خاص بآفاق البيئة والتنمية

القطايف الرمضانية في غزة
بحلول شهر رمضان، استوقفني حديث بخصوص الأماكن التي يمكن الحصول فيها على القطايف الطازجة الغنية واللذيذة.
وتطرق النقاش إلى حشوات القطايف المختلفة، ومنها المكسرات، والقشطة، والأجبان المستوردة التي ترهق جيب المواطن، والبدائل الأخرى الموجودة في السوق، ومن ثم انتقل الحديث إلى الأسرار الدقيقة التي تساعد على تحسين طعم العجينة من السميد والدقيق والحليب والزيوت وغيرها.
أذكر في السابق حين كنت أحضر الحليب البقري الطازج لوالدتي، وأرى عند غليه في المطبخ تكوّن تلك القشدة الصفراء الغنية بالدسم والمغلفة بالبروتينات الحيوانية. كانت أمي دائماً يحلو لها تحضير الحلويات المختلفة منها، وكم كنا نفرح بطعمها الشهي في طفولتنا.
في قطاع غزة تتحدى مصانع الألبان ومشتقاتها الحروب المختلفة والمتكررة، فضلاً عن التحديات التي تثقل كاهل المزارعين وتقلل من جودة ومنافسة منتجهم مع المنتجات المستوردة.
في ورقة عمل نشرتها وزارة الاقتصاد سابقاً في عام 2002، كان قطاع غزة ينتج حوالي 142 مليون لتر من الحليب سنوياً بما يعادل قيمته 12 مليون دولار، إذ يُعد المادة الخام الرئيسة للكثير من الصناعات المحلية التي تساهم في تحسين سبل العيش للعديد من الفلسطينيين في قطاع غزة.
يعمل في قطاع غزة نحو 15 مصنعاً لإنتاج مشتقات الألبان، ويستهلك هذا القطاع الصناعي سنويًا حوالي 400 ميجاوات من الكهرباء لضمان تجميع وتصنيع وتغليف وحفظ وتسويق المنتجات المختلفة التي لا يتوفر منها سوى 212 ميجاوات من الكهرباء فقط لهذا القطاع.
ويستمر القطاع الحيواني في إنتاج مشتقات الحليب من 2500 بقرة حلوب في قطاع غزة، في حين أن الفائض من إنتاج الحليب الذي لا يطابق المواصفات، أو الذي تنأى المصانع عن تصنيعه، يتداوله المزارعون أو البائعون المتجولون في السوق المحلي بتصنيعه بطرق بدائية بسيطة قد تحسّن من سبل العيش الخاص ببعض العائلات المستورة في خضّم صعوبات منها عدم القدرة على المحافظة على المنتج لفترة أطول، وعدم توفر الكهرباء والظروف الملائمة لدورة حياة المنتج كاملةً.
وبالنظر بتمعن حول جودة حياة البقرة، من حيث المساحة المتوفرة لها في الحركة، ونوع التغذية، ونوع الرعاية المقدمة لها، فجودة حياتها تتأثر بالمتغيرات المختلفة المتصلة بجودة المياه، ونسبة تركز الملوحة، والنشاطات الزراعية التي تُستخدم لعلف الأبقار بجودة مناسبة، ومن الواضح أنها تأثرت إلى حد كبير من ظواهر التصحر المختلفة، وضعف القطاع الزراعي في إنتاج الأعلاف، والاعتماد شبه الكامل على البدائل غير الطبيعية والأعلاف المصنعة، مما انعكس سلبًا على جودة المنتج الخام.
وبالتوازي مع ضعف الدورة الكاملة لحفظ وتصنيع منتجات الألبان، فإن المستثمرين المحليين يواجهون صعوبة في استيراد المعدّات الملائمة لتطوير هذا القطاع بسبب الحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة، فضلًا عن تشبّع الأسواق من المنتجات المستوردة المنافسة.
وبالعودة إلى جودة المنتج المحلي الخام، فإن حبيبات الدهون الدقيقة التي توجد في حليب الأبقار وتغلفها طبقة صفراء اللون، إذ تتحرر من الغلاف وتنتج الزبدة والقشطة الغنية، إنما تعتمد على المكونات الطبيعية والنباتات وحصولها على غذاء متكامل البروتين والأملاح والكربوهيدرات وغيرها.
ويشهد قطاع غزة العديد من الأفكار الريادية التي تحاول حل تلك المشكلة، بواسطة منتجات الثروة السمكية، وتحسين التغذية عن طريق الطحالب، وتكامل التغذية بطحن الديدان المجففة واستخدامها في الأعلاف الحيوانية التي قد تساهم بشكل أو بآخر في تحسين الظروف المحيطة بجودة المشكلة الأساسية المتصلة بمنتج الحليب الخام وسائر المنتجات الحيوانية.
وبالنظر إلى المسألة من منطلق بيئي بحت، فإن انبعاثات مجمل الإنتاج الحيواني في الضفة وغزة لا تكاد تشكل فارقاً في ظاهرة الاحتباس الحراري، إلا أن المزارع الحيوانية تستفيد من تطبيق التطويرات اللازمة لتحسين ظروف معيشة الثروة الحيوانية وتقليل الانبعاثات دون بناء أي فكرة حول الاحتباس الحراري والمشاكل المناخية، ولكن تستخدمها من أجل تقليل تكلفة التعليف وتحسين المنتجات الحيوانية في المزارع والتكيف مع التغيرات المناخية المختلفة.
وقد يكون كل ما سبق هو مجرد عصف ذهني عميق لدوافع خاصة بالتنمية ولفهم التغيرات المتسارعة في السوق من حولنا من جهة، وجودة الحياة في القطاعات المائية والزراعية والصناعية والتجارية من جهة أخرى.
وعلى أي حال، ترتبط العوامل ببعضها البعض لتصنع كرة ثلج تكبر شيئًا فشيئًا، في إطار تساؤلات حول جديتنا في التعامل والتكيف مع المتغيرات المختلفة التي تؤثر مباشرة وحتى لو كان في "فرق الطعم" لحبة القطايف، أو لذكرى من الطفولة قد نكون غير قادرين على تفسيرها للأجيال القادمة بسبب التغير المتسارع للظروف وتغيرات المناخ وجودة الحياة عمومًا في كل ما يحيط بنا.