خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
زراعة الأنسجة النباتية من أحدث وأهم التخصصات العلمية والتطبيقية، وهي تعتمد على علم التقانة الحيوية الخضراء. ومع منع الاحتلال إدخال الكثير من النباتات والبذور المستوردة لقطاع غزة وتلف الجزء المسموح بدخوله، تشكل زراعة الأنسجة النباتية الملاذ الآمن لتوفير هذه النباتات والعمل على تحسين صفاتها وكمية إنتاجها، وتوفير العديد من النباتات التي يصعب على المزارعين إكثارها بالطرق التقليدية. ستساهم هذه التقنية بشكل كبير في زيادة الاكتفاء الذاتي للسوق الفلسطيني، والتقليل من استيراد النباتات من الخارج، وذلك من خلال تعميم فكرة زراعة الأنسجة وإنشاء مختبرات ومعامل خاصة بهذه التقنية، إذ تُعد نواة أساسية لإكثار الأشتال والمحاصيل الزراعية ذات الجدوى الاقتصادية. وتنتج هذه التقنية أعداداً كبيرة جداً من النباتات خلال فترة زمنية محدودة، إذ ما قورنت بالطرق التقليدية، دون التقيد بموسم زراعي معين، مع ضمان مطابقة المواصفات لجميع النباتات المنتجة مع النبات الأم.
|
 |
| أنابيب مخبرية للمرحلة الثانية من زراعة الأنسجة |
بريق أمل يحاول المزارع الغزاوي محمد أبو خوصة الإمساك به، لعلّه يتمكن في وقت قريب من إنتاج "نباتات الزينة" مجدداً؛ فقد بدا أول المتحمسين لتجربة تقنية "زراعة الأنسجة النباتية"، من منطلق اطلاعه الجيد على مزاياها، قائلاً "أكاد أجزم أنها ستغير من حالنا".
عانى محمد كثيراً من تلف البذور المستوردة، بسبب الإغلاقات المستمرة لفترات طويلة لمعابر قطاع غزة من جانب الاحتلال الإسرائيلي، ما أدى إلى إفساد البذور أو ذبول الشتلات، وبالتالي يتكبد خسائر فادحة تهدد مصدر دخله الوحيد الذي تعتاش منه أسرته.
ولا يزال تطبيق "زراعة الأنسجة النباتية" محدود في قطاع غزة والضفة الغربية، باستثناء عدد قليل جدًا من المختبرات في أفرع وزارة الزراعة وعند بعض المهندسين الزراعيين والمهتمين، ولو أدرك المزارعون فوائدها العظيمة على صعدٍ مختلفة، لفعلوا ما يتوجب من أجل تعميم التجربة.
هذه التقنية أصبحت من أحدث وأهم التخصصات العلمية والتطبيقية المتطورة، والتي تعتمد على علم التقانة الحيوية الخضراء (Green biotechnology).
ويستخدم حالياً في كافة المجالات "الزراعية والطبية والصناعية" بما يحقق فوائد قصوى للبشرية جمعاء لذلك يجذب اهتمام العالم، إذ يتيح هذا العلم القدرة على التحسين الوراثي والتهجين بسهولة على النباتات، ويُنظر إليه كــ "حجر أساس" في تحقيق "الأمن الغذائي" وحماية البيئة.
ويستحوذ "علم التقانة" على اهتمام الأوساط الطبية، لما سيوفره من نباتات طبية يمكن لاحقاً استخدامها في صناعة الأدوية، دون الحاجة لمساحات واسعة من الأراضي الزراعية.
ومع منع الاحتلال الإسرائيلي إدخال الكثير من النباتات والبذور المستوردة إلى قطاع غزة، وتلف الجزء المسموح بدخوله، كانت زراعة الأنسجة النباتية الملاذ الآمن لتوفير هذه النباتات والعمل على تحسين صفاتها وكمية إنتاجها، وخاصة تلك التي يصعب على المزارعين زراعتها بالطرق التقليدية كـ "نبات الستيفيا".
 |
 |
| تجهيز النبات للزراعة في تربة داخل أصيص لأقلمته مع البيئة المحلية |
مختبر التعقيم الخاص بزراعة الأنسجة |
اكتفاء ذاتي
تقول سعدة المجدلاوي، وهي مديرة سابقة لقسم زراعة الأنسجة النباتية في وزارة الزراعة بمدينة غزة: "إن هذه التقنية لو أوليناها الاهتمام ستزيد من الاكتفاء الذاتي للسوق الفلسطيني، وتقلل استيراد النباتات من الخارج، وذلك من خلال تعميم فكرة زراعة الأنسجة وإنشاء مختبرات ومعامل خاصة بها، وبواسطتها يمكن الإكثار من الأشتال والمحاصيل الزراعية ذات الجدوى الاقتصادية".
