خاص بآفاق البيئة والتنمية
في قرية شقبة التي تقع شمال غرب القدس، عثر المنقب البريطاني ألكس مالون على أدوات زراعية بدائية من خلال المسح الأثري الذي قامت به بعثة بريطانية عام 1924م، وتعود هذه الاكتشافات المتمثلة بأدوات صوانية، وشفرات، وسكاكين، وأدوات حصد إلى العصر الحجري القديم المتأخر(45-18 ألف قبل الميلاد)، وتلا ذلك مسح أثري قام به الأمريكي دورثي جارود للكشف عن الموقع بشكل أكبر عام 1928م.
شكلت هذه الأدوات دليلاً على أن الفلسطينيين هم أول من مارس الزراعة في العالم. حيث اكتشفت الحضارة النطوفية في مغارة كبيرة تقع في الجهة الجنوبية من قرية شقبة، بالإضافة لمقبرة احتوت على هياكل حيوانات (كالكلب والغزال) وهذا دليل آخر على الاستيطان الأول للإنسان كونه دليل على تدجين الإنسان للحيوانات.
التسمية
تعتبر مغارة شقبة، الواقعة في وادي النطوف أول مكان في العالم مارس فيه الإنسان الزراعة بعد أن كان يعتمد على الرعي والتنقل، فسكن المغارة وزرع الوادي الذي تطل عليه. وتعود تسمية المغارة والوادي بهذا الإسم إلى نقط الماء المتشكلة على أوراق النباتات، وتساقط نقاط الماء من سقف المغارة.
 |
 |
|
آلة الدمار الإسرائيلية تدمر ما تبقى من الحضارة النطوفية بمغارتها وواديها
|
مغارة جميلة تعود لعهد الحضارة النطوفية |
اسرائيل والنطوفيون
كعادتها تحرص اسرائيل على طمس وتدمير كل معلم حضاري وأثري في فلسطين دون الإلتفات إلى أهميته التاريخية أو الحضارية، هذه المرة تقع الحضارة النطوفية فريسة آلة التدمير الإسرائيلية، بدأ التدمير لهذا الإرث الإنساني من خلال إقامة مكب نفايات اسرائيلي بمحاذاة المغارة وفي قلب وادي النطوف، حيث تكدست مئات الأطنان من النفايات المختلفة التي شوهت المنظر الطبيعي للوادي وضيعت القيمة الحضارية للمكان.
عن هذه الإعتداءات يقول السيد عوني شوامرة مدير دائرة تسجيل المواقع الأثرية في وزارة السياحة والآثار الفلسطينية:"نحن بدورنا نبلغ شرطة السياحة والآثار بأسماء من يسهل للإحتلال وضع نفاياته في وادي الناطوف والتي تقوم بدورها باستدعائه ومعاقبته بالسجن والغرامة، ولكن نحن لا نملك سلطة فعلية على منطقة وادي الناطوف كون اتفاقية اوسلو لا تعطينا سلطة على المناطق المصنفة (ج)".
 |
 |
|
مغارة قديمة في وادي الناطوف
|
|
كسارة نطوف
في محيط وادي الناطوف وعلى بعد أمتار فقط، تعمل منذ عشر سنوات كسارة "نطوف" الإسرائيلية، التي تطحن صخوراً يعود تاريخها إلى مئات السنين وتحمل دلائل حضارية إنسانية، بين القرى الأربعة ( شقبة، وشبتبن، ونعلين، وقبيا)، كسارات ضخمة طحنت جبال بأكملها ونقلتها إلى المستوطنات الإسرائيلية، على شكل بسكورس وباطون لرصف الشوارع الإلتفافية والداخلية فيها، وبناء وحدات سكنية لم تتوقف حتى الآن.
سامي ثابت سكرتير المجلس القروي في شقبة، رافقنا في زيارتنا للمغارة والوادي وتحدث بألم وحسرة على وضعها الحالي: " تعمل الكسارات على تلويث الهواء في المنطقة، فالكسارة تسرق الأرض وتهدد المغارة بالسقوط، وقد انهارت بعض أجزاءها عند المدخل، اسرائيل تقوم بتفجيرات قوية في الكسارة المحاذية تتسبب في تشققات في المغارة، دون أن تعير هذا المعلم الحضاري والإرث الإنساني أي اهتمام". وهذه المخاطر أكدتها لنا وزارة السياحة والآثار حيث أن سطوة الاستيطان في هذه المنطقة شديدة وقوية، تبدأ بالمستوطنات المحيطة، مرورا بمكب النفايات، وتنتهي بالكسارات.
على لائحة التراث العالمي
عن دور وزارة السياحة والآثار الفلسطينية في حماية هذا المعلم الحضاري، يقول السيد نعيم شوامرة: " نحن عملنا على إدراج مغارة شقبة ووادي الناطوف ضمن اللائحة التمهيدية المقدمة لليونسكو لاعتبارها من ضمن المواقع التراثية العالمية كإرث إنساني عالمي". أما قرية شقبة، فتبدو وحيدة عاجزة أمام هذا الزحف الإسرائيلي بنفاياته وكساراته، التي تطمس معالم وادي الناطوف وتغيرها بوتيرة سريعة ودون رقيب أو حسيب، فسكانها ومجلسها القروي يبذلون قصار جهدهم لإيصال الصورة للعالم، وفضح الاعتداءات الاسرائيلية على هذه الحضارة، رغم التواجد المستمر للجيش والشرطة الاسرائيلية في المكان، وعجز السلطة عن تقديم أي مساعدة للحفاظ على وادي الناطوف وحضارته.
 |
 |
|
ما تبقى من معالم وادي الناطوف
|
مدخل مغارة في وادي الناطوف عمرها عشرات آلاف السنين وقد انهار بعض أجزاءها بفعل عمل الكسارة الإسرائيلية
|
على من تقع المسؤولية؟
وزارة السياحة والآثار الفلسطينية أوضحت أن لا سلطة فعلية لها على منطقة وادي الناطوف كونها تقع في مناطق (ج)، وهذا ما نصت عليه اتفاقية أوسلو.
أما المجلس القروي لقرية شقبة، فقد أوضح لنا أن الأرض المحيطة بالمغارة هي ملك خاص لأشخاص، وهذا زاد من صعوبة عمل المجلس للحفاظ على هذا الإرث الحضاري.
هناك تواصل دائم بين المجلس القروي ووزارة السياحة والآثار بخصوص الحفاظ على المغارة والوادي، وكذلك مع مؤسسات أجنبية وعلماء آثار وجامعات لتنظيم زيارات دورية لتفقد المغارة والحفاظ عليها.
يعمل المجلس القروي بحسب سكرتيره السيد سامي ثابت على التواصل مع وسائل الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب لتصل الصورة الحقيقية للعالم لحثه على الاهتمام بهذه الحضارة ووضع حد للانتهاكات الاسرائيلية التي تحصل فيها.
تبقى الحضارة النطوفية بمغاراتها وواديها تحتضر أمام سطوة وقوة آلة الدمار الإسرائيلية التي تعمل ليل نهار هناك، وتتقدم بشكل كبير وتتوسع لتزيل جبالاً بأكملها وتخفي إرثاً إنسانيا عالميا عن الوجود وإلى الأبد.