خاص بآفاق البيئة والتنمية
توجد مؤشرات كثيرة تمكننا من تقييم حالة البيئة في البلدان المختلفة، ومن أهم هذه المؤشرات درجة الشفافية ومدى حرية الحصول على المعلومات. وفيما يختص بمناطق الحكم الذاتي الفلسطيني، علمتنا التجربة بأنه من الصعوبة بمكان الحصول على معلومات جوهرية وحساسة تتعلق ببيئتنا وصحتنا العامة، وبخاصة ما يتعلق بمعطيات تتعلق بكيفية تخصيص وتوزيع وإدارة الموارد الطبيعية (الأراضي والتصرف بها، المياه، الطاقة، الحجر الفلسطيني، الهواء وتلويثه...إلخ) التي هي ملكية وطنية عامة لجميع الشرائح الشعبية؛ علما أن لتلك المعطيات قد يكون انعكاسات وعواقب تؤثر على حياتنا وصحتنا وصحة أطفالنا، وبالتالي من حقنا جميعا، بل من واجبنا، أن ننتزع حقنا في التحكم بحياتنا وحياة أطفالنا. فكلما عرفنا معلومات حقيقية أكثر كلما ازدادت معرفتنا وتعمق وعينا، وبالتالي كلما اتضحت أمامنا ملامح تصرفاتنا وتحركاتنا إزاء منتهكي ومبددي وسارقي مواردنا وأموالنا العامة والعابثين بها.
القوانين والمواثيق الدولية كفلت لنا الحق في المعرفة وحرية استقاء المعلومة، وحماية الصحافي أو الباحث لمصادره (وهذا مكون أساسي من مكونات حرية الرأي والتعبير). هذه الحرية، في محتواها وجوهرها الحقيقي لا الشكلي، غائبة لدينا إلى حد بعيد؛ وبدلا منها نجد الرقابة الأمنية (في الضفة وغزة) المحمية بالاتفاقات الاستعمارية مع الاحتلال، والتي رسخت ثقافة الخوف لدى الإعلاميين والصحافيين والباحثين والناس عموما.
كثيرة هي المعلومات الحساسة والهامة، وأحيانا المصيرية التي تتعلق بمواردنا الطبيعية والمائية والوطنية التي يتم التصرف بها وكأنها ملكية عائلية أو شخصية؛ فتعقد بخصوصها صفقات سياسية أو تجارية مع الاحتلال أو شركاته أو شركات ومؤسسات أجنبية أخرى؛ يتم إخفاءها عنا، أو إلهائنا بمعلومات شكلية وجزئية جدا عبر وسائل الإعلام. وأحيانا، يتهرب المسؤولون الرسميون من تزويد الناس بالمعلومات الأساسية والبديهية التي يفترض الوصول إليها بسهولة، وبخاصة تلك المتعلقة بالموارد الطبيعية والحقوق الإنسانية والوطنية العامة (المياه، الطاقة، الأراضي، الأوساخ الكيميائية في غذائنا ومحاصيلنا، تراخيص البناء...إلخ)؛ بل قد يُنَكَّل بالصحافيين أو الباحثين لأشهر طويلة دون أن يتم تزويدهم بالمعطيات التي من حقهم الحصول عليها، فيتسببون لهم بنفقات وإساءات لا داعٍ لها أثناء عملهم المهني؛ علما أن أولئك المسؤولين الحكوميين أو الوزراء يفترض بهم ألا يكونوا أكثر من موظفين في خدمة الشعب الذي أوصلهم إلى مواقعهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، عبر الانتخابات التشريعية والرئاسية وما تلاها من تشكيل الحكومات وهياكلها.
أليس من حق الناس، على سبيل المثال، أن تضطلع على بروتوكولات وسجلات الاجتماعات الوزارية والحكومية؟ لماذا لا تنشر الحكومة والوزارات الفلسطينية المختلفة بشكل كامل (على مواقعها الالكترونية مثلا) محاضر جلساتها، وبالتالي تمكين الجمهور من الاطلاع على القرارات الرئيسية والهامة المتعلقة بالقطاعات المختلفة؟ أليس هذا ما تمارسه، على سبيل المثال، دول منظمة التعاون والتنمية (OECD)؟
تغييب الإعلام الفلسطيني كليا عن الصفقات المريبة
وكي ننتقل من العام إلى الملموس. نشير إلى ما عرف باتفاقية الغاز التي وقعتها السلطة الفلسطينية مع إسرائيل في كانون ثاني الماضي، والتي ستعمق عمليا التبعية الفلسطينية للاحتلال وستثبت تحكم الأخير بمواردنا الطبيعية. والحديث هنا يدور عن مورد طبيعي فلسطيني يخضع للاحتلال (وهذا المورد ليس ملكية خاصة أو عائلية لمسؤول أو شركة)، فعقدت بخصوصه صفقة مع الاحتلال الذي ينهبه، كما ينهب مواردنا الطبيعية والمائية الأخرى. والبلية الإضافية أن الاتفاقية تقضي (مستقبلا) تمليك الشركة الإسرائيلية نسبة معينة من أسهم محطة الطاقة الفلسطينية المنوي إنشائها في جنين! والأمر المخجل، أن الشعب الفلسطيني في الوطن وخارج الوطن، لم يسمع عن هذه الصفقة سوى من خلال وسائل الإعلام والصحف الإسرائيلية، بينما تم تغييب الإعلام الفلسطيني كليا عن الصفقة المريبة.
