رئيسة جمعية التنوع الحيوي المايكروبي الأردنية
تسبّبت الأنشطة البشرية، خاصة حرق الوقود الأحفوري, خلال السنوات الخمسين الماضية في إطلاق كميات من غازات الدفيئة ومنها ثاني أكسيد الكربون, والتي بدروها أدت إلى حجز الحرارة في الطبقة السفلى من الغلاف الجوي وبالتالي التأثير على مناخ الأرض, حيث قدر إرتفاع درجات الحرارة العالمي خلال المائة سنة الماضية بمقدار 0,75 سْ مقارنة بفترة ما قبل الثورة الصناعية. تؤدي التغيرات المناخية إلى تأثيرات هائلة على المتطلبات الأساسية للصحة, حيث يعد تغيّر المناخ من الأخطار الكبرى التي تهدّد الصحة العامة ومن المتوقّع أن يتعاظم هذا الأمر مستقبلاً, حيث أن الإحتباس الحراري تسبب في أكثر من 150000 وفاة إضافية سنوياً . يهدد تغير المناخ صحّة البشر كافة ولكن يعتبر سكان الدول النامية والمناطق القاحلة والمناطق الساحلية والجبال والمناطق القطبية هم الأسرع تأثراً بهذا التغير, كذلك يعتبر الأطفال وكبار السن خاصة في البلدان الفقيرة أسرع الفئات تأثراً بالمخاطر الصحية الناجمة عن تغيّر المناخ والأطول تعرضاً إلى عواقبه الصحية.
ما هو تأثير تغيّر المناخ في الصحة؟
أولا: موجات الحر
أظهرت الأبحاث أن متوسط درجة الحرارة سيزداد في منطقة الشرق الأوسط بمعدل 1-2 سْ بحلول عام 2050, كما سترتفع وتيرة موجات الحرّ في المنطقة ممّا يهدّد الصحّة بشكل جديً. يُسهم ارتفاع درجات الحرارة صيفا في زيادة الأمراض والوفيات الناجمة عن الأمراض القلبية والأمراض التنفسية, فمثلاً سُجل أكثر من 70000 وفاة إضافية أثناء موجة الحر التي حدثت في صيف عام 2003 في أوروبا، كما أظهرت دراسة تحليليّة في الكويت إزدياد حالات إنحباس البول في فترات الطقس الحار في الفترة ما بين 1998-2001, إضافة إلى ذلك يرتبط التعرّض الطويل للحرّ الشديد بحالات الإغماء وضربة الشمس والتشنّجات.
إن طبقة الأوزون المسؤولة عن إمتصاص الأشعة الضارة المنبعثة من الشمس, ومنها الأشعة فوق البنفسجية, تأثرت بسبب غازات الدفيئة التي أدت إلى ترققها مما أدى إلى إنخفاض إمتصاصيتها للأشعة الضارة, ما يعني زيادة تركيز الأشعة فوق البنفسجية وبالتالي خطرا متزايدا بسبب التعرض للشمس منه تلف الجلد وحروق الشمس ومضاعفة خطر الإصابة بسرطان الجلد.
ثانيا: الكوارث الطبيعية وتغيّر أنماط سقوط المطر
1. إرتفاع مستوى سطح البحر الذي سيتسبب في إجبار سكان المناطق الساحلية للإنتقال إلى أماكن أخرى مما يزيد مخاطر حدوث آثار صحية مثل الإضطرابات النفسية والأمراض السارية. كذلك يؤثر إرتفاع سطح البحر والظواهر الجوية المتطرفة في تدمير الخدمات الصحية الضرورية.
2. تغير أنماط سقوط الأمطار والذي يؤثر على مصادر المياه العذبة. يخلّف شحّ المياه وإختلال جودتها تدهوراً في الصحة وإنخفاض مستوى النظافة الشخصية ممّا يزيد من مخاطر الإصابة ببعض الأمراض أشهرها الإسهال, كما تؤدي ندرة المياه إلى عواقب صحية وخيمة منها الجفاف والمجاعة. كذلك فإن نقص المياه العذبة سيؤدي إلى إنخفاض إنتاج المواد الغذائية الأساسية بما يقارب 50% في بعض البلدان الأفريقية بحلول عام 2020 والذي بدوره سيزيد من معدل انتشار سوء التغذية ونقص التغذية.
