جمعية بني نعيم الخيرية تحول محجرا مهجورا الى متحف ومركز للدراسات البيئية
في وقت تحولت فيه المحاجر الى مصائد لقتل الناس وإلحاق الأذى بهم

خاص بآفاق البيئة والتنمية
كان خبر إعلان احد أصحاب المحاجر في بلدة بني نعيم عن وقف العمل بمحجره بعد ان انتهى من استخراج ثروته، قد ادخل السعادة الى قلوب عدد من العائلات التي تقع منازلهم بمحاذاة المحجر، كيف لا ! وهذا الإجراء سيضع حدا لخمس سنوات من المعاناة تجرعتها هذه العائلات، بسبب انتشار الغبار والضجيج والخوف من انهيار منازلهم بعد ان أصبحت معلقة على شفا حفرة كبيرة تبلغ مساحتها 3 دونمات ويزيد عمقها عن 20 متراً، ولكن هذه الفرحة سرعان ما اختفت وحل مكانها القلق سيما بعد ان كادت عائلة الطفل (سعيد حميدان) أن تفقد حياة ابنها اثر سقوطه في المحجر المتروك.
هذه الكلمات "احذروا، انتبهوا، ديروا بالكم " أصبحت بمثابة وصايا تكررها الأمهات ويتلفظ بها الآباء كلما هَمَّ أولادهم للخروج من منازلهم قاصدين مدارسهم او للّعب بفعل تكرار حوادث سقوط المواطنين في هذه الحفر العميقة التي خلفها اكثر من عشرين محجرا، تُركت بين منازل المواطنين بعد استنزاف ثروتها لتستخدم مكباتٍ للنفايات، كما تشكل مصائد لقتل الناس وإلحاق الأذى بهم.
قرار على ورق
ولكثرة المشاكل الناتجة عن هذه المحاجر وتقديم مئات الشكاوي من قبل سكان بني نعيم للجهات المعنية، صدر في نهاية عام 2011 قرارٌ من مجلس الوزراء الفلسطيني يقضي بإغلاق نحو 15 محجراً في البلدة، ومنح أصحابها مهلة من 20 – 60 يوماً لإغلاقها بشكل كامل وإعادة تأهيلها وزراعتها، ولكن لغاية هذه اللحظة استمرت بعض هذه المحاجر بالعمل وتم إنشاء محاجر جديدة، ليزيد عددها عن 30 ويصل عدد المهجور منها الى اكثر من 20 محجراً، جميعها تقع بين الأحياء السكنية، حيث يعيش معظم سكان بلدة بني نعيم وسط أكوام من الحجارة المتراكمة في كل مكان، ويعانون من انتشار سحب الغبار التي تملأ السماء كالضباب، ويتعرضون للإزعاج المستمر الناتج عن ضجيج الآليات والشاحنات، كما أن رواسب المحاجر اغتالت خصوبة التربة وأخذت الأراضي الزراعية تتلاشى، عدا عن افتقار هذه المحاجر لأدنى شروط السلامة العامة الواجب توفرها لإنشاء هذه المشاريع.
 |
 |
استخدام بقايا الحجارة في تزين المتحف على أنقاض المحجر المهجور
|
اثناء تاهيل المحجر في بني نعيم
|
محاولة للإنقاذ
وأمام هذا الواقع المؤلم للإنسان والبيئة فكرت بعض مؤسسات البلدة في البحث عن حلول يمكن من خلالها توفير الحماية للمواطنين وزيادة الغطاء النباتي من خلال تأهيل المحاجر المتروكة كخطوة أولى، ثم البحث عن وسائل أخرى يمكن من خلالها إغلاق المحاجر التي تعمل عبر دفع أصحابها للبحث عن مواقع جديدة خارج الأحياء السكنية، حيث قامت جمعية بني نعيم الخيرية قبل نحو عامين بتحويل أحد المحاجر المتروكة إلى متنزه عام بعد أن تم تأهيله وزراعته بأكثر من 500 شجرة متنوعة إضافة إلى بناء أسوار وجدران إستناديه لحماية المواطنين من السقوط بداخله، وبعد نجاح المشروع عملت الجمعية بالتعاون مع مؤسسات المجتمع المحلي والدول المانحة على إطلاق حملة لتأهيل أكبر عدد من هذه المحاجر المتروكة وتحويلها إلى مساحات خضراء، وتجهيز بعضها لتصبح جاهزة لإنشاء المؤسسات والمراكز التعليمية عليها.
|

