خاص بآفاق البيئة والتنمية
تعيش منذ مطلع الشتاء الجاف هذا العام، قلقاً متواصلاً يضاهي الحمى، التي تنتقل لكل أعمالك، وتتدخل في حواراتك، وتجعلك كالرهينة. في هذه السطور، ترسم خلاصة شهرين من الانتظار الطويل، والقلق الذي يوجع القلب، والتوقعات السوداء، والمتابعة المُحزنة.
حديث الحافلة..
تسمع كل صباح سلسلة أحاديث كثيرة في الحافلة، ويتكرر الحال في رحلة العودة المسائية. أغلب السائقين يبحثون عن نشرة جوية إذاعية مبُشرة، لكنهم كناصر جرار، يخشى من أن يمر شباط دون مطر، وهذا يعني أن الصيف سيكون دون ماء كافٍ. يفتح حديث الشتاء الغريب هذه السنة، حوارات دائمة تتصل بالمطر، وفي كل مرة تخرج فيها إلى عملك، تسمع حديثاً دائماً عن المطر، من مسافر أو أكثر. يقول عبد الله: أنظر إلى جوانب الطريق ولا أجد العشب مقارنة بالعام الماضي، ولا نعلم ماذا سيحدث بنا، إن استمرت لعنة الجفاف بملاحقتنا.
مؤشر السوق!
تراقب إيقاع المتسوقين، وتفتح حوارات مع الباعة، فيخبرك عادل أبو حسن، أن الجو هذا العام "ينشف الريق"، وحتى أن شكل اللوف والعكوب والفجل والبقدونس والخس والشومر محزن. وأثر العطش على طعمه ولونه، فالطقس غريب عجيب، والخبيزة والعوينة واللوف والفطر والعلت (الهندباء) وغيرها من النباتات لم تنمُ بشكل جيد، وبعضها لم يصل السوق.
والغريب في أسعار الخضروات الشتوية، كما يقول المهندس محمد صلاح، إنها رخيصة الثمن بمعظمها، ولا تساوي الماء الذي تروى به منذ شهرين. ولو فكّر المزارعون جيداً، وباعوا الماء فإنهم سيربحون أكثر مما يحصلون عليه.
يحمل كلام البائع المتجول حسن السعيد، الكثير من القلق على موسم الشتاء الحالي، والنقد لسياسات وزارة الزراعة فيقول: لا يعقل أن تكون حبة الزهرة الواحدة والكبيرة بشيقلين، فيما تُكلف الكثير من الماء، وقد أضطر أصحابها ريها هذا العام بشكل مضاعف، ولو أن وزارة الزراعة تتدخل لتغير الوضع للأفضل.
تربة جافة في أواخر شباط
الحقول: أفق أسود
تتنقل بين غير منطقة في جنين وطوباس والأغوار، وتزور حقولها، وتناقش حرّاس الأرض. يقول محمد عبد الهادي: لا نصدق أن الشتاء يقترب من النهاية، دون مطر، ولا نُصدق أيضاً ما نشاهده بأعيننا من أن القمح "ينازع"، وأن الغبرة تنتشر إذا ما حرثنا الأرض في شباط. وإذا استمر الحال كما هو هذا العام، فإننا لن نجد ما لا نروي حلوقنا وليس مزروعاتنا، وأظن أنها ستكون سنة قاسية جداً، وإذا استمرت بقايا شباط وآذار دون مطر، فإن كل شيء سيكون في وضع خطير.
فيما يُقلّب الثمانيني فالح دراغمة كفيه، وهو ينظر إلى السماء الزرقاء في اليوم الأخير من أربعينية الشتاء، ويقول بحسرة: الأرض عطشانة، والمطر ما نزل من شهر ونصف، والأرض والشجر والبشر( نشفت ريقها)، وإذا لم تمطر الدنيا في الخمسينية (وهي الفترة الممتدة من 1 شباط وحتى 21 آذار)، لن تخضّر الأرض، ولن ينبت الزرع، ولن نجد الماء في الصيف للشرب.
وأعادت الأحوال الجوية الجافة إلى دراغمة قصة شتاء عام 1951، حين ضرب الجفاف فلسطين، ولم تسقط على الكثير من المناطق أكثر من 200 ملم من الأمطار، حيث يؤكد أن حقوله في مزارع بردلة وعين البيضاء جفت بعد وقت قصير من زراعتها، ولم يجمع حبة قمح واحدة في ذلك الموسم، وعانت الناس الأمرّين، وكان الغور كله حزين، فلا قمح ولا شعير ولا حمص، ولا شيء، وعاشت الناس في ضائقة، وضُربت الخسارة أصحاب المواشي.
ويخشى من تكرار شتاء ذلك العام الحزين، مشيراً إلى أن الجيل الجديد لا يعرف معنى انحباس المطر، ويتصرف وكأن لا أزمة تنتظره في الصيف، والأغرب كما يقول" حب" بعض الناس للأجواء المشمسة في الشتاء للتنزه والجلوس في الشمس!
