خاص بآفاق البيئة والتنمية
لم يحُل وهن عظمها وضعف جسدها وبطء حركتها، من تحقيق حلم حياتها في فلاحة أرضها، وذلك بعد وفاة زوجها في حادث طرق منذ عشرين عاماً لتقف بمفردها في مواجهة صلف العيش وضيق الحال، سيما أن زوجها ورثها تركة بشرية قوامها (12) فرداً أصغرهم كان رضيعاً حين وفاته.
آمنة الزهار" التي تكنى أم مروان" المرأة الستينية المفعمة بالحيوية والنشاط، تقيم في منطقة المغراقة وسط قطاع غزة والتي تبلغ مساحتها(3200) متر مربع وتعداد سكاني يصل إلى (11 ألف) نسمة.
من خلف مكتبها البسيط تحدثت " أم مروان" لمجلة آفاق البيئة والتنمية" عن رحلة عطائها وشقائها بعد ترملها بالقول: "كان وضعي الاقتصادي تحت الصفر وكل أبنائي صغار، وبقيت فترة أعتاش من كفالات المؤسسات الخيرية والإغاثية حتى كبر أبنائي فتوقفت المساعدات، فقررت أن أشتري لهم قطعة أرض بمساحة "دونم" في منطقة المغراقة وأفلحها لأنني عشقت الزراعة وارتبطت بها منذ طفولتي، حينما كنت أرى أبي يهتم بالزراعة فتعلمت منه كيفية الاهتمام بها بكل تفاصيل ومراحل العملية الزراعية، وقمت بفلاحتها".
البط في مزرعة أم مروان
تجاوز المعيقات
وتتابع أم مروان لقد واجهت عقبات كبيرة بعد وفاة زوجي من قِبل أقاربه، الذين حاولوا طردي من بيتي بالقوة ولكنني استعنت بالأهل والجيران الذين وقفوا إلى جانبي حتى تجاوزت هذه المعيقات.
وتضيف بملامح ثقة وفخر اكتست بها قسمات وجهها الذي غطته تجاعيد الزمن: "إننا نعتاش من وراء هذه الأرض حيث زرعت جزءاً منها بالأشجار المثمرة والحمضيات، والباقي خضار موسمية تسد احتياجاتنا وقوتنا اليومي لأسرتنا الممتدة المكونة من "35" فردا يعيشون في بيت واحد عبارة عن طوابق.
وتتابع أم مروان: "أصبحت أقلل من ابتياع بعض الاحتياجات المنزلية من السوق، حتى اللحوم نكتفي بها ذاتياً من خلال تربية الطيور مثل الحمام الدجاج والبط، حيث استخدم زبلهم في تسميد الأرض، فغذاؤنا عضوي ولا نستخدم أية مواد كيماوية في تسميد التربة".
أكثر متعة
وعن الأساليب التي تستخدمها أم مروان في الزراعة ومدى قدرتها المادية على مواكبة التطور التكنولوجي والآلي قالت:" المحراث الآلي سهّل علينا مهمة حرث الأرض، وكذلك مكّن المستخدم من بذر البذور، ولكن وفق وصفها فإن الزراعة اليدوية أكثر متعةً وجدوى من استخدام الميكنة الزراعية:" كنا نحصد ثمن جهدنا وتعبنا ونبذر البذور البلدية، عدا عن كون استخدام الميكنة الزراعية مكلف ويؤثر على نسبة الأرباح.
وعن الحصار وتأثيره على الزراعة والمنتج أوضحت أم مروان أن الكميات التي تدخل عبر "الخط الأخضر" من البذور المعلبة بمحدوديتها وارتفاع أسعارها أثرت على المنتج من حيث الجودة والأثر المادي.
وتضيف في ذات السياق أن الاجتياحات المتكررة للقطاع واستخدام الغازات المحرمة دوليا أثرت على التربة وخصوبتها، فكان هناك حاجة ضرورية لإعادة تجديدها وتسميدها بالسماد الطبيعي.
