خاص بآفاق البيئة والتنمية
الزائر للبلدة القديمة في هذه الفترة وتحديداً منذ بداية اوكتوبر يجدها شبه خاوية فلا ازدحام ولا أصوات باعة متجولين يصرخون محمسين الناس على الشراء، فقط تجار يقفون على أبواب محالهم ينتظرون زبوناً محتملاً، ومارة مستعجلين عيونهم لا ترصد البضاعة بل تتجه بترقب صوب الجنود المدججين بالسلاح والمنتشرين عند مداخل الأبواب وفي جنبات السوق، حالة غير مفاجئة وسط تصعيد إسرائيلي واستخدام للقوة الوحشية "القتل بدم بارد" ضد المقدسيين، ووضع للعديد من الحواجز عند مداخل القرى والبلدات المقدسية ونصب الأبواب الالكترونية داخل السوق القديم كمحاولات لقمع بوادر انتفاضة ثالثة.
ولأن التشديد الأكبر كان في منطقة الواد بسبب عملية الطعن الذي نفذها الشاب مهند الحلبي في الثالث من اوكتوبر الماضي، مسفرةً عن مقتل مستوطنين إثنين، فقد تحول سوق البلدة القديمة وتحديداً طريق الواد إلى ثكنة عسكرية وفرصة إسرائيلية للتنكيل وإذلال المقدسيين وقتل الحركة التجارية فيه، بعد أن عدَّ من أكثر الأسواق ازدحاما نظراً لكونه الطريق الأهم للوصول إلى الحرم القدسي وحائط البراق وطريق الآلام.
البلدة القديمة خالية من الناس والوضع التجاري آخذ في التدهور
تجار معاقبون وزبائن لا يأتون
استطلعت مجلة آفاق البيئة والتنمية بعض آراء التجار والمختصين حول حركة التجارة الميتة أسبابها وأبعادها. من سوق الواد يقول الشاب محمود الذي يعمل في محل بقالة محاذِ لبيت شارون:
"نقف على ابواب محلنا، ننتظر زبائناً فلا نجد، لقد شُلّت الحركة تماماً، الناس أصبحت تخاف القتل من الجنود المتواجدين بكثافة هنا". يضيف مشيراً إلى طاولة يضع عليها عصّارة فواكه وحمضيات ومن خلفها يقف ثلاثة جنود: "جاءوا وجمعوا كل السكاكين المستخدمة لتقطيع الفاكهة، وما استخدمه حالياً هو شبه سكين فاكهة ليفي بالغرض دون أن يثير حفيظتهم".
ويتحدث الشاب محمود من متابعته اليومية إلى طبيعة حركات الجسد والتي قد تُعرض المواطن للتفتيش، مثل: وضع اليدين في الجيوب، تعديل الجاكيت أو السترة، الحديث بالهاتف، أو حتى مجرد الاشتباه بالشكل، مشيرا إلى أن التفتيش في هذه الفترة يقتصر على اللمس وان البوابات تشغل في أوقات معينة حسب الأوامر أو المزاج.
"ابو حبيب" تاجر آخر يبيع القماش في ذات السوق، يشير إلى أن الحالة الاقتصادية ليست بحاجة إلى شهادتهم كتجار، يكفي المرور بشارع الواد لمعرفة موت الحركة التجارية في المنطقة، حيث المحلات تقفل مبكراً ومدخول التجار اليومي أصبح معدوماً. يقول أثناء مرور وفد سياحي من أمام محله مكتفياً بالنظر من بعيد دون الاقتراب.
"يتم تعبئة السياح ضدنا، يقول الأدلاء اليهود لهم: "هؤلاء قتلة، حملة سكاكين، لصوص...، فاحذروهم". مضيفاً إلى انه قلما نجد سائحاً أو أجنبيا يفكر بالشراء من محالنا، كما أن الزوار من أهل الـ48 قد لغوا مجيئهم الأسبوعي بسبب الأوضاع، ما جعل الطريق الذي كان حيوياً في الماضي شبه مهجور.
