الحرب الروسية-الأوكرانية.. جذور المجاعة العالمية ومرثية "الأمن الغذائي"
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في الأشهر الأخيرة، صعدَّت بعض الدول الغربية والمؤسسات الدولية لهجتها التحذيرية من مجاعة عالمية بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، وذلك بسبب "قطع الإمدادات من موانئ أوكرانيا"؛ علمًا أن الأخيرة كانت، قبل الحرب، تصدّر كميات ضخمة من الحبوب والقمح والذرة والزيوت النباتية. لكن، بعد الحرب انهارت الصادرات الأوكرانية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار. ويقدّر الإنتاج الروسي والأوكراني بـ 30% من إمدادات القمح العالمي، وقد كانت أوكرانيا (قبل الحرب) تصدّر شهريًا نحو 4.5 مليون طن منتجات زراعية. مسؤولون دوليون اتهموا روسيا بشن حرب على "الأمن الغذائي العالمي" وبأن حصارها لموانئ أوكرانيا على البحر الأسود "يهدد الإمداد الغذائي لنحو 400 مليون شخص". الأسئلة الوجيهة المطروحة: ما المقصود أصلًا بالأمن الغذائي؟ هل الحرب الروسية الأوكرانية هي التي تسبّبت حقًا بما يسمى "انعدام الأمن الغذائي" العالمي والمجاعة؟ وما حقيقة المجاعة في العالم وأين تكمن جذورها؟ سنحاول في هذا المقال البحثي الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، مستندين إلى المنهج الجدلي أداة في التحليل والنقاش؛ علمًا أن هذا المنهج يعالج كل أشكال الحركة الداخلية والخارجية للواقع والتغيرات الكيفية التي يولدها صراع الأضداد المعتمل في أعماقه.
|
 |
| أكذوبة الأمن الغذائي |
صعدَّت بعض الدول الغربية والمؤسسات الدولية، في الأشهر الأخيرة، لهجتها التحذيرية من مجاعة عالمية بسبب الحرب الروسية-الأوكرانية، وذلك بسبب "قطع الإمدادات من موانئ أوكرانيا"؛ علمًا أن الأخيرة كانت، قبل الحرب، تصدّر كميات ضخمة من الحبوب والقمح والذرة والزيوت النباتية.
لكن، بعد الحرب انهارت الصادرات الأوكرانية، ما أدى إلى ارتفاع كبير في الأسعار.
ويقدّر الإنتاج الروسي والأكراني بـ 30% من إمدادات القمح العالمي، إذ كانت أوكرانيا قبل الحرب تصدّر شهريًا نحو 4.5 مليون طن منتجات زراعية.
أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، قال في أيار الماضي، بأن الصراع الروسي الأوكراني "يهدد عشرات الملايين بانعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية والمجاعة".
كذلك ديفيد بيسلي المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي (WFP) اتهم روسيا بشنّ حرب على "الأمن الغذائي العالمي" وبأن حصارها لموانئ أوكرانيا على البحر الأسود "يهدد الإمداد الغذائي لنحو 400 مليون شخص".
أما وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك فأعلنت (في اجتماع لوزراء الخارجية في الأمم المتحدة في نيويورك) بأن "روسيا تقود الحرب بسلاح رهيب وقوي آخر هو الجوع والحرمان، بإغلاقها الموانئ الأوكرانية وتدمير الصوامع والشوارع والسكك الحديدية، فروسيا تشن حرب حبوب، ما ولّد أزمة غذائية عالمية. روسيا تفعل ذلك بينما الملايين مهددون بالجوع، وبخاصة في الشرق الأوسط وأفريقيا، بسبب أزمة المناخ وجائحة كورونا والصراعات المستعرة في مناطقهم".
من ناحيتها، رفضت روسيا بقوة هذه الاتهامات وحملت الغرب مسؤولية الوضع الغذائي، بسبب العقوبات التي فرضها الأخير على موسكو.
وقال سيرجي لافروف وزير الخارجية الروسي إن "الألغام التي زرعها النظام الأوكراني هي التي تمنع تصدير الحبوب من أوكرانيا، فضلاً عن أن ناقلات الحبوب الروسية وشركات التأمين التي تؤّمن على السفن الروسية تقع ضمن إطار الحظر الذي يفرضه الغرب على روسيا".
