خاص بآفاق البيئة والتنمية
تحوّل السوق الفلسطيني ما بعد عام 67 إلى محطة رئيسية لتسويق المنتجات الزراعية الإسرائيلية بكافة أشكالها وأنواعها، دون وجود ضوابط حقيقية وملموسة على ارض الواقع تنظم وتدير عملية الاستيراد والتصدير، على افتراض ان المواصفات والمقاييس الفلسطينية هي الفيصل في تسويق السلع الغذائية.
فعندما يتجول المواطن الفلسطيني العادي في الأسواق، يشاهد الخضار والفواكه الإسرائيلية وبكميات كبيرة، إلى جانب المنتجات الزراعية الفلسطينية بأسعار تنافس المنتج المحلي، بل في بعض الأحيان تزيد أسعار المنتج المحلي عن نظيره الاسرائيلي.
ولكن ما يميز المنتجات الإسرائيلية، أن غالبيتها ذات نوعية متدنية خاصة الفواكه مثل التفاح والخوخ والدراق والمانغا وغيرها، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الخضار مثل البطاطا والجزر والبندورة، التي غالبا ما تكون غير مجهزة للعرض بالشكل المناسب أو كما يطلق التجار عليها وصف "المخالات" التي تحوي أطنانا من الأصناف الرديئة، ما يزيد من سرعة تلفها وقلّة قيمتها الغذائية بسبب قلة الجودة ورداءة طرق النقل والتخزين.
إن عدم قدرة الجهات الفلسطينية على ضبط الأسواق، ضعف القدرة الشرائية للمواطن الفلسطيني وارتفاع تكاليف الإنتاج للسلع الزراعية، عوامل رئيسة ساهمت في رداءة المنتجات الزراعية في الأسواق الفلسطينية وتفوق المنتجات الإسرائيلية.
فعلى الرغم من كافة القوانين والتشريعات الدولية والفلسطينية التي تدعو إلى حق الانسان الفلسطيني بأن يحظى بالغذاء السليم، بالإضافة إلى القوانين الداعية إلى ضبط الأسواق وحماية المنتج الوطني الفلسطيني من البضائع التي تنافس منتجاته لكي توفر للسكان المعيشة الاقتصادية الجيدة، الا أن ما نلمسه على ارض الواقع مغاير لذلك تماما، فقد يكون التصنيف الإداري وفق اتفاقية "أوسلو" وسيطرة الاحتلال على غالبية الأراضي الفلسطينية واتفاقية باريس الاقتصادية عوامل رئيسية في ذلك، عدا عن ذلك فإن الوضع الاقتصادي الذي نعيشه يجبرنا على استهلاك منتجات متدنية الجودة لرخص أسعارها.
تاجر يتحدث
عند تواجدنا في احد المراكز التجارية في إحدى المحافظات الكبرى، تحدثنا إلى "م. ع" وهو احد كبار التجار الذين يقومون باستيراد وتصدير المنتجات الزراعية من إسرائيل، وسألناه عن آلية إدخال السلع الإسرائيلية إلى السوق الفلسطيني، قال: "نقوم بالاتفاق مع التجار الإسرائيليين حول كمية المنتجات الزراعية اللازم توريدها إلى أسواق الضفة الغربية بغض النظر عن النوعية والجودة، وما علينا سوى اخذ التصاريح اللازمة من وزارة الزراعة الفلسطينية بهدف إحضارها إلى أسواق الضفة الغربية، وبعد ذلك يتم تسويقها إلى تجار الجملة الذين يقومون ببيعها إلى تجار التجزئة ثم إلى تجار المحلات".
وبرر التاجر ادخالهم للبضائع ذات الجودة الرديئة، بالقول: "إن القدرة الشرائية في الأسواق الفلسطينية ضعيفة والمستهلك الفلسطيني دخله قليل، لذلك لا يمكن أن نحضر الأصناف ذات الجودة العالية والسعر المرتفع، هذا بالإضافة إلى أن الجانب الإسرائيلي يقوم بفرز وتدريج هذه المنتجات بحيث أن الأصناف ذات المنتج عالي الجودة يصدرونها إلى خارج إسرائيل ويسوقونها لهم طبعاً، والمتبقي منها والذي في العادة يكون غير مطابق للمواصفات التصديرية الإسرائيلية أو متدني الجودة يسوّق في الضفة الغربية".
وعن جودة المنتجات الزراعية الفلسطينية التي يقومون بتصديرها إلى إسرائيل، أكد أنها ذات جودة عالية وحسب المواصفات الإسرائيلية التي يطلبها التاجر الإسرائيلي وتفرضها عليه القوانين من المواصفات والمقاييس، حيث أن هذه المنتجات لا يستطيع المستهلك الفلسطيني شراءها لأن سعرها يكون مرتفعاً.
