من مياه الأمطار إلى قشور الحمضيات .. كنوز مُهملة في فصل الشتاء!
|
نحن غالبا لا نُتْعِب أنفسنا بالتفكير باستغلال أقرب الموارد إلينا، بل نذهب ونشتريها من أقرب "متجر" أو "شركة"، وكي لا نَبعُد كثيرًا فنحن نستهلك كميات كبيرة من المياه، ولا نُفكر أن بإمكاننا أن نقتصد باستخدامها ولو بنسبة قليلة، وذلك بخطوات بسيطة جدًا كتجميع مياه الأمطار. أو تجدنا أحياناً لا نُجرؤ حتى على الإقبال على "وقود" مميز مصنوع من مخلفات عصر الزيتون بدلًا من الاعتماد على النيران في إيقاد مدفأة الحطب مثلًا. وحتى بالنسبة لأبسط وأقرب الخامات إلينا، كقشور الحمضيات التي ننتجها بكثرة في فصل الشتاء، والتي يلقيها معظمنا في القمامة.. دُون أي اكتراث بالاستفادة من فوائدها الكثيرة
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
كثيرة هي الكنوز التي لا نستفيد منها في زماننا هذا، فقد اعتدنا لعب دور المستهلك أو المشتري الذي لا يُتعب نفسه بالتفكير باستغلال أقرب الموارد إليه، بل يذهب ويشتريها من أقرب "متجر" أو "شركة"، وكي لا نَبعُد كثيرًا فنحن نستهلك كميات كبيرة من المياه، ولا نُفكر أن بإمكاننا أن نقتصد باستخدامها ولو بنسبة قليلة، وذلك بخطوات بسيطة جدًا كتجميع مياه الأمطار. أو تجدنا أحياناً لا نُجرؤ حتى على الإقبال على "وقود" مميز مصنوع من مخلفات عصر الزيتون بدلًا من الاعتماد على النيران في إيقاد مدفأة الحطب مثلًا. وحتى بالنسبة لأبسط وأقرب الخامات إلينا، كقشور الحمضيات التي ننتجها بكثرة في فصل الشتاء، والتي يلقيها معظمنا في القمامة.. دُون أي اكتراث بالاستفادة من فوائدها الكثيرة كما سنرى في التقرير التالي:
مياه الأمطار.. كيف نستفيد منها؟
لا شيء يُميّز الشتاء في بلادنا مثل الأمطار، ولطالما كان الفلاح ينتظر الشتاء كي يحصد مياه الأمطار من خلال أسطح المنازل والآبار التي كانت تُجهّز من أجل تجميع مياه الأمطار والاستفادة منها لاحقًا أو حتى من خلال "براميل" توضع بالقرب من "المزراب" ويستفاد منها لفترة جيدة في الريّ وأعمال منزلية أخرى، أما اليوم فإن مُعظم هذه الموارد الطبيعية تذهب إلى شبكات الصرف الصحي وتختلط بالمجاري فتُشكل عبئًا على الشبكات أولًا.. ثم على البيئة والميزانيّات ثانيًا، حيث تتطلب معالجتها جهودًا لا بأس بها.
من غزّة، نجد المهندس محمد حسن الزيان يشير إلى أن استخدام الدفيئات الزراعية في حصاد مياه الامطار يُمكن أن يعود بفوائد جمّة، ويوضح ذلك في مقالة له " كل دفيئة بمساحة 1000 متر مربع يمكن أن تُستغل لتجميع حوالي 300 متر مكعب سنويا من مياه الأمطار العذبة، والتي تصلح لزراعة جميع أنواع المحاصيل الزراعية (على اعتبار أن متوسط معدل هطول الأمطار السنوي في قطاع غزة هو 300 ملم). يمكن لهذه الكمية من المياه أن تكفي لري الدفيئة مدة 10 أسابيع في حال استخدامها بدون خلط وفي حال تم خلطها بمياه جوفية ذات جودة متدنية يمكن أن تكفي لمدة 20 أسبوعاً".