الأسئلة الوجيهة المطروحة: "ما المقصود أصلاً بالأمن الغذائي؟ هل الحرب الروسية الأوكرانية هي التي تسببت حقاً بما يسمى "انعدام الأمن الغذائي" العالمي والمجاعة؟ وما حقيقة المجاعة في العالم وأين تكمن جذورها؟

الحرب الروسية-الأوكرانية
سنحاول في هذا المقال البحثي الإجابة عن هذه الأسئلة وغيرها، مستندين إلى المنهج الجدلي باعتباره أداة في التحليل والنقاش؛ علمًا أن هذا المنهج يعالج كل أشكال الحركة الداخلية والخارجية للواقع والتغيرات الكيفية التي يولّدها صراع الأضداد المعتمل في أعماقه.
بداية لا بد من التنويه إلى أن "براءة اختراع" مفهوم الأمن الغذائي تعود إلى الأنظمة الإمبريالية والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية (الولايات المتحدة الأميركية، الاتحاد الأوروبي، البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، بعض وكالات الأمم المتحدة...إلخ) والذي تبنّته بدورها الأنظمة السياسية في جنوب الكرة الأرضية التابعة للغرب الاستعماري، أي أنه مفهوم "نيوليبرالي" فوقي فُرض من أعلى إلى أسفل.
مفهوم "الأمن الغذائي" يُفترض، في جوهره، أن يمتلك الناس قدرة على تلبية احتياجاتهم الغذائية، وذلك بالإنتاج المحلي أو الاستيراد.
والأساس هنا، وفق المفهوم الإمبريالي، هو الاستيراد وبالتالي تبعية الشعوب الفقيرة الغذائية للدول الإمبريالية واحتكاراتها المتحكمة عالميًا بإنتاج الحبوب والأغذية الإستراتيجية.
بمعنى، كي يتمكن الناس من توفير احتياجاتهم الغذائية يجب أن يتوفر لديهم المال كي يقتنوا تلك الاحتياجات. ودون ذلك، فمن لا يملك المال من الشرائح الاجتماعية العاطلة عن العمل والمعدمة والتي تعاني الفقر المدقع، لا بأس أن تموت وهي تتضور جوعًا.
مفهوم "الأمن الغذائي"، بهذا المعنى، يهدف في المحصلة الأخيرة إلى تكريس وتأبيد الظلم والقهر الاجتماعيين، وانعدام العدالة والمساواة؛ بل شرعنة الفقر والجوع وماكنة النهب العالمية المعززة للفجوات الطبقية بين طغمة هامشية من الأثرياء المترفين الطفيليين الذين يموتون من التخمة الغذائية، وبين غالبية تموت جوعًا، دون أن تجد حتى من يحتفي بدفنها.
وخلافًا لذلك، مفهوم السيادة الوطنية على الغذاء (السيادة الغذائية) ينسجم تمامًا مع مفهوم الاقتصاد المقاوم المعتمد على الذات، والذي يتناقض ويتناحر مع المفاهيم والسياسات الاقتصادية الرسمية القائمة أساسًا على قاعدتي "اقتصاد السوق"، و"السوق الحر" الرأسماليين اللذين تسبّبا في ترسيخ وتعميق الفقر والمجاعة والحروب القبلية والمحلية في دول الجنوب ذات "السيادة" الشكلية.
نشأ مفهوم السيادة الغذائية بداية في بعض دول أميركا اللاتينية وشرق آسيا، مفهومًا نقيضًا للأمن الغذائي، وتطور في سياق الحركات الفلاحية الشعبية الثورية التي حرّرت مساحات الأراضي الزراعية من براثن الأنظمة السياسية المستبدة والشركات الغذائية والزراعية الصناعية الكبرى، وتمرّدت على سياسات حكوماتها الداعمة للأغنياء والشرائح الطفيلية، والمدافعة عن مصالح الرأسماليين وأصحاب الأعمال الكبار وتجار العقارات والأراضي والشركات الاحتكارية والعابرة للقارات.
