اسم الكتاب: خطة إحياء البلدة القديمة في نابلس، تراث باقٍ وحضارة مستمرة
عدد صفحات الكتاب: 220 من القطع الكبير
اسم الناشر: مؤسسة التعاون، رام الله- فلسطين
سنة الاصدار: 2011
يأتي هذا الكتاب القيم برؤيته الاستراتيجية الشاملة الصادر عام 2011، نتاج خطة تطويرية لإحياء البلدة القديمة في نابلس بدأها المكتب الفني لبرنامج اعمار البلدة القديمة في القدس عام 2007، بهدف تحديد احتياجات وأولويات القطاعات المختلفة في البلدة القديمة في نابلس بناءً على دراسات لتقييم الأوضاع في المجالات التنموية المختلفة وذلك من خلال المسوحات والأبحاث، وتشمل كافة القطاعات التي يحتاجها المخططون وصانعو القرار لوضع خططهم المستقبلية للبلدة القديمة وتطويرها. كما تشمل الخطة إنشاء قاعدة معلوماتية لكافة المباني في البلدة القديمة.
وقد شملت الدراسات والأبحاث قطاعات التخطيط الحضري والتنموي وقطاع الاقتصاد والسياحة والبنية التحتية (مياه، مجاري، كهرباء، نفايات صلبة) والمواصلات والإسكان والأوضاع الاجتماعية والمؤسساتية وكذلك دراسات التطور التاريخي والآثار في البلدة القديمة في نابلس.
وشارك في إعداد الخطة خبراء وباحثون في المجالات التنموية المختلفة بالتنسيق مع بلدية نابلس وعدد من المؤسسات الأهلية والمحلية، وتم نشر الخطة خلال عام 2012 باللغة الانجليزية .
إحياء البلدة القديمة في نابلس
ونقتبس من الكتاب المزدان بالصور المعبرة عن جمال وعبق تاريخ البلدة القديمة في نابلس، بعضاً من المعلومات المفيدة ذات البعد التاريخي، التراثي والبيئي:
تعتبر مدينة نابلس من اقدم المراكز الحضرية في فلسطين ومحيطها، اذ تحمل بين طيات جبالها ووديانها وسهولها بصمات الحضارات التي تعاقبت عليها منذ آلاف السنين، وقد فرضت تضاريسها وطبيعتها نفسها على تطورها العمراني، ما أضاف جمالاً مميزا على بنيانها القديم والحديث حتى يومنا هذا. وبالرغم من التغييرات التي طرأت على تشكيلات التخطيط والبناء فيها مع كل محتل وغازٍ، إلا أن أهميتها استمدت باستمرار تطورها وتجددها على مدى العصور، بحيث اتصلت وتلاحقت طبقات الحضارات المتتالية وامتدت على أرضها لتشكل فسيفساء عمرانية مميزة لا زالت ظاهرة في أرجاء بلدتها القديمة. وفي مواقع عديدة حولها تزخر بإبداعات العمارة البيزنطية والأيوبية والمملوكية والعثمانية.
اعتبرت نابلس على مدى العصور مركزا اقتصاديا وتجاريا وسياسيا هاما في فلسطين، وكان لموقعها المفصلي أثرٌ كبيرٌ ساهم في نهضة فلسطين واتصالها بالبلدان المحيطة خلال الحقب التاريخية التي تعاقبت عليها.
وقد كانت سنوات الاحتلال الاسرائيلي في العقود الأربعة الماضية قاسية على المدينة كغيرها من المدن الفلسطينية، وعانت نابلس ولا زالت تعاني أيام الحصار الطويلة والاجتياحات المدمرة، والتي لم ترحم آثارها وتراثها ولا شيوخها ولا أطفالها.
وعلاوة على مظاهر التدهور الفيزيائي للمباني والمساكن التاريخية والتردي في شبكات الخدمة والبنية التحتية، فإن تغيير الاحتياجات والوظائف وضغوط متطلبات الحياة العصرية واختلاف التركيبة السكانية والاجتماعية في البلدة القديمة زاد الاوضاع فيها تفاقماً. وقد جاء ذلك بعد عقود من الإهمال الذي أدى الى التدهور في نسيجها المعماري المميز ونزوح العديد من العائلات والمؤسسات عنها وانهيار بنيتها التحتية، كما ان سنوات الاجتياح والقصف والتدمير التي مارستها قوات الاحتلال في البلدة القديمة أدت إلى ضياع وفقدان العديد من مبانيها التاريخية وصروحها العمرانية وتدمير كلّي او جزئي للكثير من مساكنها ومرافقها.
وكان الأساس الذي بنيت عليه الخطة، أن البلدة القديمة في نابلس مدينة غنية حية تشكل قلب المدينة النابض بالحياة، وبالرغم مما حل بنسيجها العمراني من دمار وإهمال واستخدام غير مناسب وما تفتقر اليه من خدمات ومرافق، إلا أن سحر البلدة ما زال يكمن في مبانيها التراثية وشوارعها وأزقتها وأحيائها وأسواقها وصروحها المعمارية ومساكنها بما تظهره الابداعات المعمارية، التي خلفتها الحضارات المختلفة التي مرت عليها وتداخلت آثارها المميزة بين جنباتها.