ما ذكر بخصوص صفقة الغاز، يمكننا سحبه أيضا على صفقة واشنطن المعيبة (في 9 كانون أول 2013) التي اعتبرت المرحلة الأولى من ما يسمى بمشروع قناة البحرين (البحر الأحمر-البحر الميت) الذي ابتدعته أصلا إسرائيل؛ وتمثلت الصفقة في التوقيع الفلسطيني الرسمي على ما سمي "مذكرة التفاهم" بين إسرائيل، الأردن والسلطة الفلسطينية، حول شراء السلطة للمياه المحلاة من المنشآت الإسرائيلية، وإقامة محطة تحلية لمياه العقبة في الأردن؛ علما أن فكرة هذه المحطة هي أصلا من اختراع شركة "ميكوروت" الإسرائيلية التي بادرت حكومات ومنظمات أوروبية ودولية إلى مقاطعتها بسبب دورها في نهب المياه الفلسطينية وتكريس الاحتلال. هذه الاتفاقية كرست، بل عمقت، عملية النهب الإسرائيلية الهائلة لمياهنا، بحيث سيواصل الاحتلال عملية السرقة؛ وفي ذات الوقت، تم منحه مزايا اقتصادية وأمنية وسياحية مجانية إضافية.
ورغم مطالبات منظمات ومؤسسات المجتمع المدني الفلسطيني للسلطة بأن تنشر النص الرسمي الأصلي الكامل للاتفاق، فلم تنشر(حتى كتابة هذه السطور في أواسط أيار) أي جهة في السلطة الفلسطينية النص الرسمي لما يسمى مذكرة التفاهم؛ علما أن الاحتلال الإسرائيلي هو الذي اخترع أصلا فكرة مشروع القناة، وهو أيضا الذي فبرك المذكرة الأخيرة التي وقعت السلطة الفلسطينية عليها، فلماذا إذن، يتم إخفاء نصها الكامل والرسمي عن الشعب الفلسطيني تحديدا، بينما الإسرائيليون يعرفون كل تفاصيلها، كما اتفاقات أخرى أبرمت مع الاحتلال تتعلق بالأراضي واستملاكها، والمستويات الأمنية والاقتصادية والمائية وغيرها؟
وكما ذكرت في مقالة سابقة، التوقيع على مذكرة واشنطن باسم الشعب الفلسطيني قد تم بغياب كامل لأي رقابة قانونية وتشريعية وإجراءات ديمقراطية شفافة، ودون أي احترام لمواقف وأراء الخبراء والباحثين الفلسطينيين ذوي الصلة، والمؤسسات والمنظمات والاتحادات والنقابات....إلخ، الذين يفترض بهم مناقشة وإقرار أو رفض مشاريع ومخططات تمس الحقوق المائية والسياسية والوطنية الاستراتيجية لشعبنا، بل ومستقبل وجوده على الأرض الفلسطينية.
إذن، يتعلق الأمر بمنهج أوتوقراطي تسلطي، ينفذ مخططات مفروضة من الخارج ولا تعبر عن الحقوق والطموحات والاحتياجات الوطنية والاقتصادية-الاجتماعية-السياسية-البيئية الحقيقية؛ فيتم من أجل ذلك إصدار قرارات ومراسيم فردية تحسم في قضايا وطنية استراتيجية تمس وجود ومصير شعب بأكمله. تماما كما حدث أثناء "مفاوضات" أوسلو، حيث كان "المفاوضون" الفلسطينيون الشكليون برئاسة المرحوم د. حيدر عبد الشافي "يفاوضون" رسميا في واشنطن الإسرائيليين في العلن؛ بينما كان شخصان أو ثلاثة يجرون سرا وفي الخفاء "المفاوضات" الحقيقية التي أخرجت اتفاقات أوسلو وملحقاتها! د. عبد الشافي انسحب من "مفاوضات" واشنطن بعد الجولة الثامنة احتجاجا على الخديعة التي اكتشفها؛ علما أن جولات المفاوضات العلنية العبثية في واشنطن استمرت بحلقاتها الإضافية في غياب الدكتور عبد الشافي.
