خاص بآفاق البيئة والتنمية
يعد المشرق العربي وغرب أسيا منطقة ساخنة، حتى في الأوقات العادية، دون موجات الحرارة المتتالية التي ضربتنا مؤخرا. إلا أنه خلال شهر آب وأوائل شهر أيلول هذا العام كانت الكتل الحرارية تحوم فوق منطقتنا وترفع درجات الحرارة إلى مستويات لا تحتمل. الجمع السيء بين درجات الحرارة المرتفعة ونسبة الرطوبة العالية بشكل غير عادي، رفع "مؤشر الحرارة" إلى مستويات متطرفة– علما أن العاملين الأخيرين (درجات الحرارة ونسبة الرطوبة) يعتبران "البارامتران" الأساسيان لقياس "مؤشر الحرارة". درجة الحرارة في مدينة "بندر مشهر" الإيرانية تجاوزت 70 درجة مئوية، وهي تعد ثاني أعلى درجة حرارة تم تسجيلها على الكرة الأرضية.
رغم ذلك، لم يجزم أي عالِم، حتى الآن، بأن الظروف الجوية الحرارية المتطرفة التي شهدتها منطقتنا ترتبط بشكل قاطع بظاهرة التسخين العالمي. وسواء ألقينا المسؤولية على النشاط البشري أم على العمليات المناخية الطبيعية فإن درجات الحرارة العالمية تواصل الارتفاع؛ كما أن الموجات الحرارية والفيضانات والأعاصير ستتكرر بوتيرة أكبر.
ومن المنظور البيئي، المشرق العربي وغرب أسيا ليس فقط أنهما حساسان ومكشوفان للتغير المناخي، بل إنهما من الناحيتين الاقتصادية والسياسية أقل قدرة على مواجهة الصدمات الناتجة عن التغير المناخي، بالمقارنة مع الكثير من الدول في سائر أنحاء العالم.
منطقتنا الجافة بالكاد تستطيع تحمل خسارة القليل مما تبقى من مياه الأمطار. وفي الواقع، يوجد تهديدان رئيسيان لمسألة المياه باتجاهين جغرافيين متعاكسين؛ التهديد الأول مصدره الهطول المطري الذي قد يتناقص مع مرور الزمن. التهديد الثاني قد يأتي من الارتفاع الكبير المتوقع في مستويات سطح البحر، والذي يهدد المناطق الساحلية المأهولة بكثافة، وبخاصة منطقة دلتا النيل المصرية. ويقدر البعض بأن نحو 30% من تلك المنطقة قد تغرق خلال السنوات الخمس عشرة القادمة؛ علما أن هذا التقدير تبلور قبل المعطيات العلمية الأخيرة التي تنذر بتسارع أكبر في عملية انصهار الجليد القطبي.
إن ارتفاعا بمقدار نصف متر في مستوى سطح البحر المتوسط قد يشكل تهديدا جديا على ثاني أكبر مدينة مصرية، أي الاسكندرية؛ علما أن عدد سكانها أكثر من 1.5 مليون، فضلا عن احتوائها على 40% من الصناعة المصرية.
وفي ذات السياق، من المفيد التذكير بتقرير الأمم المتحدة الصادر عام 2013، والذي حذر من أن ملايين الأفراد في الساحل الفلسطيني (وصولا إلى قطاع غزة) مهددون من ارتفاع مستويات البحر، حيث أن أجزاءً كبيرة من مدينة تل أبيب قد تغرق، فضلا عن مساحات كبيرة من حيفا التحتا.
المنطقة المسماة "الشرق الأوسط" (المشرق العربي، الخليج ومصر بشكل أساسي) تعتبر أكبر مستوردي الغذاء للفرد في العالم. إذ تشتري تلك الدول من الخارج أكثر من 50% من احتياجاتها الغذائية. هذا الواقع الغذائي البائس يجعل تلك الدول عرضة ليس فقط لتأثيرات التغير المناخي المحلية على الزراعة، بل أيضا لتأثير تغير المناخ في البلدان البعيدة التي تغذي منطقتنا.