|
 |
|
بعض النباتات البرية التي زرعت في المحجر المهجور
|
الحديقة النباتية وقد استبدلت المحجر المهجور الذي طالما شوه بيئة بني نعيم
|
مركز لدراسات البيئة
من جانبه يفيد إسلام مناصرة مدير جمعية بني نعيم الخيرية بأن قلة الوعي البيئي للمجتمع في البلدة وغياب الغطاء النباتي وتلاشي المساحات الخضراء وقضاء المحاجر على التنوع الحيوي إضافة إلى غياب المراكز والمدارس التي تساهم في نشر الثقافة البيئية بين المواطنين، كل هذا دفع الجمعية إلى إنشاء متحف ومركز للدراسات البيئية في أحد المحاجر المتروكة والذي يبلغ مساحته 5200 متراً، ويهدف هذا المركز إلى تعريف المواطنين بمخاطر المحاجر، عبر عقد الندوات وورش العمل البيئية التوعوية للمواطنين، وتعريفهم بأهمية زيادة المساحات الخضراء للتخفيف من أثر التلوث، وتدريبهم على إعادة تأهيل المحاجر الصغيرة التي تقع بالقرب من منازلهم والتي تشكل بدورها مصدر خطر لذويهم، كما تم انشاء حدائق بيئية مدرسية لتعريف الطلبة بأنواع النباتات وكيفية الإعتناء بها، إضافة إلى عمل نماذج لوسائل الحصاد المائي لتعليم المزارعين طرق جمع مياه الأمطار وتخزينها للإستفادة منها في ري المحاصيل الزراعية لدفعهم الى استصلاح أراضيهم وعدم بيعها او تركها لتجار المقالع.
ولتحقيق هذه الأهداف قام أعضاء الجمعية بتنظيف المحجر المتروك من النفايات ومخلفات الحجارة، وتم جلب أطنان من التراب المحسن بالأسمدة العضوية، بحيث قسّم المكان إلى حدائق صغيرة، تم زراعتها بأنواع مختلفة من النباتات البرية المعرضة للإنقراض بفعل مخلفات المحاجر مثل نبات الخزامى والشيح والريحان والرتم وحصى البان إضافة إلى زراعة أكثر من 200 شجرة مثمرة مثل الزيتون واللوزيات والحمضيات والتفاح والموز والفستق الحلبي، وما يقارب من 150 شجرة زينة وأخرى حرجية مثل الصنوبر والبلوط والبطم والسنديان والسدر.
كما أن الجمعية قامت بعمل مشاهدات للزراعة داخل الدفيئات لنقل هذه التجارب للمزارعين، وتم اشراك جميع فئات المجتمع خاصة النساء في تخطيط وتصميم المشروع بحيث تعاونوا في زراعة وتأهيل المحجر.
فيما احتوى المتحف كما يفيد مناصرة على عدد من النباتات التي اختفت وبعض الحيوانات والطيور البرية التي هجرت المكان بفعل زحف المحاجر نحو معظم أراضي البلدة، إضافة إلى مجموعة من الكتب والمنشورات البيئية والتي ستكون تحت تصرف طلاب البلدة للإستفادة منها في عمليات التثقيف وعمل الأبحاث والدراسات البيئية، كما احتوى المتحف على قطع اثرية وبقايا احفوريات دمرتها عمليات إنشاء مقالع الحجر التي استباحت كل بقعة في البلدة.
 |
 |
نباتات برية في المحجر المهجور في بني نعيم
|
تنوع نباتي في المحجر المهجور في بني نعيم
|
الاستفادة المادية
بالإضافة إلى أن هذا المشروع قد خفف من معاناة الاهالي واستطاع توفير نوعٍ من الطمأنينة وخاصةً لسكان الحي الذي يقع المحجر المستهدف فيه، فقد ساهم أيضا في ايجاد دخل مستمر لعدد من العائلات الفقيرة من خلال تشغيل ايدي عاطلة عن العمل، حسبما افاد عضو الجمعية خليل بلوط وتابع: " الجمعية قامت بزراعة المحجر المتروك بانواع مختلفة من النباتات العطرية والعلاجية وقامت بإحضار ماكنات خاصة لاستخلاص الزيوت من هذه النباتات واستخدامها في صنع علاجات طبيعية ومواد تجميل من اجل بيعها والاستفادة منها في تطوير المشروع"، وأوضح أن الجمعية تسعى لاستغلال الحديقة والمنتزه من خلال عمل مشاريع منتجة اقتصاديا بهدف تحقيق اهدافها بإعادة تأهيل معظم المحاجر المنتشرة في البلدة.
وهنا يجدر القول انه بالرغم من اهمية هذه المبادرات في التقليل من الاثار السلبية للمحاجر المتروكة، الا ان الخطر الحقيقي يكمن في استمرار عمل عشرات المحاجر بالبلدة والتي تبث سمومها وتهدد الانسان والبيئة... فإلى متى؟
 |

|
|
مشاهدات حصاد مائي ودفيئات وبعض الاشجار في المحجر المهجور
|
المحجر قبل التاهيل
|