خلاصة القول، أن هناك غياب مطلق للشفافية فيما يتعلق بالتصرف بالموارد الطبيعية المحتلة أصلا، واستخدامها واستغلالها؛ فيتم حجب معلومات كثيرة عن الجمهور الفلسطيني صاحب الشأن، ناهيك عن التسهيلات المالية والإعفاءات الضريبية التي يحصل عليها أفراد متنفذون وشركات خاصة محلية وأجنبية.
الموقعون على مذكرة التفاهم حول مشروع قناة البحرين-الإسرائيلي في اليسار، الأردني في الوسط، والفلسطيني في اليمين-
أقصى الغباء إخفاء المعلومات والحقائق أو التعتيم عليها
"حرية التعبير" في وسائل الإعلام الفلسطينية والعربية، وأحيانا الغربية، هي حرية من طرف واحد، وبخاصة، عندما يتعلق الأمر بالمصالح الحساسة والساخنة لرأس المال المتمثل في الشركات والمؤسسات التجارية الكبيرة والاحتكارية والحكومات. فغالبا ما تتحفظ العديد من الصحف الورقية والإلكترونية والفضائيات والإذاعات، أو ترفض، تغطية حدث أو ظاهرة سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو صحية أو بيئية، حينما يتصل هذا الحدث أو الظاهرة بحكومة تشكل وسائل الإعلام بوقا لها، أو أن هذا الحدث أو هذه الظاهرة تتعلق بشركة أو مؤسسة تجارية تنتفع وسائل الإعلام من إعلاناتها التجارية، أو أن علاقات مصالح مالية وتجارية وشخصية مشتركة تربط بين الطرفين، سواء أكان ذلك لناحية كون الشركات والمؤسسات مصدر دخل هام لوسائل الإعلام، أو لناحية كون الشركات ذاتها هي المالكة كليا أو جزئيا لتلك الوسائل. لذا، ليس مستغربا أن نجد في العديد من وسائل الإعلام تغطيات ترويجية موسعة لأعمال ونشاطات الشركات التجارية، بهدف تسويق سلعها المادية أو الخدماتية، أو وجهات نظرها وادعاءاتها. وفي المقابل، نجد رقيب وسائل الإعلام، وبخاصة الصحف الورقية والإذاعات والفضائيات، يُعْمِل مقصه الرقابي، تعتيما أو شطبا كليا أو جزئيا، في أي تقرير أو تحقيق أو خبر؛ مهما كان موضوعيا ومهنيا ومحايدا، إذا كان يمس موقفا أو سلوكا أو عملا أو انتهاكا رسميا مؤذيا للجمهور، أو للمجتمع أو للصحة العامة أو للبيئة، أو إذا كان ذلك التقرير أو الخبر يكشف معلومات وحقائق خطيرة وحساسة في غير صالح تلك الشركات أو المؤسسات.
وفي عصر ثورة المعلومات والصحافة الإلكترونية، أصبح من الغباء بمكان إخفاء المعلومات والحقائق أو التعتيم عليها أو شطبها. فالإنترنت، تحديدا، يعد في عصرنا الحاضر الوسيلة البديلة للصحافة المطبوعة، وهو الأكثر فعالية وقدرة على إيصال المعطيات والمعلومات إلى أكبر عدد من الناس؛ وهو يملك إمكانيات انتشار غير محدودة، وسرعة كبيرة على التفاعل مع الأحداث، وبالتالي تعبئة الرأي العام. ومن أبرز الأمثلة الحديثة على ذلك، موقع "ويكيليكس" والتأثيرات الإعلامية والسياسية الكبيرة التي أحدثتها المعلومات والوثائق الدبلوماسية الأميركية الخطيرة التي نشرها.
ومن خلال الصحافة الإلكترونية، يمكن لعدد غير محدود من الناس الوصول إلى أحد أهم المصادر للمعرفة التي يتم تحديثها باستمرار، وعلى مدار الساعة.
وإزاء فعالية الصحافة الإلكترونية والانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، وقدرتها على التحول إلى حقل ناقد، والتأثير والانتشار غير المحدودين، وبالتالي تكوين رأي عام من قضايا معينة، فمن غير المستغرب أن تكون العديد من الأنظمة السياسية معادية بطبيعتها للإنترنت ولثقافة "الملتيميديا"، إلا في حال استطاعة تلك الأنظمة توجيه الإنترنت و"الملتيميديا" واستخدامهما في الترويج السياسي لصالحها. وفيما عدا ذلك، يكون رد فعل تلك الأنظمة الرقابة على المواقع الإلكترونية أو إغلاق بعضها، أو سجن الناشطين والمثقفين أصحاب المواقف النقدية من السلطة والمعبر عنها في الصحافة الإلكترونية.