وعن دعم المؤسسات المعنية بهذا الشأن نفت أم مروان بشكل قطعي أن تكون قد تلقت أية مساعدة من قبل وزارة الزراعة وغيرها، مشيرةً إلى انها تشعر بأن هناك تمييز في المعاملة على أساس الجنس حيث يتم التعاطي مع مشاكل المزارع، بينما المزارعة يدار لها الظهر ويتم تجاهل طلباتها واحتياجاتها.
ووجهت أم مروان رسالة لذوي الشأن مفادها ضرورة مساندة المزارعات فنياً ومادياً وتلبية احتياجاتهن الضرورية خاصة بسبب الأضرار التي تعرضت لها أرض أم مروان بعيد المنخفض الجوي الذي ضرب البلاد في العام الماضي، وكذلك النظر بعين الاعتبار لوضع المزارعات المعيلات وذوات الدخل المحدود اللواتي يعتمدن على الزراعة كمصدر دخل رئيس في حياتهن.
أم مروان كانت نموذجاً من آلاف المزارعات اللواتي سطرن بعطائهن لوحة فنية مكتملة الخطوط والملامح؛ وكذلك السيدة عبير شمالي (37) عاماً التي تعيل أيضاً أسرة مكونة من سبعة أفراد وثامن بانتظار الخروج للنور قريباً، فيما رب الأسرة عاطل عن العمل بعد الحصار الذي فرض على القطاع ومنع ارباب الأسر من العمل داخل الخط الأخضر.
تقول شمالي وملامح الإرهاق والإنهاك بانت على محياها: "كنت أعيش في منطقة الشرقية في جمهورية مصر العربية وكانت أسرتي تمتهن الزراعة، فيما كانت هواياتي المفضلة تربية الطيور، ولكن حينما عدت إلى ارض الوطن تبدل الحال وعشت حياة صعبة، حيث سكنت في عمارة اسمنتية مكونة من عدة طوابق كانت بمثابة السجن بالنسبة لي أنا عاشقة الزراعة، حاولت أن انتزع نسمات الأكسجين عبر الزراعة في أصص على شرفة شقتي الصغيرة. وأتضرع كل ليلة وأدعو الله أن يمنحني قطعة أرض في مكان آخر لأقوم بفلاحتها".
بستان أم مروان
جنتي في الدنيا
وتضيف شمالي بلهجة تفاؤل بأن حلمها تحول حقيقة فاشترت قطعة أرض بمساحة (350) متراً مربعاً وأقامت البناء على مساحة (130) والباقي تركتها للزراعة، فخصصت جزءاً لزراعة أشجار الزيتون والحمضيات، وجزءاً آخر للخضار حسب مواسمها، فأصبحت جنتها في الدنيا وفق وصفها.
وتستطرد شمالي: "أبدا نهاري صباحاً بتنسم عبق جنتي الخضراء عبر نافذتي وأتابع الخضرة وكأنها مولود لي وأرعاها رغم وهن الحمل وضعفي، ولكن بمساعدة زوجي وأبنائي أتابع شؤونها".
تتابع شمالي بأنها تعتاش من ارضها فهي تسد حاجتهم، ولو كان هناك إمكانية للتسويق لقامت بتسويق جزء منها. وتضيف: "ما أطيب أن يأكل الإنسان من كدّ يديه".
وتختم شمالي: "أطمح بأن يكون لدي قطعة أرض أخرى لأقوم بزراعتها فأبيع منتوجها في السوق المحلي وما يفيض يصدر للخارج، وذلك لأحسّن وضعنا الاقتصادي، خاصة وأن الأرض التي قمت بفلاحتها قبل حوالي ثماني سنوات والتي وصفتها بالأشد قسوة وصعوبة على مستوى الواقع الفلسطيني العام نظراً لتشديد الحصار وما رافقه من غلاءٍ لسعر البذور وقله جودتها.
والى جانب الزراعة تربي "شمالي" الطيور البلدية وتبيع جزءاً منها لتشتري بثمنها أشتالاً وبذوراً لتُبقي على خضرة الأرض، كما تستخدم مخلفات الطيور في تسميد التربة التي تضررت.