برميل لتجميع مياه الأمطار - مصدر الصورة : grafiberica.com
بالعودة إلى الاستفادة من مياه الأمطار التي يُمكن تجميعها من أسطح المنازل، كما كان يفعل أجدادنا، نجد ثلّة من الباحثين الفلسطينيين في جامعة بيرزيت قد نشرت مقالة علمية في مجلة Water & Health بحثت فيها جودة مياه الأمطار التي تم تجمعيها في مناطق مختلفة في الضفة الغربية، ووجدت أن المياه وإن كانت بشكل عام جيدة من حيث الجودة، إلا أنه لا بُدّ من أخذ عدة إجراءات احترازية قبل استخدام هذه المياه مثل الحفاظ على نظافة الأسطح بشكل مستمر، وضمان عدم اقتراب الحيوانات منها، ويشمل ذلك التنظيف المستمر من براز الطيور مثلًا، بالإضافة إلى ذلك يوصى بتحويل أول كمية من المياه المتجمعة إلى المجاري، وكذلك ضرورة الحفاظ على نظافة مكان التجمع - كالبرميل مثلًا - مع الاهتمام بإغلاق الفتحات فيه؛ لتقليل احتمالية نشوء تلوث ميكروبي microbial contaminati. دون الالتزام بهذه الخطوات فإن الشرب المباشر من مياه الأمطار المجمعة من الأسطح يُمكن أن يؤدي إلى عواقب غير محمودة.
رغم كُلّ التعليمات، إلا أن الاستفادة من مياه الأمطار تعود بفائدة جمّة قد لا ندركها أحيانًا.. مثل تخفيف العبء عن شبكات الصرف في أوقات الذروة.. وبالتالي التخفيف من احتمالية حدوث الفيضانات الناتجة عن دخول كميّات هائلة وغير محتملة، ولذلك نجد وزارة المياه والري الاردنية تدعو المواطنين الى التنبه لعدم ربط مزاريب مياه الأمطار على شبكات الصرف الصحي، والاستفادة منها، وذلك للتخفيف من أضرار السيول المحتملة.
جفت الزيتون.. وقود ولكن!
إلى جانب كميّات الأمطار الهائلة التي نُهملها، فإننا نُهمل كذلك موردًا مهمًا يتكون لدينا مع انتهاء موسم الزيتون واعلان بداية الشتاء وقُرب "السقعة" و"المربعانية" وهو جفت الزيتون، الذي يُمكن أن يستخدم كبديل ممتاز للحطب، ولكن بعد أن يتم تجفيفه. واليوم هناك العديد من المعامل الفلسطينية التي تقوم بتجهيز الجفت كوقود "طبيعي" يستخدم في التدفئة، حيث أن استخدام الجفت دُون معالجة يُمكن أن يسبب روائح كريهة ويصبح استخدامها مزعجًا، وهذه المعالجة ليست معقدة بتاتًا وقد كان الكثير من أجدادنا يقومون بها وحدهم.

جفت يصنّع بمعمل خاص في كفر نعمة
مع ارتفاع أسعار الوقود، نجد اهتمامًا متزايدًا بالجفت وكذلك ازدياد المعامل التي تقوم بمُعالجته وتحضيره للاستخدام التجاري في الأسواق، والكثير من هذه المعامل تسوّق لمنتوجاتها على الانترنت فنجد صفحة "جفت مكبوس" تشير إلى أن الجفت الذي تسوّقه خالٍ من الشوائب ويدوم لفترة طويلة ولا يتطلب وقتاً للاشتعال، وعلى صفحة "شو بدك من فلسطين" نجد من يبيع جفت الزيتون على شكل حبيبات جفت قطرها 8 ملم وحطب جفت بقطر 5.8 سم مفتوح من الداخل وذلك لتسهيل عملية الاحتراق، كما أن هذا الجفت قابل للاستخدام في صوبات الحطب وبويلرات الجفت للحصول على تدفئة عالية بتكلفة رخيصة نسبيًا، بالإضافة إلى ذلك؛ فإن هناك إعلانات أخرى تشير إلى أن الجفت ضروري لحماية البيئة من خلال حدّهِ لظاهرة قطع الأشجار وكذلك من خلال امكانية استخدام الرماد الناجم عن احتراقه كسماد للتربة لاحقًا.