بمعنى أن مفهوم السيادة الغذائية عبارة عن مفهوم تحرري شعبي مقاوم يهدف إلى تحقيق السيادة الحقيقية على الأرض وإنتاج الغذاء، وبخاصة سيادة الشعوب المقهورة والشرائح الشعبية الرازحة تحت تحكم ورحمة حفنة من الاحتكارات الأجنبية العابرة للقارات وشركات البذور والكيماويات الزراعية العالمية، إضافة إلى الشعوب الرازحة تحت احتلال أجنبي، كما الشعب الفلسطيني.

حقيقة المجاعة في العالم وأين تكمن جذورها
"العالم الثالث": المجاعة أو الفقر الغذائي
جائحة كورونا تحديدًا فضحت مدى عمق الاضطهاد الاجتماعي والقهر الطبقي وانعدام المساواة عالميًا، وكشفت زيف وأكذوبة "الأمن الغذائي" التي دأبت الأنظمة الإمبريالية ومؤسساتها واحتكاراتها في دول الشمال على تسويقها للمجتمعات الفقيرة في دول الجنوب، بعد أن جُمّلت بمساحيق فكرية- تنموية من قبيل "التنمية المستدامة" التي تحت مظلتها يُغلّف التفنن في أشكال نهب الموارد المالية والأرباح والفوائض (من الجنوب).
وفي المحصلة، تخلّت دول "الجنوب" (وبطبيعة الحال العربية أيضًا) عن أسواقها القومية، وفتحتها تمامًا للرأسمال الغربي المتمثل بشركاته العملاقة ليرتع فيها كما يشاء، ويدمر بنيتها الإنتاجية والبيئية، تحت عنوان "السوق العالمية الموحدة" التي تشكّل المجال الطبيعي والحيوي لحركة الرأسمال الغربي الذي يُعد الحاكم بأمره في هذه السوق.
وهنا يكمن سر دعوة المؤسسات المالية والاقتصادية "الدولية" (وخاصة "منظمة التجارة العالمية") إلى "تحرير" غير متكافئ بتاتًا للتجارة في دول "الجنوب" التي على حكوماتها، وفقًا لمتطلبات "التحرير"، رفع الحماية عن المنتجين المحليين، و"خصخصة" أصول ومشاريع القطاع العام، بما في ذلك السماح للشركات الأجنبية و"المتعددة الجنسية" بأن تشتري هذه الأصول والقطاعات، فضلًا عن منح الحرية المطلقة لحركة رأس المال، وبالتالي حرية تسريب الأموال والفوائض المحلية إلى الخارج، وتحديدًا إلى دول "الشمال".
وكانت النتيجة سحق البنى الاقتصادية الإنتاجية التقليدية التي كانت قائمة قبل الوجود الاستعماري المباشر في هذه البلدان، والتي اعتمدت على الموارد والسوق المحلية، كالزراعة بالدرجة الأولى، وبالتالي حطّم الغرب أسس اعتماد غالبية دول "العالم الثالث" على ذاتها اقتصاديًا، وضمنَ بالتالي تبعيتها الاستهلاكية والغذائية له، وبالنتيجة جرّدها حتى من وهم "أمنها الغذائي" ودمر بيئتها الغنية وقذف بها إلى مستنقع المجاعة.
ومع جائحة كورونا، تعمّق الفقر والمجاعة في بلدان الجنوب خصوصاً، بل وأيضًا في الدول الصناعية الغربية ذاتها، حيث حددت البنية الطبقية الرأسمالية من يحصل على الطعام ومن لا يحصل عليه؛ فطغت طغياناً صارخًا الانقسامات الطبقية على المستوى الكوني، حيث يتمتع الأغنياء بثرواتهم الخيالية المتضخمة، بينما مئات ملايين العمال في سوق البطالة، لا يملكون المال لإطعام أسرهم.
أزمة الجوع إبان عام 2020 غير مسبوقة، حيث قدّر الخبراء عدد الوفيات العالمية بسبب الجوع، حتى نهاية تلك السنة، بأكثر من 132 مليون شخص، بمقدار ثلاثة أضعاف الزيادة السنوية منذ بداية القرن الحادي والعشرين (وكالة بلومبرج). أي أن العدد اليومي للوفيات عالميًا، بسبب الجوع الناتج عن عواقب الجائحة أكثر من عدد الوفيات بسبب الإصابة بالفيروس.