قلة المياه
وعن أبرز المشكلات التي تواجه شمالي تقول" المشكلة الرئيسة هي المياه حيث لا يوجد لدينا بئر للمياه العذبة، عدا عن حاجة الأرض للري يومياً ما يبقي الأرض رهينة وصول مياه البلدية".
وتختتم شمالي حديثها بأنها تطمح أن توسع من مشروعها، موجهة رسالة لنظيراتها من المزارعات بأن يجتهدن ويواجهن المعيقات بكل قوة. كما توجهت للمؤسسات المعنية وعلى رأسها وزارة الزراعة بأن تولي اهتماماً بالمزارعات وعدم تركهن في الميدان وحدهن فهن بحاجة إلى إرشاد وتوعية بكل تفاصيل العملية الزراعية.
دجاج أم مروان
المزارعة الجامعية الصغيرة
"أنهيت دراستي الجامعية، ولم احظ بوظيفة أو أي فرصة عمل فقررت أن أتوجه للزراعة كي أتمكن من توفير مصروفي الشخصي وسد احتياجاتي الضرورية". بهذه الكلمات المعبرة استهلت المزارعة الجامعية الصغيرة الحديث عن تجربتها مع صديقة دربها "الأرض والفلاحة".
فرحة حجي (26) عاماً قالت لـ آفاق: " كنا نعيش في منطقة الزيتون شرق مدينة غزة، ضمن أسرة مكونة من عشرة أفراد، تعرض والدي لحادث طرق وعلى أثره حصل على تعويض مالي، قرر أبي بالمال شراء دونمين من اراضي منطقة المغراقة، ولعشق والدي الزراعة وورثت عنه حب هذه المهنة الأصيلة وأتقنتها، فقمنا بزراعة الأرض وواجهتنا صعوبات جمة في البداية حيث رفض جدي إعطاءنا قطرة مياه من البئر الخاص به وكنا نشترى المياه من الجيران بالساعة كي نروي الأرض.
وتضيف فرحة بكلمات لفّت ثغرها الباسم" الحمد لله حصلنا على مساحة أخرى من الأرض بعد أن قام جدي بتقسيمها وتمت زراعتها بكل المحاصيل والخضار حسب الموسم واستطعنا مؤخراً أن نمتلك بئرا للمياه لنتجاوز هذه المشكلة الصعبة".
حققت الزراعة لفرحة الاكتفاء والأمن الغذائي في ذات الوقت، فتسد حاجة أسرتها كما تقوم بتسويق جزء كبير من منتوج الأرض للسوق المحلي.
وتتابع: "أعمل مع إخوتي وأبي في بذر البذور والأشتال ومتابعة الخضرة والتعشيب والحصاد، وبت أعشق هذه المهنة التي أصبحت توفر لي بعض المصاريف الشخصية.
مطالب موحدة
واتفقت مع سابقيها من حيث المطالب والمشكلات، حول ضرورة دعم المزارعات خاصة وأن البذور أصبحت باهظة الثمن، في ظل وجود مزارعين يمتلكون الأرض ولكنهم يفتقدون رأس المال اللازم لشراء البذور ومستلزمات الزراعة.
"ستبقى صلتي وعلاقتي بالأرض أبدية مهما كبرت وحتى لو حظيت بوظيفة، فسيظل ارتباطي بها إنسانيا، وقد رفضت بيع جزء من الأرض لتزويج إخوتي الشباب".
وتختم بأن الزراعة علّمتها قوة الشخصية فأصبح لديها رأي وكلمة مسموعة في البيت.
يحدو المزارعات الأمل بعد توقيع اتفاق المصالحة أن يتضاعف الاهتمام بالزراعة كونها أداة مهمة من أدوات الصمود الوطني وتعزيز الهوية الوطنية، متمنيات أن تلقى المزارعات على وجه الخصوص الاهتمام والرعاية من قبل حكومة الوحدة الوطنية.