منطقتنا العربية المحكومة بأنظمة سياسية فاسدة وحكومات قمعية تعاني من الاختلال الوظيفي، وتتستر على عجزها في تلبية الاحتياجات الأساسية للناس مثل توفير ما يكفي من الوظائف ومعايير معقولة في قطاعي الصحة والتعليم- هذه المنطقة ليست في وضع يمكنها من إجراء تخطيط طويل الأمد ورسم سياسات معقدة ضرورية للتعامل مع التغير المناخي العالمي – وبخاصة لو تذكرنا الطبيعة الغادرة لتغير المناخ.
لطالما تسببت الكوارث البيئية في إغراق البشرية بالحروب والمجاعة والفوضى المالية. وعلى الأرجح، سوف نشهد تغير المناخ على شكل عملية زاحفة من موجات الحر والجفاف، بحيث ستدب الاضطرابات في الحياة الطبيعية لفترات قصيرة، أو أن الأثر الاقتصادي والسياسي قد يحدث تدريجيا، بحيث يصعب إجراء ربط مباشر لذلك الأثر بالمناخ.
العوامل المناخية تساهم في التحولات الاجتماعية-السياسية
مما لا شك فيه، أن بعض المعطيات تشير إلى أن العوامل المناخية ساهمت وتساهم في التحولات الاجتماعية-السياسية الجارية في منطقتنا؛ إضافة بالطبع، إلى العوامل المتصلة بالأنظمة السياسية والاقتصاديات المأزومة العاجزة عن توفير فرص عمل ورفع مستويات المعيشة.
على سبيل المثال، مؤشر أسعار الغذاء العالمي لمنظمة "الفاو" ارتفع بشدة خلال عامي 2010-2011. ففي شباط 2011 حينما كانت الكتل البشرية الضخمة تنتفض في ساحة التحرير بالقاهرة، وصل سعر القمح المتداول إلى أكثر من ضعف سعره قبل ذلك بـِ 18 شهرا. وخلال الفترة 2008-2010 وصل معدل الارتفاع في أسعار الغذاء بمصر إلى أكثر من 37%. ويعود السبب الرئيسي في ذلك، أن كندا وأستراليا غرقتا بمستويات قياسية من الأمطار التي دمرت محاصيل القمح فيهما؛ بينما الجفاف الذي اجتاح روسيا والبلدان المجاورة لها أدى إلى هبوط محاصيلها بأكثر من الثلث.
أما سوريا، فقد تسبب الجفاف الذي اجتاحها لأكثر من خمس سنوات، ابتداء من عام 2006، في إفقار المزارعين، وفي حدوث هجرات جماعية نحو المدن التي لم تكن مستعدة لاستقبالهم. المعطيات في سوريا كانت سوداوية جدا؛ إذ أن حوالي 160 قرية سورية هجرها معظم سكانها خلال السنتين 2007 – 2008 بسبب الجفاف المتواصل وشح المياه اللذين لم تعرفهما المنطقة إطلاقا من قبل. فشح المياه ضرب القدرة المعيشية لأهالي هذه القرى المتواجدة بمعظمها في شمال سوريا؛ ما دفعهم إلى نقل أماكن سكنهم، طلبا للبقاء.
ويعتقد بعض خبراء المناخ بأن منطقة المشرق العربي، وتحديدا فلسطين، ولبنان، وسوريا والأردن، ستواجه في العقود القادمة مشكلة مزدوجة: فمن ناحية، ستشهد المنطقة فترات زمنية أطول من الأشهر الساخنة وارتفاع درجات الحرارة؛ ما سيفاقم أزمة المياه المتفاقمة أصلا. ومن الناحية الأخرى، سيزداد عدد سكان المنطقة بمقدار الضعف تقريبا.
وإجمالا، يقدر خبراء المناخ بأن يصل عدد ما يعرف باللاجئين البيئيين إلى عشرات وربما مئات الملايين في مختلف أنحاء العالم. ومثل هذه الظاهرة موجودة فعليا في بعض مناطق العالم، مثل إقليم دارفور وبعض مناطق شرق إفريقيا. كما أن قطاع الساحل الإفريقي الممتد على عرض إفريقيا، آخذ في التصحر.