يؤكد التاجر انه وعلى مسمعه ومرآه، فقد شاهد المستوطنين الذين يقيمون في محيط بيت شارون "عدة مرات" يخرجون من بيوتهم ويتجهون تجاه الزبائن من السياح ويقومون بنشر الأكاذيب عن التجار ليبتعدوا عن محالنا، وذلك بهدف ضربنا اقتصادياً أمام مرأى حاميهم الأكبر الشرطة والجيش".
البوابة الإلكترونية الإسرائيلية في شارع الواد
50 محلاً مهدداً بالإغلاق
تاجر قدير يبيع الملابس رفض نشر اسمه: أكد أن اللوم لا يجب أن ينصب تجاه الاحتلال لأنه عدو وهدفه بالدرجة الأولى استبدال الفلسطينيين بمستوطنيه، وخاصة تلك الدكاكين والبيوت المتواجدة في القدس القديمة، ولكنه يقع "أي اللوم" على الجهات الرسمية الفلسطينية والعربية التي لا تحرك ساكناً، مشيرا إلى أن هناك 50 محلا مهددا بالإغلاق بسبب سياسة التطفيش الممنهجة عبر فرض الرسوم والمخالفات الكبيرة، مؤكداً أن هناك خمسة محال على وجه الخصوص ممن كانت على تماس مع عملية الواد الشهيرة قد تلقت مخالفات بلا مقدمات كنوع من العقاب، ويتهددها الإغلاق الحقيقي.
"الاحتلال يضع عينه منذ زمن على محال الواد للسيطرة عليها كما يحلم بقدس شرقية بأقل عدد من العرب، لذلك فهو يستغل الأحداث السياسية ليفرض سيطرته عبر تنفير التجار وتيئيسهم لينسحبوا وتغلق محالهم فتصبح عرضة للاستيلاء عليها". يقول التاجر بنبرة يأس.
ويؤكد أيضاً: "لجأنا للأوقاف والجهات الرسمية الفلسطينية بهدف توفير الدعم البسيط لإعانة تجار القدس أمام الهجمة الشرسة بتوفير مبلغ لا يتعدى الـ10 ألاف دينار لكل تاجر، ولكن لم يلتفت إلينا أحد".
وكما قال العديد من التجار، فإن من المخالفات التعجيزية التي كثفها موظفو بلدية الاحتلال لمعاقبة تجار الواد قد تمثلت على سبيل المثال لا الحصر بلافتات غير مدفوع ترخيصها فغرّم أصحابها دون إنذار مسبق بمبلغ كبير. مقهى في الواد من المتعارف أن رواده يدخنون فيه، قام الاحتلال بتغريم صاحبه مبلغ 5 ألاف شيكل لأنه لم يضع لافتة داخلية بمنع التدخين، ومحل آخر غُرّم لان صاحبه وضع بسطة أمام محله تتعدى الارتداد المسموح بسنتيمترات...
ويحذر التاجر قائلاً: "إن لم تتحرك أي جهة سواء على الصعيد السياسي أو الدعم المادي فنحن أمام تحويل شارع الواد والذي يعد الطريق الرئيسي للحرم الشريف إلى شارع ( شهداء 2) كنظيره في الخليل".
بوابة إلكترونية في البلدة القديمة بالقدس لإذلال الفلسطينيين
صب لبن:عدة عوامل اجتمعت ضد التاجر المقدسي
يرى ابن البلدة القديمة والباحث في شؤون الاستيطان أحمد صب لبن أن ما يجري حالياً في الواد من شلل اقتصادي هو فعلياً نتيجة اجتماع عدة عوامل ساهمت في تسلل بعض الاحباطات لدى التاجر المقدسي تحفزه على إغلاق محله وهي:
أولاً: التضييقات في منطقة الواد وتحديدا بالقرب من بيت شارون ونتيجة أحداث أكتوبر الماضي، حيث قامت قوات الاحتلال بإغلاق المنطقة ومنع التجار من فتح محالهم لمدة سبعة أيام لكنها تجاوزت العشرة، حيث سمحت خلالها للمستوطنين بأداء بعض الطقوس والاجتماعات والجنازات الدينية والسياسية، محاولةً منهم (أي المستوطنين) تعزيز وجودهم واثبات عدم خوفهم. فيما تمثل العامل الثاني في أوامر مباشرة بإغلاق بعض المحال كنوع من العقاب لعدم تدخل أصحابها لمساعدة المستوطنين حين حدثت عملية الطعن، ويتم الحديث هنا عن خمسة محلات وأخرى مهددة بالإغلاق بسبب التراكمات الضريبية والديون والمخالفات. أما العامل الثالث فتجسّد في التواجد المكثف لقوات الاحتلال ونصب البوابات الالكترونية كل عشرة أمتار في البلدة القديمة وتحديداً الواد، ما جعل الكثير من زوار البلدة وزبائن المحال يتجنبون الذهاب خوفا من التفتيش أو الاشتباه بهم فترهيبهم أو إطلاق النار عليهم.