واللافت أن وحش الجوع يبيد الناس، في الوقت الذي تزداد به الفوائض الغذائية في العالم بنسب كبيرة؛ تلك الفوائض التي؛ وفقاً لمفهوم "الأمن الغذائي"، يفترض أن توزع على الجوعى، وبالتالي القضاء على ظاهرة الجوع.
وبالرغم من تأكيد منظمة "الفاو" أن السنوات الأخيرة شهدت ارتفاعًا كبيرًا في الإنتاج العالمي لمحاصيل الحبوب الإستراتيجية، إلا أن المعروض العالمي من الحبوب قد انخفض وارتفعت الأسعار بعشرات في المائة.
هذا يشير إلى أن أزمات القمح العالمية الدورية ليست سوى أزمات مفتعلة يكمن سببها الأساسي في التنافس على سوق القمح العالمي بين أميركا (أكبر مصدر عالمي للقمح) وأوروبا، وبالتالي التلاعب بفائض القمح المعروض عالميًا والتحكم بغذاء "العالم الثالث".
إذن، تضخيم مسألة "انعدام الأمن الغذائي" والمجاعة بسبب الحرب الروسية الأوكرانية، هي في الواقع "لعبة الكبار"، وهدفها رفع أسعار الحبوب والمواد الغذائية الأساسية.
فعلى سبيل المثال، سعر طن القمح يفترض ألا يزيد على 300 دولار أميركي، بينما وصل سعره في أواخر أيار الماضي إلى أكثر من 450 دولار.
كما أن فائض الحبوب والقمح في أوكرانيا (منذ ما قبل الحرب) اُستنزف مقابل شراء السلاح من دول الحلف الأطلسي (خلال الحرب الحالية)، وما قد يترتب على ذلك من خلق أزمات غذائية وربما تفاقم المجاعات (الموجودة أصلًا) في بعض البلدان الفقيرة.
الهدر الهائل لفوائض الأغذية، وبخاصة في دول الغرب الرأسمالي، يعني التخلص من الإنتاج الغذائي في مكبّات النفايات. وهذه الفوائض تكفي لإطعام مئات الملايين من سكان الدول الفقيرة.
الدول الغربية ومؤسساتها المالية الدولية فرضت خلال عشرات السنين الأخيرة، ولا تزال تفرض، على "العالم الثالث" زراعة محاصيل كمالية للتصدير لأوروبا وأميركا واليابان، بينما تفتقر غالبية شعوب "العالم الثالث" للمحاصيل الغذائية الأساسية التي تحتاجها.
ويشير هذا التوجه الاقتصادي الغربي المفروض على "العالم الثالث" إلى أن الزراعة الأحادية الموجهة لما يسمى بالسوق العالمي قد أوصلت هذه الشعوب إلى درجة العجز عن إنتاج وتأمين الغذاء الأساسي لنفسها، فلم يبق أمامها سوى مواجهة مصيرها المحتوم: المجاعة أو الفقر الغذائي (المعنى الحقيقي لـ "الأمن الغذائي").

الزراعات الصناعية والتعديل الوراثي
مستوى معيشة "البقرة الغربية" أعلى من مستوى معيشة مزارع "العالم الثالث"
بهدف خدمة التوجه التجاري الأخير، وتحت راية "برامج التصحيح الهيكلي"، فإن البنك وصندوق النقد الدوليين اشترطا لتقديم القروض للدول النامية، بأن تغيّر الأخيرة أنماط إنتاجها الزراعي، وبالتالي إجبار الدول النامية على التحول من إنتاج غذائها الأساسي الضروري لتوفير أمنها الغذائي الحقيقي، إلى إنتاج المحاصيل الكمالية لتلبية متطلبات الدول الغربية.
كما وتعمل المؤسستان على إرغام نفس الدول على إلغاء الدعم الحكومي للاحتياجات الغذائية الأساسية وإبطال دعم الأسعار للمزارعين، وتسهيل قوانين الأراضي، لإتاحة المجال أمام الشركات الكبرى بأن تستثمر في الزراعة، وبالتالي، ترك المزارعين "غير الفعالين" تحت رحمة قوى السوق، بل واستبدالهم بالشركات الصناعية؛ علمًا أن الزراعة تشكّل مصدر عيش 70% من فقراء العالم.