سعت الخطة لتحقيق الاهداف العامة التالية: الحفاظ على التراث المعماري للنسيج الحضري التاريخي للبلدة القديمة، تطوير الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية للبلدة القديمة، ابقاء البلدة القديمة كمدينة حية وتوفير الآليات والموارد اللازمة لاستعادة جاذبيتها ومركزيتها الاجتماعية والاقتصادية في فلسطين، وقف التدهور الفيزيائي والإنشائي لمباني ومساكن البلدة، الحفاظ على التوازن ما بين حماية الموروث المعماري المميز والحاجة لتوفير الخدمات العصرية للمساكن والمؤسسات العاملة فيها، تشجيع الاستثمار والسياحة في البلدة القديمة لخلق فرص عمل وجذب رؤوس الأموال، زيادة الوعي عند السكان ومستخدمي البلدة القديمة، تشجيع المؤسسات الرسمية وغير الرسمية على توفير المصادر المالية والمهنية والإدارية المطلوبة، للتمكن من تنفيذ توصيات ومقترحات الخطة وضمان ديمومتها.
لمحات عن بيوت نابلس
تشكل البيوت التقليدية الجزء الأكبر من النسيج الحضري للبلدة القديمة في نابلس، حيث بنيت متلاصقة مؤلفة معا كتلة ضخمة تتخللها الأفنية المفتوحة والحدائق الخاصة. ويعتمد البيت ذي الفناء على مبدأ الانفتاح على الداخل نحو فناء مركزي، تترتب حوله غرف البيت وفراغاته المختلفة، وتتصل فيما بينها من خلاله وتتوجه نحوه للحصول على النور الطبيعي والشمس والتهوية. وكان يراعى في تصميم البيت ذي الفناء، الاستفادة القصوى من مساحة الارض المقام عليها، فعلى الرغم من القيود التي كانت تفرضها مواقع البناء غير المنتظمة، تمكن البناءون في معظم الحالات من ترتيب فراغات داخلية منتظمة وخاصة في الطوابق العلوية، اما مساحة البيت ودرجة التعقيد في تصميمه، فكانت تعتمد على الامكانيات الاقتصادية للمالك، فحجم البيت الفلسطيني المدني، كان يتراوح بين الصغير المكون من غرفتين وثلاث الى المنازل الكبيرة والتي تتكون من عدة شقق ومستويات.
الفناء يسمى الفناء الحوش وسط الدار او صحن الدار، ما يرمز الى حيز مغلق او الى مركز البيت، والفناء هو العنصر الرئيسي في البيت التقليدي في نابلس القديمة، ويشير الى فراغ داخلي مغلق مفتوح الى السماء، محاط بغرف على مستوى واحد او مستووين . يشكل الفناء الفراغ المركزي الأهم في البيت ويوفر الفناء الخصوبة لساكنيه، ويعمل بمثابة غرفة معيشة عائلية في الهواء الطلق وخاصة في فصل الصيف، وهو أكثر الفراغات استخداماً في البيت التقليدي.
عمل الفناء سواء اكان مستطيلا ام مريعا، كبيرا ام صغيرا، على توفير الاضاءة والتهوية الطبيعية للغرف والفراغات المحيطة به وكان محميا ومحاطا بالغرف والجدران والممرات المسقوفة بينما غطيت ارضه بالحجر. كما احتوت الافنية الواسعة في البيوت على نوافير المياه والبرك والأشجار والزهور. وحتى البيوت البسيطة، احتوت افنيتها على الاحواض والنوافير، وقد ساعد تبخر المياه ووجود النباتات على رفع درجة رطوبة الجو، ووفر ظروفاً مناخية لطيفة في الأيام الحارة.
الحديقة الخاصة
وجدت الحدائق الخاصة احيانا بالقصور والبيوت الكبيرة، وكانت تزرع بمختلف انواع الفاكهة والحمضيات، وتحدد مساحتها بناء على الارض المتوفرة، وعادة ما يتم الوصول الى الحديقة من خلال الفناء، ويضفي ورد الحديقة جواً ممتعاً على السكان، ويزودهم بالفاكهة الطازجة، وقد ورد التالي في وصف حدائق نابلس قديماً:
"فدخلنا إلى جنينة في ذلك المنزل رحيبة الأكتاف، لطيفة الجوانب والأطراف، فيها حوض ماء تجري بالعذب الزلال، وايوان عالٍ جديد البنيان وريف الظلال. (الحضرة الأنسية، النابلسي، ص 78)
حرص البناءون التقليديون على تهيئة الظروف البيئية الملائمة داخل كل بيت من بيوت المدينة، فمن الخصائص التي تتميز بها المدن التقليدية، قدرة السكان على توفير الظروف المناخية المريحة لأنفسهم داخل منازلهم، وقد كانت هناك دائما حاجة الى توفير مناخ لطيف، خلال اوقات الصيف الحارة، بعكس اوقات الشتاء، اذ لا يسود البرد الشديد ولم تكن هناك حاجة الى التدفئة. وقد كان الفناء هو العنصر الرئيسي في تصميم البيت الذي يوفر الظروف المناخية الملائمة خلال الصيف، ويعمل بمثابة معدّل لدرجة الحرارة الداخلية للفراغات المتجمعة حوله.