ومن المؤكد؛ أن تلك التقنية وسيلة ناجعة لإنتاج أعداد كبيرة من النباتات خلال فترة زمنية محدودة، إذا ما قورنت بالطرق التقليدية على مدار العام ودون التقيد بموسم زراعي معين، مع ضمان مطابقة المواصفات لجميع النباتات المنتجة مع النبات الأم، والكلام للمجدلاوي.
أنشأت هذه السيدة مختبراً لزراعة الأنسجة النباتية في بيتها؛ في مطلع عام 2020، بدعم من مؤسسات دولية، وحققت نجاحاً في إكثار عدة نباتات اقتصادية "صعبة الإكثار" بالطرق التقليدية وغير متوفرة بالبيئة المحلية مثل "نبات النيم"، وهي نباتات مهمة تستخدم للمكافحة الحيوية، بالإضافة إلى "نباتات زينة" غير متوفرة بالأسواق المحلية مثل نبات "الجبسوفيليا"، و"ليزيانثوس"، ونبات "الستيفيا" الذي يُستخدم مُحلي بديل عن السكر .
والعمل جارٍ على مرحلة أقلمة الشتلات مع البيئة المحلية تمهيدًا لبيعها للمشاتل، بحسب قولها، بدلاً من مخاطرة استيرادها من الخارج وبأسعار مرتفعة.
 |
 |
| نبات الستيفيا- محلي بديل عن السكر الاصطناعي |
نبات زينة الجبسوفيليا |
متى تنتهي المعاناة!
نجسّ نبض الميدان بخصوص هذه التجربة، وبالعودة إلى المزارع أبو خوصة، يواصل حديثه لــ مجلة "آفاق بيئية": "لدي معلومات جيدة حول تقنية زراعة الأنسجة؛ ما يؤهلني للخوض في غمارها، تمنيت لو أنه كان بوسعي إنشاء مختبر والبدء بالتنفيذ لكن الخبرة العملية تنقصني في هذا الجانب".
"ماذا عن مزارعي القطاع.. هل لديهم إلمام بهذه التقنية؟ يجيب على سؤالي بالقول: "لا أرى أن لديهم فكرة كافية عن ما ستوفره لهم، وفي حقيقة الأمر زراعة الأنسجة لو توفرت من الممكن أن تسهل كثيراً مهمة المزارع في غزة، وربما ستكون حبل نجاة له في ظل ظروف معقدة يعيشها الفلسطينيون".
ويشرح مزايا التقنية بحسب رؤيته: "أولاً وقبل أي شيء: كثير من النباتات التي يصعب إدخالها، أو إدخال بذورها إلى غزة ستصبح في متناول اليد، وفي هذه الحالة ستنتهي معاناة المزارعين من إغلاقات المعابر المستمرة وفساد البذور، ويكفي أنهم لن يزفروا تنهيدة بسبب مرض فيروسي قد يصيب نباتهم، وسيصبح من السهل على المختصين إدخال تعديلات وتهجينات على النباتات والثمار بما يتناسب مع احتياجات المواطن الغزي".
ويبرق أبو خوصة رسالة إلى وزارة الزراعة، مفادها المطالبة العاجلة بتبني هذه التقنية والبدء بعقد ورشات عمل ودورات للمزارعين لتعريفهم بأبجدياتها؛ وتوفير مختبرات لهم للعمل على نطاق واسع .
حل لصالح الطبيعة
ترنو أنظار "شركات الأدوية" العالمية نحو استخدام تقنية زراعة الأنسجة النباتية، وذلك للحصول على المستخلصات النباتية المطلوبة بأسرع وقت دون الحاجة لزراعة النباتات وانتظار نضوجها، كما أنها تسعى إلى نبات خالٍ من أي بكتيريا أو فطريات أو فيروسات، فزراعة النباتات الطبية بالطرق التقليدية تتطلب مساحة كبيرة من الأراضي وجهداً ووقتاً طويلين نسبياً، ناهيك عن مخاطر الزراعة الحقلية أو التقليدية المتمثلة في الظروف البيئية والمناخية غير المستقرة، التي قد تؤثر سلباً على نمو وجودة النباتات .
