شذرات بيئية وتنموية.. مُعلمون ومُعمرّان وطعام حيوانات وعوائد فلكية
خاص بآفاق البيئة والتنمية

مدرسة بلا طلبة- إضراب ماراثوني للمعلمين الفلسطينيين
يشعر المعلمون بالغُبن، مقارنة بفئات المجتمع الأخرى، التي تخرج عمليًا من تحت عباءاتهم، فيما يشتد الظرف الاقتصادي صعوبة لا سيما مع الغلاء الفاحش.
مربط الفرس أن موارد السلطة محدودة، وهياكلها الوظيفية مشوهة، ولا هيئة تشريعية يمكنها تصويب الأمر، ولا انتخابات تعيد الكُرة إلى "ملعب الشعب".
أقف مع المربين، وأتفهّم مطالبهم العادلة، لكنهم صعدوا فوق الشجرة، كما فعلوا سابقًا، ولم تجد أصواتهم بعد جهة أو جهات يمكنها إنصافهم على الورق، فقد شبعوا شعارات كما يقول لسان حالهم.
وحُمّل المضربون مسؤولية ضياع العام الدراسي، ليُصب المزيد من الزيت على النار، وبذلك نعود إلى المربع الأول، ويمكث غالبية الأبناء في البيت، في عام دراسي قاسِ.
العدالة في السماء وحدها، والطبقية عامة وطامة في أرجاء الأرض.
نحتاج سلم رواتب يُقرّ بشيء من الإنصاف ليس للمعلمين فحسب بل للطبقات المسحوقة كلها، وللعاملين في القطاع الخاص.
أخبرونا، كيف سيوفر شاب في أوّج العطاء متطلبات الحياة بفتات اسمه الحد الأدنى للأجور، وبأقل من 2000 شيقل؟ وكيف سيحلم هؤلاء؟ وبأي طريقة سيفكرون ببناء بيت، وشراء سيارة، واختيار شريكة حياة؟
نحتاج الآن- وكل حين- إلى صوت عاقل لا يشن هجومًا على المدرسين، ويتفهم مطالبهم هم وغيرهم، ويهدم الفوارق الفلكية بين الفئات العليا والدنيا، بالحد الأدنى.
بعد ذلك، لن نعجز عن اختيار شعارات وعبارات بلاغية لحث شرائح المجتمع الضعيفة على البقاء في وطننا، وعدم الرحيل منه.
لقد خسر غالبية طلبتنا أكثر من شهر دراسي هذا العام، حتى الآن، وقبلها مرّوا بمرحلة التعليم الإلكتروني الشكلي، وكانت لا تُسمن ولا تُغني.
وتزايدَ فاقد التحصيل لدرجة كبيرة، وفقد طلبة كُثر رغبتهم في الذهاب إلى المدرسة، لقد تحطّمت صورة المعلم والمدرسة بشكل أو بآخر، وعفا غالبية الأهالي أنفسهم من اتخاذ أي موقف، فيما يعقّد قرار المحكمة الإداري في 13 آذار الأزمة، لنخسر أكثر في كل لحظة يستمر فيها إضراب غالبية المدارس.

الحاجة آمنة مصلح عتيق
رحيل سيدة استثنائية
فقدت برقين، غربي جنين، في الخامس من آذار الفائت الحاجة آمنة حسن مصلح عتيق "أم إبراهيم" عن عمر ناهز 100 عام.
كانت الراحلة شاهدة على النكبة والنكسة والثورات والانـتفاضات المتلاحق، وعايشت العديد من الأحداث على مدار قرن، وودعت أجيالًا كثيرة، وشهدت على تطورات عديدة كزمن العتمة والسراج و"اللوكس" وخدمات جمعية التنوير الكهربائي والتيار الدائم.
جفّ في عهدها نبع البلدة (الحاووز)، واتسع العمران، وتضاعفت أعداد عشاق البلدة، وتغيرت ملامح الدروب، وتداعت في زمنها البيوت العتيقة، وأقيمت البنايات الشاهقة، واندثرت عشرات العادات، وتبدّلت الأحوال، ووُلد التلفاز وأفلَ نجمه، وانتشرت التكنولوجيا.
تغير كل شيء حولها وبقيت هي، قبل أن تُغادر إلى الدار الآخرة. كانت حقًا سيدة استثنائية في كفاحها وصبرها ومثابرتها.
تميزت بوقارها وهدوئها، وكنا نحن ومن سبقنا نذهب إلى بيتها لشراء الألبان، واستعارة سكّين خاص بتقطيع الصابون البيتي، كما اشتهرت بالحفاظ على الأرض، ورعايتها الدائمة لأشجار الزيتون.
اللافت في سيرة الراحلة ومسيرتها أن رفيق دربها توفي عام 1967 في عز العطاء، كانت وقتها شابة، واستطاعت باقتدار أن تربي 9 أطفال يتامى، بعضهم لم يتجاوز 3 أو 4 سنوات، وكان ابنها الأكبر من أوائل الحاصلين على الدكتوراة في بلدتنا.
كافحت وعملت بصمتٍ وجد، وكنا شهودًا على عصاميتها ومثابرتها.
قدّمت- رحمها الله - دروسًا عملية في التفاني، وكانت أنموذجًا للأم المثالية والزوجة الوفيّة، من قصة حياتها نستلهم التحدي والإصرار والوفاء والعطاء، ونتعلّم العمل بصمت.