وبالتأكيد، لم تقترح المؤسسات المالية الدولية مثل هذه الوصفات على الدول الغنية والصناعية التي تنتج فوائض ضخمة من القمح والأرز والذرة وفول الصويا وقصب السكر والقطن، وذلك في ظروف مسيئة للبيئة وتتسبب أيضاً في كوارث إيكولوجية واضحة.
وهذه الدول تحديدًا، تسدّد ضربتين مدمرتين للبيئة في وقت واحد.
وتتمثل الضربة الأولى في قيام كبار المزارعين بتدمير الأرض بسبب ممارساتهم الزراعية (الكيميائية) المكثفة جدًا، وفي تلويثهم المياه الجوفية وتسميمهم للبيئة.
ومن ثم، وهذه هي الضربة الثانية، يتلقون دعمًا ماليًا مكثفًا لتشجيعهم على مواصلة هذه الممارسات غير المستدامة وضمان استمراريتها على نحو متعمد.
وللتدليل بالملموس على ما نقول، نذكر أن من بين أبرز مظاهر الظلم والانعدام المطلق للعدالة والتكافؤ في ظل "العولمة" على سبيل المثال لا الحصر، وجود قطعان من البقر في الدول الغنية تُدَلَّل على حساب مئات ملايين المزارعين في الدول النامية، حيث يصل الدعم اليومي الذي تدفعه دول الاتحاد الأوروبي للبقرة الواحدة إلى نحو 3 دولارات أميركية، أما اليابان فتدفع 8 دولارات يوميًا، في الوقت الذي يبلغ فيه معدل الدخل اليومي لنصف سكان الهند البلغ عددهم 1.4 مليار نسمة، أقل من دولارين.
إن مثل هذه المقارنات بين مستوى معيشة البقرة الغربية ومستوى معيشة المزارع في "العالم الثالث" قد "تجرح" مشاعر بعض الاقتصاديين وصانعي القرار، لأنها تكشف حقيقة أن الحرب الحقيقية التي يخوضها الغرب الاستعماري ضد الشعوب الفقيرة هي الحرب ضد ما تبّقى من لقمة عيشها وسيادتها على غذائها، وذلك تحت شعار ما يسمى "العولمة" و"مكافحة الإرهاب" اللذان يعدّان أعلى مراحل النفاق السياسي والأيديولوجي الكولونيالي.
ومن المثير حقًا أن نجد مزارعي القطن في الولايات المتحدة الأميركية (عددهم نحو 25 ألف) يتلقون دعمًا حكوميًا مباشرًا بأكثر من 4 مليار دولار، وذلك مقابل إنتاجهم لمحصول القطن الذي بلغت قيمته بأسعار السوق العالمي أقل من ذلك بكثير.
ويتجاوز هذا المبلغ إجمالي الناتج المحلي لبضع دول أفريقية، كما يعادل أضعاف المبلغ الذي تنفقه الولايات المتحدة في إطار "مساعدات" لأكثر من نصف مليار أفريقي فقير.
وفي قطاع صادرات الألبان، ضربت صادرات الاتحاد الأوروبي المدعومة حكوميًا، صناعة الألبان في البرازيل والهند، علمًا أن صناعة الألبان في الدولة الأخيرة تعاني إغراق الصادرات للسوق المحلي.
وقبل إنشاء منظمة التجارة العالمية، كانت أندونيسيا تُصنّف ضمن أكبر عشر دول في العالم مصدرة للأرز. وبعد ثلاث سنوات من ولادة المنظمة، أي في عام 1998، أصبحت أندونيسيا أكبر مستورد للأرز في العالم.
أما الهند التي تعد أكبر منتج للخضروات في العالم، فقد تضاعف كثيرًا استيرادها للخضروات في السنوات التي أعقبت تشكيل منظمة التجارة العالمية.
إذن، لا تزال السياسات التجارية الدولية تميز تمييزًا صارخًا ضد مزارعي الدول النامية.
ولإدراك حجم الحماية التي توفرها دول الـ OECD لقطاعها الزراعي، يكفي أن نعرف بأن "الهبات التنموية" التي تكرمت بها الأخيرة على دول "العالم الثالث"، خلال عشرات السنوات الأخيرة، بلغت نحو 70 مليار دولار.