3. الأعاصير والفيضانات والحرائق: التي تتسبب في تلوث مصادر المياه العذبة وزيادة مخاطر الإصابة بالأمراض المنقولة بالمياه حيث أنها تهيئ ظروفاً خصبة للحشرات الناقلة للأمراض مثل البعوض والذباب, كما أنها تتسبب في الغرق والتشرد والإصابات الجسدية وتدمير المنازل والبنى التحتية والقضاء على مصادر رزق الناس مؤقتا مما يعرضهم للإصابة بالإسهال وأمراض سوء التغذية.
ثالثا: انتشار الأمراض المُعدية
تعتبر السيطرة على الأمراض أمراً مهماً بالنسبة للوضع الصحي والنمو الإقتصادي للبلدان النامية, وبالرغم من التقدم العلمي الملحوظ في القضاء على إنتقال الأمراض إلا أنه يخشى من أن يفسد تغير المناخ هذا الإنجاز, حيث تبدي كثيرٌ من الأمراض الفتاكة حساسية شديدة تجاه تغيّر درجات الحرارة مما يؤدي إلى إنتشارها, ومنها الأمراض التي تحملها العوائل الوسيطة مثل البعوض والقراد والذباب والقوارض والقواقع, والأمراض المعدية مثل الكوليرا وغيرها من الأمراض المنقولة بالمياه وذلك بسبب نقص المياه وتغير الرطوبة وتدهور نوعيّة المياه العذبة وبسبب الفارق الموسمي في درجة الحرارة. تعتبر الأمراض التي تتأثّر بالمناخ من أكبر الأمراض الفتاكة في العالم ومنها:
1. الملاريا : تؤثر التغيّرات المناخية على التوزيع الجغرافي وكثافة إنتقال الملاريا التي تنتقل ببعوض "Anopheles" حيث تمتدّ فترة حضانة طفيل الملاريا 26 يوماً على درجة حرارة 25 سْ ولكنها تنخفض الى 13 يوماً على درجة حرارة 26 سْ, ولقد لوحظ إزدياد إنتقال الملاريا في المناطق المرتفعة في تنزانيا وكينيا ومدغشقر وإثيوبيا ورواندا.
2. حمى الضنك Fever Dengue: تنتقل عن طريق لسع البعوضة المصريّة، يؤدي هطول الأمطار الغزيرة ودرجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة إنتقال العدوى بهذه الحمى.
3. الليشمانيا: تنتقل عن طريق ذبابة الرمل والتي تغير توزيعها في السنوات الماضية حيث عادت أنواع أخرى من ذباب الرمل إلى الظهورفي أجزاء معيّنة من العالم.
4. البلهارسيا: من المتوقع أن يؤدي تغيّر المناخ إلى إتساع مساحة المنطقة التي تحدث فيها الإصابة بمرض البلهارسيا الذي تنقله القواقع.
5. أمراض أخرى تنتقل عن طريق القوارض: مثل متلازمة فيروس هانتا الرئوي والتي تزداد أثناء هطول الأمطار الغزيرة والفيضانات، حيث يزداد عدد القوارض الناقلة لهذا المرض.
6. إزدياد عام في الإلتهابات البكتيرية والطفيلية ولدغات الأفاعي.
رابعا: تلوث الهواء
في عام 1998 إستنتجت دراسة علمية أجريت في الرياض أن غبار العواصف الرمليّة يشكّل مصدراً رئيسياً لأمراض الجهاز التنفسي. ترتفع مستويات مسببات الحساسية المنقولة بالهواء بسبب تغيّر أنماط الرياح المساهمة في نقل الغبار وحبوب اللقاح والجراثيم والعفن والمواد المسببة للحساسية والإلتهابات الرئويّة والجلديّة في الهواء خاصة في الحر الشديد، ومن المتوقع أن يزداد هذا العبء بفعل الزيادة المستمرة في درجات الحرارة.كماتسبب إرتفاع درجات الحرارة في زيادة الأوزون الأرضي، إن التعرض للأوزون يزيد من معدل وشدة نوبات الربو، ويسبب تهيج العين والأنف والسعال وإلتهاب القصبات الهوائية وإلتهابات الجهاز التنفسي.
