60 من جنين، و10 من بلديات مرج ابن عامر، وإذا لم نقم بهذا الإجراء، فإن التيار الكهربائي يتذبذب، وينقطع بشكل آلي، بفعل زيادة الأحمال على الشبكة."
ووفق فريحات، فإن الشركة تلجأ إلى قطع التيار، بجدول معلن سابقًا، ساعة ونصف عن كل منطقة، وما يفاقم الأزمة هذا العام، تركيب 2500 مكيف جديد في مدينة جنين لوحدها خلال شهر آب الماضي. وهو إجراء لا يتخذ خلال الليل، في وقت يتراجع الطلب على الكهرباء في البيوت والمتاجر، لكنه يبقى على حاله تقريباً في المصانع والمحاجر."
aabdkh@yahoo.com