وأضاف صب لبن: "موضوع فرض العقوبات على تجار الواد أمر سياسي تم تباحثه بالكنيست الإسرائيلي حيث كانت الآراء بين توجيه لوائح اتهام للتجار وإغلاق بعض المحال التجارية، وما يجري فعليا هو بداية تطبيق العقاب بعد تحرير جملة من المخالفات".
كل تلك العوامل أنفة الذكر، وفق صب لبن، ضغطت على التجار لإغلاق محالهم تفاديا للعقاب والمخالفات من جهة، ولأن زبائنهم لا يصلونهم من جهة أخرى، مشيراً إلى أن المتغيرات الجديدة إن استمرت ولم تنته مع انتهاء الهبة الجماهيرية، فالسوق سيشارف على الموت المحتم، وإغلاق المحال ينذر بمخاوف الاستيلاء عليها.
شارع الواد في القدس العتيقة تحول إلى منطقة شبه مهجورة بسبب السياسات الإسرائيلية الأخيرة ضد التجار الفلسطينيين
22% من محلات القدس العتيقة مغلقة
يرى مدير مركز القدس للحقوق الاجتماعية والاقتصادية زياد الحموري الوضع الاقتصادي الحالي هو امتداد لتدهور عام بدأ بعيد أوسلو وتعزز بعد إقامة الجدار الفاصل عام 2002 حيث تم عزل القدس عن محيطها الفلسطيني، في ظل غياب خطط لدعم التجار المقدسيين ووجود منافسة حقيقية لهم من قبل الأسواق التجارية الإسرائيلية القريبة مثل ماميلا وشارع يافا، كما أن القطاع السياحي، وفق الحموري، قد تدهور أيضاً مع تركيز الأدلاء السياحيين الإسرائيليين مع وفودهم على الحي اليهودي المنافس في أسعاره لمحال العرب، إضافةً إلى تشويه صورة التجار العرب بكثير من الأكاذيب.
هذا الركود وفق الحموري أدى إلى إغلاق 22% من محال البلدة القديمة أي ما يعادل الـ200 محلٍ خلال العشرين عاماً الماضية، نظراً للتراكمات الضريبية الكبيرة، موضحاً أنه ومع التصعيد الأخير في الواد، فقد برزت خطوات تتجه نحو السيطرة على محلات مقدسية وهذا يتماشى مع مخطط إسرائيل المعلن "القدس 2020" حول تخفيف الوجود العربي في القدس الشرقية إلى اقل عدد ممكن.
وأشار الحموري إلى أن حقيقة وجود 35 ألف فلسطيني يقيم في البلدة القديمة على مساحة ( 900 دونم) بكثافة تعد من الأعلى في العالم ما يعد مؤشراً للتزايد الديموغرافي الفلسطيني، أمر يؤرق إسرائيل ورئيس وزراءها، الذي لوح مؤخراً بسحب هويات 100 ألف مقدسي يقيمون خارج الجدار كتجمع كفر عقب ومخيم شعفاط والسواحرة، في إعلان صريح بضرورة إفراغ المدينة من أهلها، في الوقت الذي تخصص فيه بلدية الاحتلال التي تدعي أنها قدس واحدة لشعبين موازنة مقدارها مليار ونصف المليار دولار سنويا للاستيطان في القدس.