من الجدير بالذكر، أن فريقاً من الباحثين الإيطاليين قام عام 2016 ببحث لفحص مدى جودة "حطب الجفت" أو "حبيبات الجفت" وفق المعايير المعمول بها في دول الاتحاد الأوروبي، وقد خلصت دراستهم إلى أن الحبيبات المصنعة من الجفت بنسبة 100% تحتوي على كميّة من النيتروجين والنحاس أكبر من الكمية المسموح بها، كما وجدت الدراسة أن متانة هذا الصنف من الجفت أضعف من "حبيبات الجفت" التي يتم تصنيعها من خلال مادة الجفت المخلوطة مع بقايا التقليم olive tree pruning، وبالتالي توصي الدراسة بضرورة خلط الجفت بالأغصان الناجمة عن التقليم وذلك بنسبة تتعلق بالتقنية المستخدمة في المعصرة، ففي الجفت الناجم عن معصرة ثنائية المراحل؛ يُنصح بأن يكون الخليط مكوناً من الجفت ومخلفات التقليم بنسبة 50%.
قشور الحمضيات.. ليست نفايات
وبعد موسم الزيتون، نجد أسواقنا تمتلئ بالحمضيات وعلى رأسها البرتقال.. الذي نستهلكه بكميات كبيرة جدًا وبالأخص كعصير طبيعي صحي، وكالعادة - وكما نعلم جميعنا - أن عملية عصر البرتقال يصحبها كميّات كبيرة من القشور التي غالبًا ما تُلقى في النفايات، علمًا بأن لها استخدامات كثيرة مميزة معروفة منذ قديم الزمان.
فلو فتحنا أحد أهم مراجع الطب بالأعشاب التي كتبها ابن البيطار قبل 1000 عام، سنجده يذكر قشر النارنج "البرتقال" وفوائده فيقول: "وقشر ثمرتهِ حار ورائحته تقوي القلب وينفع من الغشي" ثم يضيف: "إذا جفف قشر ثمرته وسحق وشرب بماء حار حلل أمغاص البطن، وإن أدمن الإنسان شربها بالزيت أخرجت أجناس الدود الطوال، وإذا نقعت قشور ثمرته وهي رطبة في دهن وشمست ثلاثة أسابيع نفعت من كل ما ينفع منه دهن الناردين".

قشر البرتقال - مصدر الصورة: peru.com
أما اليوم، فإن الأبحاث تتجه إلى استخلاص الزيوت العطرية ومواد عضوية أخرى مثل polyphenols و pectin بتقنيات الأمواج تحت الصوتية والميكروويف من قشور البرتقال، فالزيوت العطرية يمكن استخدامها في صناعات المواد الغذائية المختلفة كمنكهات للمشروبات و"الآيس كريم" ، وحتى في صناعة مواد التنظيف والعطور، وأما المواد الفينولية فهي مفيدة كمضاد أكسدة قوية تقي من أمراض كثيرة.
بالإضافة إلى ذلك فإننا نجد العديد من النُشطاء على اليوتيوب يسعون للتعريف بأهمية قشور البرتقال وذلك من خلال استخدام قشور البرتقال في صناعة مواد صحية ومواد تنظيف، أحد هذه الفيديوهات وصل إلى أكثر من 700 ألف مشاهدة.. يُمكنكم مشاهدته أنتم أيضا على الرابط التالي:
https://www.youtube.com/watch?v=edPmFwD5lFo
ختامًا
الكنوز من حولنا كثيرة.. ولا تنحصر في قشور الحمضيات أو الجفت ومياه الأمطار، فلو تأملنا في الكثير من الخيرات والبركات التي ينعم الله بها علينا في الشتاء؛ لوجدنا أننا لا نستفيد إلا بأقل القليل منها وكثير منها إما نهمله كالاستهتار بكميّة مياه الأمطار التي يُمكن تجميعها من السقف، أو حتى نلقي به في القمامة كالجفت وقشور الحمضيات. وكُل هذا بسبب جهلنا بقيمتها الحقيقية التي لا بُد أن يأتِي يوم .. علينا أو حتى على أحفادنا ليُدركوا أنها كنوز لا ينبغي التفريط بها.