خامسا: الأمراض الحيوانية
يؤديالتغير المناخي إلى زيادة ظهور أمراض جديدة بين الحيوانات والتي تكون معدية للبشر, من الأمراض المرتبطة بالإحتباس الحراري: فيروس النيل الغربي وحمى الوادي المتصدع وطاعون الأحصنة.
كيفية الإستجابة والتكيّف
بالرغم من أن مساهمة الدول العربية في إحداث تغير المناخ ضئيلة لكنها تواجه مخاطر كبيرة من عواقبه خاصة في ما يتعلّق بالتهديدات الصحية. ولذلك، ينبغي على البلدان العربية إتخاذ إجراءات التكيّف لتخفيض العواقب الصحية المرتبطة بتغير المناخ ودمجها لإيجاد حلول للعمل على التقليل من الآثار المدمرة لتغير المناخ, ومن هذه الحلول:
1. الحدّ من إنبعاث غازات الإحتباس الحراري من خلال التحوّل إلى مصادر الطاقة المتجدّدة وزيادة فعالية إستخدام الطاقة واعتماد الأبنية الخضراء وزرع الأشجار وحماية التنوع البيولوجي والإدارة المستدامة للأراضي والمياه والنفايات.
2. الحد من استخدام السيارات عن طريق تعزيز إستخدام وسائل النقل العام وقيادة الدراجات الهوائية والمشي, إن هذه الإجراءات اللازمة للتقليل من إنبعاث الكربون تحقق فوائد كثيرة في مجال الصحة العامة مثل الفوائد المترتبة على الحد من تلوث الهواء.
3. تحضير خطة إستعداد ورسم خرائط المخاطر والتي تبين المناطق المعرضة للخطر مثل الأراضي القاحلة والمدن الساحلية والمدن المكتظة.
4. القيام بالأبحاث من أجل تقييم التغيّرات المناخية وأثرها على الصحّة في الوطن العربي وتقييم قدرة كل بلد على التكيّف.
5. بناء القدرات وتطوير الأنظمة الصحية وتكيّفها وإستعدادها للإستجابةلتغيّر المناخ.
6. التوعية بأخطار تغيّر المناخ على صحة الإنسان.
7. تسهيل الحصول على المعلومات عن الأمراض وآثار التغير المناخي.
المراجع العربية:
1. الصحة: مخاوف من تأثير تغير المناخ على أمراض المناطق المدارية المهملة." شركة الأنباء الإنسانية, 2012. Web. 2014.
2. نويهض, إيمان, رين يوسف،ريما حبيب. "أمراض قاتلة في بيئة متغيِّرة." Afedmag.com المنتدى العربي للبيئة والتنميةApr. 2010. Web. 10 May 2014.
المراجع الأجنبية:
1. Arnell NW. Climate change and global water resources: SRES emissions and socio-economic scenarios. Global Environmental Change – Human and Policy Dimensions, 2004, 14:31–52.
7. Maine CDC, Lyme Disease Surveillance Report – Maine 2008, http://www.maine.gov/dhhs/boh/ddc/epi/publications/2008-Lyme-disease-Surveillance-Report.pdf.
8. Robine JM et al. Death toll exceeded 70,000 in Europe during the summer of2003. Les Comptes Rendus/Série Biologies, 2008, 331:171–78.
9. Supinda Bunyavanich et al., “The Impact of Climate Change on Child Health,” Ambulatory Pediatrics 3 (2003): 44-52.
11. Zhou XN et al. Potential impact of climate change on schistosomiasis transmission in China. American Journal of Tropical Medicine and Hygiene, 2008, 78:188–194.
12. Center for Health and the Global Environment, Climate Change and Health in New Mexico, Harvard Medical School 2009.
13. Jonathan A. Patz, “Impact of regional climate change on human health,” Nature 438 (2005): 310-317.
14. R.S. Kovats et al., “The effect of temperature on food poisoning: a time-series analysis of salmonellosis in ten European countries,” Epidemiology and Infection 132 (2004): 443-453.
15. David Wood, “Effect of Child and Family Poverty on Child Health in the United States,” Pediatrics 112 (2003): 707-711.
16. Paul R. Epstein, “Climate change and Human Health,” New England Journal of Preventative Medicine 353 (2005): 1433-1436.