كل فلسطيني مدان
وكشكل آخر من التصعيد الأخير في القدس، نصبت قوات الاحتلال عدة بوابات الكترونية في أحياء المدينة العتيقة لطمأنة مستوطنيها أنها تسيطر على الوضع الأمني، وذلك في باب الخليل، باب الجديد، باب السلسلة، باب الحديد، طريق الواد. حول تلك البوابات المذلّة، تحدثت الشابة لواء ابو رميلة التي تعمل صحافية عن تجربتها حيث تعرضت لتفتيش مهين في بداية نصب البوابات، وتهمتها أنها جلست تتحدث بالهاتف على مقربة من جنود في طريق الواد، فطلبوا منها قبل المرور من البوابة، خلع معطفها وإفراغ محتوى حقيبتها، ومن ثم أخضعوها للتفتيش الالكتروني، وعند سؤالها عن السبب أجابوا أن تصرفاتها كانت مريبة.
وفي قصة أخرى لذات الصحفية، فقد أشهر الجنود والشرطة سلاحهم في وجهها حين كانت تنتظر الدخول من باب السلسة، والتهمة الاشتباه بشيء أزرق غريب في يدها: "عشت رعبا حقيقيا وشعرت بأن لحظاتي في الحياة باتت معدودة، فالجنود يصرخون فيّ القي الحقيبة ...القي الحقيبة... وفوهات بنادقهم تحيطني من جميع الاتجاهات...أسعفني إدراكي بأنهم خائفون من لوح الثلج الأزرق الذي كنت أريد إعطاءه لصديقة تتواجد داخل الحرم، فصرخت قائلة انه مجرد لوح ثلج ...اقتربوا منه وبعد أن تأكدوا أخذوا يضحكون...."
تختم لواء: "من كان سيضمن لي أن لا يُقدم احدهم على إطلاق النار علي لمجرد الاشتباه، لا أحد...لا أحد".
مستوطنون صهاينة يقيمون بشكل استفزازي بين الفلسطينيين في شارع الواد بالقدس العتيقة
بوابات للتمييز العنصري وتفتيش جسدي مقنن
نسرين عليان محامية في جمعية حقوق المواطن في الداخل المحتل، تعقب حول بوابات التفتيش بأنها وفقا للقوانين الإسرائيلية فإن للشرطة الصلاحية أن تنصب هذه البوابات للحفاظ على سلامة وأمن المواطنين، ولكن خطورتها في طريقة الاستخدام والفئة المستهدفة حيث تتحول حينها إلى ممارسة عنصرية أكثر منها أمنية. ونقلاً عن عليان، فقد طرأ تجديد في قانون التفتيش الجسدي الذي كان سابقا يسمح باللمس على الجسد فقط في حال الشك أو الاشتباه بأحد، ولكنه تحول ليسمح بالشرطي بهذه العملية دون أي سبب.
وأضافت عليان أن طريقة التفتيش المتبعة ضد الشباب بشكل شبه روتيني هي مهينة، حيث تتمثل بتعرية الشاب بإجباره على خلع بنطاله وقميصه ما يساهم عدا الإذلال، في بث الترهيب ومنع التواجد في الحيز العام.
وأكدت عليان التي بعثت برسالة كحقوقية ضمن مؤسستها للمستشار القانوني لرئيس الوزراء الإسرائيلي ضد استخدام العنف المفرط، أن النظرة أو الصورة النمطية لدى أفراد الشرطة والجيش هي نظرة عنصرية تدين أي شاب مقدسي لمجرد أنه شاب، وأيضاً أي إمرأة محجبة كمخربة محتملة، وحذرت عليان من سياسة تعاطي الجيش والشرطة مع الشعب الفلسطيني من حيث استخدام الرصاص الحي والذي لم يستخدم بهذا الشكل المريع في الانتفاضتين السابقتين، كما أشارت إلى أن حالة الإعدام بدم بارد وعدم اللجوء لإصابة الفلسطيني هي دليل حالة ذعر وشعور بعدم الأمان لدى أفراد الجيش والشرطة.
ويبقى الواد مؤشراً على سياسة ترانسفير ممنهجة ضد المقدسيين، ولكن إلى متى سيبقون وحدهم يواجهون أشرس وأطول احتلال يضرب هويتهم ووجودهم في مقتل؟؟ سؤال أضحى مستهلكاً لإجابة لا تأتي...!..