ولا يفوتنا، أن الاستخدام المتزايد للمنتجات الطبية أضحى يشكل خطرًا على النباتات الطبية، لتكون زراعة الأنسجة حلاً مثالياً لوقف الاستنزاف المجحف بحق الموارد الطبيعية.
ثلاثة مراحل
تعتمد زراعة الأنسجة النباتية على ظاهرة القدرة الذاتية للخلايا، والتي تعني أن كل خلية حية من خلايا النباتات لها القدرة الذاتية على الانقسام والنمو وإنتاج نبات كامل بنفس صفات النبات الأم أو حتى إدخال صفات جديدة للنبتة الجديدة.
ويمر هذا النوع من الزراعة بثلاثة مراحل تتلخص في الآتي:
المرحلة الأولى:
وهي اللبنة الأساسية لزراعة الأنسجة، وفيها يُفصل النسيج النباتي في ظروف شديدة التعقيم، ومن ثم زراعة الأنسجة في بيئة صناعية ثم حفظها في حضانات مخصصة وضمن درجة حرارة وإضاءة ورطوبة ملائمة لنمو النبتة داخل المعمل .
المرحلة الثانية
وتهدف إلى زيادة أعداد النباتات في المعمل، وبموجبها تُنقل النباتات النامية من بيئة المختبر إلى بيئة أخرى ذات تركيب كيميائي معين لتنشيط تكوين الفروع الجديدة للنباتات، وهذه العملية تخضع للتكرار حتى نحصل على الأعداد المطلوبة من النباتات .
المرحلة الثالثة
وهي مرحلة الأقلمة، إذ تعاد زراعة النباتات ونقلها من المعمل لإعادة أقلمتها مع التربة، ومن ثم تُستخرج من الأنابيب المخبرية وتُزرع في أُصص صغيرة تحتوي على رمل وتربة زراعية على أن تُغطى بالبلاستيك الشفاف، للحفاظ على الرطوبة وبعدها يُزال هذا الغطاء تدريجياً، وأخيراً يكون جاهزاً للتوزيع على المزارعين لزراعة الشتلات في الحقول.
ويجب التشديد على مسألة التخلص من الفيروسات عند بداية الإكثار، التي تسهم فيها تقنية زراعة الأنسجة النباتية، وذلك لضمان الحصول على نباتات خالية تماماً منها .
ماذا فوتّنا من فوائد؟
حسناً، دعونا نذكر بعض الفوائد التي فاتت مزارعينا بسبب عدم انتشار تقنية زراعة الأنسجة في بلادنا؛ إذ تعمل على إنتاج عدد كبير من الأشتال النسيجية النباتية بكافة أنواعها وأحجامها، وذلك ضمن وحدة مساحة صغيرة "مبنى المختبر" مقارنةً مع الإنتاج بالطرق العادية التي تحتاج إلى أراضٍ زراعية بمساحات كبيرة ودفيئات بلاستيكية وتكلفة مالية طائلة.
كما أنها تضمن وفرة الإنتاج على مدار أشهر السنة، دون الحاجة لانتظار مواسم التكاثر العادي، وتتميز التقنية بالسرعة الفائقة في الإنتاج؛ إذ يمكن الحصول على مئات الآلاف من الأشتال النسيجية في غضون 4 أشهر، والمدة تتوقف على الصنف المطلوب إنتاجه.
علاوة على ما سبق، فإنها تعتمد على أجزاء تكاثرية بسيطة جدًا من النبات للإنتاج دون الاعتماد على نباتات أمهات؛ عالية التكلفة في أثمانها ومكلفة في إيوائها وتربيتها.
علماً أن هذه التقنية قادرة على إكثار العديد من أصناف النباتات المنقرضة وشبه المنقرضة، وإنتاج أشتال زراعية ذات مواصفات عالمية، وقيمة غذائية عالية، كما أنها تحفظ الذخائر الوراثية بطرق الحفظ الخليوي .
وأخيراً؛ تقنية زراعة الأنسجة صديقة للبيئة ولا ينتج عنها أي نفايات سائلةً أو صلبة أو غازية؛ قد تضر بالإنسان والبيئة أو بكافة أشكال الحياة.

نبات زينة ليزيانتوس