الحاج راضي عبد الله فقهاء
راضي المُختلف
خسرت طوباس، مطلع آذار الماضي، المُعمر الحاج راضي عبد الله فقهاء "أبو محمد"، عن عمر ناهز 99 عامًا، وسبق أن أجرت "آفاق البيئة والتنمية" مقابلة مع الرجل الذي حافظ على بشاشته، ولم يكترث لتجاعيد الوجه وهشاشة العظام التي نالت منه.
حكى لنا وقتئذ قصته ونثر سيرته، ومما قاله عن المدينة التي بدأ فيها نشاطه التجاري قبل نكبة عام 1948: "ولدت عام 1924 في طوباس، ودرست حتى الصف الثالث الابتدائي، وأكثر ما كان يزعجني في المنهاج الرياضيات والجبر، وأجلس في هذا المكان منذ نحو سبعة عقود، وتغيّر كل شيء من حولي؛ أصحابي، والبيوت، والطرقات، والسيارات، والنفوس، وطبيعة الغذاء، والأدوات التي أتعامل بها، وبقيت أنا وحيدًا، إنها سنة الحياة".
فقهاء الذي فاق عمرُه دولة الاحتلال بربع قرن، كان شاهدًا على إنتاج القمح والسمسم وسائر المحاصيل بوفرة في أراضي طوباس والأغوار، وما زال يذكر جيدًا البيادر التي كانت فيها تُستخرج قشور القمح والحبوب عن حباته، مفتقدًا غياب البذور البلدية كالشمام والبطيخ والفقوس، وفي الوقت نفسه لم ترق له طريقة الزراعة اليوم ولا آلية إنتاج اللحوم وسائر الأطعمة.
وأضاف: "كنا نجفّف ثمار البندورة في المحل ونخزنها حتى قدوم الشتاء، ولم نكن نعرف البيوت البلاستيكية المنتشرة اليوم، وكان لغذائنا طعم ورائحة وشكل أفضل من الدارج اليوم، والذي يُنتج بالكيماويات والأدوية، أما اللحوم فكلها علف، وفي 40 يومًا تصير البيضة دجاجة، وكله على حساب صحتنا".
كان الشائع في الماضي أن يتناول الناس، وفق الراوي، اللحوم في المناسبات السعيدة، وبكميات شحيحة، وبالرغم من قلّتها إلا أن طعمها كان أطيب، وإنتاجها صحي أكثر، وأرخص ثمنًا.
فيما درجت العادة أن تُباع الطحينية والسمن البلدي ودبس الرمان بــ "المفرّق" وتوضع في أوانٍ يحضرها أصحابها من بيوتهم، فيما تراجع زمن الأكياس الورقية وغزا البلاستيك كل شيء، وانقرضت أدوات الزراعة القديمة، وتراجعت مبيعات أدوات المطبخ والخيول ومصائد الفئران والخلد كثيراً، واختفت من الأسواق سلعٌ عديدة، ما زال فقهاء يصون عهدها.
حرص أبو محمد على فعل الخير في الخفاء، وهو من أوائل تجار طوباس، وحافظ على تسويق أدوات تراثية نادرة، وركوب الخيل، لكن الطريف في حكايته أن الفارق بينه وبين أصغر أولاده نحو 90 عامًا، وأن غالبية أحفاده أكبر من أبنائه الأصاغر الذين أنجبهم بعد عمر التسعين.

طعام الكلاب
رفاهية
من فرط الرفاهية، نُظّم احتفال، الشهر الماضي، بعلامة تجارية عالمية لغذاء صحي وآمن للحيوانات الأليفة في رام الله، بحضور رسمي.
لسنا ضد تربية الحيوانات ولا الاهتمام بها، لكن يحيّرنا سؤال عن الدلالات التنموية والاجتماعية والاقتصادية لاستيراد طعام خاص للكلاب والقطط، بماركة عالمية ومبالغ طائلة.

أرباح
نشر موقع "الاقتصادي "أرباح البنوك المحلية في عام 2022 بلغت 139 مليون دولار، كما تابعنا العوائد الخيالية لشركات لاتصالات".
هل يُعقل هذا، بينما تعيش معظم القطاعات أزمات طاحنة، وتعجز الحكومة عن سداد كامل رواتب موظفيها، والحد الأدنى للأجور مخجل، والمعلمون يطالبون بزيادة فتاتهم، والبطالة والفقر آخذان في الارتفاع؟
على البنوك والشركات الكبرى التي تجني الأرباح، المساهمة في تحرير الوطن بقدر ما تحققه من أرباح فلكية، لا أن يُترك الفقراء وحدهم لهذه المهمة.