ويؤكد المهندس الزراعي أيهم أبو بكر، أن شتاء هذا العام جاء بنكهة صيفية، فنقص كمية تساقط الأمطار وتأخرها، سيسبب حالة من الجفاف، تنعكس سلباً على الوضع البيئي والاقتصادي في فلسطين، فالمصدر الرئيس للتزود بالمياه، سواء للزراعة أو الاستخدامات الأخرى هي المياه الجوفية، وهذه المياه وكميتها تعتمدان على التساقط المطري.
ويرى إن استمرار الانحباس سيتسبب بنضوب العديد من الآبار والينابيع، وتناقصٍ في مستوى المياه الجوفية، وتراجعٍ ونقص حاد في تزويد المياه للاستخدام المنزلي، وتدهور قطاع الثروة الحيوانية وعدم توفر المراعي، ونقص حاد في مساهمة القطاع الزراعي في الدخل المحلي، والتأثير على التنوع الطبيعي والثروة الطبيعية. وستكون لهذه النتائج تداعيات مباشرة على حياة الناس، وهذا يستدعي برامج تدخل طارئة في حالة استمرار الحال، الراهن، وخاصة أن العديد من القرى والمدن يتم تزويدها بالمياه من خلال شركة (ميكروت) الإسرائيلية، وبالتالي فإن الأولوية لدى هذه الشركة ستكون تزويد المستوطنين على حساب الفلسطينيين. كما أن القطاع الزراعي سيتراجع بشكل حاد، إذ ستكون الأولوية لتزويد الناس بالمياه بدلا من الزراعة، وبالتالي سيتراجع النشاط الزراعي، وسترتفع فاتورة الغذاء على كاهل المواطن، وسينتج هذا الوضع العديد من التداعيات والمشاكل الاجتماعية.
ينهي أبو بكر: لا بد من البدء بالتفكير جديًا في إيجاد بدائل وبرامج طارئة لمواجهة هذه الظروف، إذا ما استمر انحباس المطر.
جدران افتراضية جافة
لا توفر فرصة لنقاش الأصدقاء عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فتكتب وترصد وتتابع كل ما يتصل بالشتاء وأزمته الحرجة هذا العام. فتكتب على هامش تلاشي منخفض النصف الثاني من شباط: بعد ضياع الأمل في الكانونين وشباط الخباط قد نبدأ بالرهان على المستقرضات( وهن 7 أيام : الثلاثة الأواخر من شباط والأربعة الأوائل من ابن عمه آذار)
وقبلها تستوحي فكرة أخرى: مع كل خطوة نقترب فيها من الصيف، أُصاب بالرعب: فقد لا نجد الماء ولا الخضراء ولا يطعمنا أو يسقينا الوجه الحسن أو القبيح...رحمتك يا الله. وأنت تنظر إلى الغيمة السريعة والخجولة تقول: ينتهي المنخفض قبل أن يبدأ!
من وحي حواراتك مع الأصدقاء، تكتب لهم: أنام واستيقظ وأحلم بالشتاء وأترقب المطر، ولا أجده، أخشى أن ينحرف المنخفض القصير.
وفي كل مرة تتصفح فيها مواقع متخصصة بالطقس والتنبؤ الجوي، تكتب لأصحابها: ليتنا نعيش أسبوعاً دون توقعات جوية تغوّرنا في الأرض!
ويوم 12 شباط تكتب: ينتهي ظهر الغد سعد ذابح، دون أن يستخدم سكينًا أو سلاحاً ولا حتى مقلاعاً، كأن (سعد) تأثر بالتجربة الفلسطينية السلمية، ولجأ إلى "المقاومة الشعبية" و"المفاوضات" مع الشمس!
وقبلها تخط: إذا ما استمر انحباس المطر - لا قدر الله- حتى نهاية شباط، على جهات الاختصاص البدء بإجراءات للإعلان عن موسم قحط ورمادة، واتخاذ تدابير لإدارة صيف ساخن جداً متوقع؛ لأن "العرس" لن يكون عند جيراننا! ندعو الله أن يمن علينا بالمطر.
جفاف في أواخر شهر شباط
دفاتر الأيام: مقارنات
وأنت تنظر إلى السماء الصائمة هذا العام المخيف( حتى الآن)، تعود إلى تاريخ المطر في بلادنا، فتسأل عدة رجال تجاوزوا الثمانين، قال لي أحدهم: سمعت من أبي عن عام قحط، أضطر فيه الناس للبحث عن الطعام من بقايا روث البهائم. وروى لي آخر: كنا نصعد إلى الجبل لطلب الغيث، وما أن ننزل عنه إلا وتفتح السماء أبوابها. وعام 1951 كان الأسوأ، فلم تهطل على جنين غير 215 ملم ( بينما كان العام الأفضل 1921 إذا هطلت 1234 ملم، تليها سنة 1992 بـ 1037 ملم).