وفي الخلاصة، سيؤدي التغير المناخي إلى ارتفاع مستويات سطح البحر في الساحل الفلسطيني وسائر أنحاء المشرق العربي، إضافة إلى التصحر وتفاقم الصراعات حول الموارد المائية وتدهور الأوضاع الزراعية، فضلا عن الزيادة الكبيرة في تدفقات "لاجئي المناخ".
"إسرائيل" تزعم بأنها الأكثر قدرة على مواجهة التغير المناخي
المفارقة أن دولة "إسرائيل"التي تعد كيانا كولونياليا، تسوق نفسها في المنطقة العربية باعتبارها تملك اقتصادا غنيا وقويا وتكنولوجيا متطورة ومعقدة؛ وبالتالي هي الأكثر قدرة على التكيف مع ومواجهة التحديات المحلية الناتجة عن التغير المناخي. لكن، ما يتم تجاهله هو أنه إضافة إلى دور العنصر البشري اليهودي الاستعماري المنزرع من الخارج في تكوين الاقتصاد الإسرائيلي، هناك عنصران خارجيان هامان أضيفا لهذا الاقتصاد وعملا على بنائه وتطويره:
أولا: نهب أراضي الشعب الفلسطيني (وهي أهم وسيلة إنتاجية) وأملاكه وعقاراته وأمواله ومصادر المياه والطاقة، كنتيجة لاحتلال الصهاينة الأرض العربية عام 1948 واقتلاع السكان الأصليين من وطنهم؛ إضافة إلى المصادر الخارجية التي توفرت لإسرائيل بعد حرب حزيران 1967، وأهمها ملايين الدونمات من أخصب أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة والجولان، ومخزون المياه ونفط صحراء سيناء المجاني؛ إضافة إلى سرقة إسرائيل لعقارات وأملاك ومنشآت مدنية وعسكرية هامة في الأراضي التي احتلت عام 1967. علاوة على قوة العمل العربية الرخيصة من الضفة والقطاع ونهب إسرائيل للفائض المالي المتراكم في المنطقتين الأخيرتين على شكل رسوم وضرائب، والسيطرة الإسرائيلية على أسواق جديدة ساهمت في تطوير الاقتصاد الصهيوني.
ثانيا: المساعدات والتوظيفات الرأسمالية الخارجية واستيراد رأس المال. إذ أن أهم ما يميز الاقتصاد الصهيوني أنه اقتصاد منزرع من الخارج، وأساس بنائه التوظيفات الخارجية واستيراد رأس المال. إذ أن الدعم الأميركي المالي والتوظيفات الرأسمالية الغربية والأميركية بخاصة، تشكل الأساس للبنية الاقتصادية الصناعية-التكنولوجية المدنية والعسكرية في "إسرائيل".
فلسطين ستخضع لعملية تصحر
في عددها الصادر في نيسان 2015، نشرت مجلة آفاق البيئة والتنمية تقريرا هاما جاء فيه أن الأقطار العربية الواقعة على تخوم الصحاري ستصبح أكثر صحراوية؛ أما البلدان الصحراوية- من منظور الجغرافيا السياسية المرتبطة بالتغير المناخي- فستصبح خلال العقود القادمة غير صالحة عمليا للسكن البشري. واستند التقرير إلى الفريق الحكومي الدولي المعني بتغير المناخ (IPCC)، والذي يتوقع ارتفاعا طفيفا في هطول الأمطار، طالما أن هناك ارتفاع في درجة حرارة الكوكب؛ لكن عموما، ستصبح التربة أكثر جفافا، لأن درجات الحرارة الأكثر سخونة ستتسبب بمزيد من التبخر.
فلسطين تحديدا، تقع في المنطقة التي ستخضع لعملية تصحر، ستشمل، بحسب IPCC، شمال أفريقيا والبلدان الواقعة في محيط حوض البحر الأبيض المتوسط، ومساحات شاسعة من آسيا كذلك. وعموما، الاتجاه المناخي العالمي لا مراء فيه، ومنطقتنا العربية لن تكون استثناء.