المنتجات الزراعية الإسرائيلية لا تغرق السوق الفلسطيني فقط، بل هي متدنية الجودة ولا تصلح للتسويق في السوق الإسرائيلي
للمزارعين موقف
وعند سؤال احد المزارعين "ش. ع" المنتجين للخضار والفواكه عما يواجهون من مشاكل خلال تسويق منتجاتهم في الأسواق الفلسطينية، أوضح أنها تتمثل بالمنافسة مع البضائع الإسرائيلية لمنتجاتهم رغم أن جودة الأخيرة أقل.
وتابع: "تكلفة الإنتاج لدينا أعلى بكثير بسبب ارتفاع عناصر الإنتاج مقارنة بالمنتج الإسرائيلي الذي يوفّر له الدعم الزراعي الكافي".
وأضاف "نحن بحاجة إلى المال، والبيع لإسرائيل يوفر لنا أسعاراً أفضل ودخل أفضل من بيعها في أسواق الضفة الغربية".
حماية المستهلك: لا يمكن ضبط الأسواق الفلسطينية
من جهته اكد (ا.ح) وهو احد المسؤولين في جمعية حماية المستهلك الفلسطيني، انه وعلى الرغم من الاتفاقيات الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل والتي تنظم العلاقة التجارية والاقتصادية بين الطرفين، إلا أن هناك خروقات عديدة على ارض الواقع، ولا يمكن ضبطها، ومن امثلتها الخضار والفواكه غير الجيدة والتي يتم ضخها بكميات كبيرة الى الاسواق الفلسطينية.
وأضاف: "حاولنا مرارا وتكراراً ضبط الأمور، إلاّ أن الوضع الاقتصادي الصعب، وعدم القدرة على التحكم في حركة المعابر عاملان رئيسيان، ما يهلهل عملية ضبط المدخلات والمخرجات من وإلى السوق الفلسطيني.
جهاز الإحصاء المركزي لعام 2012 يشير إلى إن هناك مشكلة في عدم توفر المدخلات الزراعية لبعض المنتجات الزراعية، وعدم قدرة المنتج الزراعي الفلسطيني على منافسة نظيره الإسرائيلي.
أليس من العار أن يعتمد شعب تحت الاحتلال في غذائه على الأوساخ الغذائية التي يروجها له المحتلون
كميات الانتاج
وعند التطرق لمناقشة كميات الإنتاج الفلسطينية من الخضراوات والفواكه، تم لفت النظر إلى أن كمية الإنتاج لبعض المحاصيل، قد تفي بالحاجة أو تزيد عن كمية الاستهلاك في الضفة الغربية. وأما بخصوص النقص في بعض الأصناف فقد قدرت أحيانا بأقل من 50% من الإنتاج الفلسطيني، وهذا ما جاء حسب تقارير مؤسسة الإحصاء الفلسطيني في تقييم الإنتاج النباتي والحيواني في الأراضي الفلسطينية لعام 2010.
وأظهرتحليل ميزان الإنتاج للاستهلاك الغذائي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 أن القطاع الزراعي يغطي الاستهلاك المحلي من الخضروات الرئيسية، وعادة ما يتم تصدير الفائض إلى إسرائيل، أما الإنتاج المحلي من البطاطا، والبصل،والبطيخ والثوم فلا يفيب الحاجة ويتم استيراد النقص فيه من إسرائيل أو مندولأخرى عن طريق إسرائيل.
وفيما يتعلق بإنتاج الفاكهة، فهناك نقص عام في إنتاج الفاكهة لتلبية الطلب على الاستهلاك المحلي، أمّا المحاصيل الحقلية فعلى الرغم من إمكان إنتاج الكثير منها في الأراضي الفلسطينية، إلا أّن حجم ما ينتج محليًا أقل من %5 وخاصةً الحبوب والبقوليات المستهلكة، ويمكن لهذه الكمية أن تكون أكثر في حال كانت الأرض والمياه والمدخلات أكثر توافرًا وسهولةً بالوصول إلى المزارع الفلسطيني.
خلاصة مقنعة
ومن خلال هذه النتائج نرى أن هناك محاصيل أساسية فلسطينية وذات قيمة اقتصادية وجودة عالية متوفرة وبكميات فائضة، ولكن للأسف غير قادرة على منافسة المنتجات الإسرائيلية التي تملأ السوق الفلسطيني وتكون في أحيانٍ كثيرة بجودة أقل. في حين أن النقص في بعض المحاصيل الأخرى وحسب هذا التقرير يمكن توفرها بخطط وسياسات زراعية وبمدة زمنية قصيرة.
وأخيرا ومن خلال مناقشة معظم القضايا المتعلقة بها الشأن لا يسعنا الا أن نتساءل: "أليس من حق المواطن الفلسطيني الحصول على غذاء صحي وسليم وذي جودة عالية، فإلى متى سيبقى مزارعونا تحت رحمة البضائع الإسرائيلية! وإلى متى ستبقى البضائع الإسرائيلية تتحكم بأسواقنا وتجارتنا وإنتاجنا المحلي!!
سؤال يطرح نفسه.
بالرغم من الانتشار الكبير لكروم العنب في الضفة الغربية إلا أن العنب الإسرائيلي متدني الجودة يغرق الأسواق الفلسطينية