في الجامعة
تستهل تدريبك الإعلامي لطلبة جامعة القدس المفتوحة في طوباس، بسؤال مفتوح: ما هي قضية الناس اليوم؟ يتردد المشاركون أول الأمر، يبتعدون قليلاً عن مقصدك المتصل بجفاف الأرض وانقلاب الشتاء. ثم تُلمح لهم، فيصلون للإجابة. تطلب منهم توقعاً لما يمكن أن يعنيه لهم الجفاف. تقول هبة: سنعيش وضعا صعباً. وتجيب سهى: سيصبح وضعنا الاقتصادي في غاية السوء. أما غادة فترى بأن الأرض ستموت. وتتوقع علا أن يؤثر انحباس الأمطار الطويل على المياه والآبار. ويعني هذا الحال لصابرين وسهاد النقص في كل شيء. بينما تعتقد ساجدة أن انحباس المطر سيرفع الأسعار بشكل كبير جداً. وتقول فاطمة: ستموت المزروعات. وتظن عرين أن الشتاء الجاف سينشر الأمراض. وتصف شيماء الحال بأنه سيؤدي إلى الجوع. وتقول بيان إن المطر الغائب سيجعلنا نشعر بالأزمة في كل شيء. ويقول محمد إن الأمر موت أحمر. بينما يقول هشام وصلاح إن الشتاء الجاف يعني أننا ندخل إلى عام قحط، وينشر الأمراض.
مجالس عزاء!
تمضي أربعة أيام في مجلس عزاء قريبك، خلال هذه الفترة الطويلة، يتبدل حال الطقس، وفي آخر يوم يتصاعد الحديث عن منخفض جوي، تراقب التحديثات لراصدي الطقس، وتطيل النظر إلى السماء التي تتقلب غيومها، وتسقط القليل من المطر. غالبية المعزين أو المقيمين في ديوان العائلة، يتحدثون عن الشتاء الذي لم يأت. سلطان مثلاً مهندس زراعي، يقول إن هذا العام سيكون مُعقدا وصعباً، وقد نشهد تقلبات جوية حادة وتطرف في درجات الحرارة، وعلينا أن لا نستغرب إن أمطرت في حزيران. أما الخمسيني علام فمزارع يتذكر سنة 1999 جيداً، حين كانت الظروف مماثلة لهذا العام بشح مياهها، وشاهد كيف أن فئران الحقول كانت تبحث عن طعامها بطريقة لافتة من الجوع، حين تصعد للبحث عن أجراس الحمص الشحيحة في أعلى النبتة. بينما يراقب الشاب حسان قطرات المطر الخجولة التي تهبط مساء السادس عشر من شباط، لكنها ما أن تهبط إلى الأرض، إلا ويختفي أثرها. ويقول المهندس الزراعي أسامة: علينا أن نفكر جيداً هذا العام بما نزرعه، وأن نقلص المساحات بنحو 70% حتى لا نواجه كارثة. أما المزارع أبو عمر، فيقول أن توقعات الأرصاد الجوية هي جزء من المشكلة، فقبل انتشار الإنترنت كنا نستمع لنشرة جوية واحدة، وتعطينا الأوضاع ليومين، أما اليوم فهناك توقعات تصل لشهر، أو 11 يوماً، أو 10 أيام، من دون أن تكون صحيحة. وبسبب ما يقوله هؤلاء، لم نعد نستطيع أن نروي مزروعاتنا.
قصص صحافية
لا تفوت فرصة لمقابلاتك الصحفية، إلا وتسأل رواة قصصك عن الشتاء والقحط. أغربها ما قاله جودت المصري، المولود عام 1919 بطوباس: في سنة المحل عام 1951، ظلت السماء زرقاء طوال الشتاء، وحينما كنا نشاهد غيمة نادرة كنا نلحق بها، ونرى أين تذهب، ونتمنى أن تمطر علينا، لكنها كانت تذهب بعيداً عنا، ويومها لم ينبت العشب، وعطش الزيتون، وأكلنا بعض اللوز الأخضر، وحصلنا على قمح أحمر مساعدات أمريكية، وفي السنة الثانية ( 1952) كان المطر غزيرا، وغلّت الأرض!
من مظاهر الجفاف النباتي إثر انحباس الأمطار لأكثر من شهرين
مناهج جافة
تزور إحدى المدارس، يتصادف وصولك ودرس للصف الثاني الأساسي معنون بـ"المطر خير وبركة"، وفيه: "الجو ملبد بالغيوم، وبدأت الأمطار الغزيرة تتساقط، أسرع التلاميذ إلى الصف. سمع التلاميذ صوت حبات البرد تقرع الشبابيك فشعروا بالبهجة والفرح..." . حينها يسأل الصغار معلمهم: لماذا نرى الشمس دائما في الشتاء؟ وأين هي حبات البرد؟ ومتى سنرى الغيوم تمطر؟؟
ننتظر إجابة السماء لهم ولنا.
aabdkh@yahoo.com