وهذا المبلغ يعد ضئيلًا جدًا مقابل الدعم الزراعي الضخم الذي تقدمه تلك الدول لقطاعها الزراعي سنويًا، والبالغ مئات مليارات الدولارات.
وفي الحقيقة، تستخدم تلك الدول "المساعدات التنموية" استخدامًا فعالًا لإقناع سكان "العالم الثالث" "بسخائها" في مواجهة الآلام الإنسانية واعتبار "المساعدات" الوجه الإنساني للتجارة الضخمة و"الطموحة" ووحيدة الاتجاه من دول (OECD) إلى سائر أنحاء العالم.
وهذا يعني بأن على الدول النامية أن تتوقف عن زراعة المحاصيل الأساسية التي تأثرت سلباً من الدعم الضخم الذي تقدمه الدول الغنية والصناعية لنفس المحاصيل المزروعة لديها.
البنك وصندوق النقد الدوليين عملا ويعملان على ربط "مساعداتهما" لدول الجنوب وإعادة جدولة ديونها بتنفيذها لخططهما وبرامجهما الاقتصادية التي تتجاوز مجرد كونها "نصائح" أو "وصفات" لتشكل أوامر على دول الجنوب المدينة تنفيذها تحت رقابة مشددة من جانب البنك والصندوق الدوليين.
هذا الوضع يمكن اعتباره مدخلاً جديدًا لإعادة استعمار "العالم الثالث" باسم التنمية الاقتصادية المنشودة التي تتفنن في صياغة أشكال النهب الذي تجسد في العقود الأربعة الماضية في سلخ رأسمال صاف بقيمة آلاف المليارات من الدولارات سنويًا، من دول الجنوب إلى دول الشمال، كخدمة ديون وأموال مهربة إلى المصارف الغربية وأخرى "مجهولة" الأصل. وهذه المبالغ بمجملها أكثر بأضعاف من الأموال التي نهبها الاستعمار التقليدي المباشر من مستعمراته السابقة طيلة قرون.
ويتلخص الادعاء الأساسي للمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية بأن الانغلاق داخل أسواقنا يعيق إمكانية تنمية اقتصادياتنا، وبالتالي حري بنا التركيز على الاقتصاد التصديري.
لكن، في المحصلة النهائية، وكما حدث ويحدث في العديد من دول الجنوب وأوروبا الشرقية، فإن "تحرير" التجارة والتوجه التصديري أديا ويؤديان إلى نسف "النمو" في تلك الدول، بعكس ادعاء أنصار "التحرير"، لأن على هذه الدول أن تثبت بأن أسواقها "حرة" كي تدخل نادي "الدول المصدرة". لذلك يجب أن تفتح حدودها وأراضيها وبيئتها دون قيود، حسب ما تقتضيه أنظمة "منظمة التجارة العالمية".
وفي أغلب الأحيان، نظرًا لضعف بنية دول الجنوب الإنتاجية غير المتكافئة بتاتًا مع البنى الإنتاجية الغربية من ناحية كثافة رأس المال والتكنولوجيا المستخدمة والأسعار الاحتكارية التي تفرضها الدول الصناعية على منتجاتها القادرة على منافسة مثيلاتها في دول الجنوب، تزداد واردات هذه الأخيرة أكثر من صادراتها، الأمر الذي يولّد عجزًا دائمًا ومتزايدًا في الميزان التجاري، ويهدد بسحق القطاعات الإنتاجية المحلية، وبخاصة الزراعية، وإتلاف البيئة المحلية، بما في ذلك الأراضي الزراعية الخصبة، وكذلك تدمير المنتجين الصغار الذين يشكلون أغلبية ساحقة، والأنكى من ذلك زيادة التبعية للغذاء المستورد وتصاعد الهجرة من الأرياف، فضلاً عن تدهور متواصل في قيمة العملات المحلية.
وفي النهاية تعميق علاقات التبعية بصيغ جديدة، كما حدث في الكثير من دول "العالم الثالث" ذات السيادة، فما بالك في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني!
وما يُغيّب، أن الدول الرأسمالية الغربية أنشأت منظمة التجارة العالمية أداة تستخدمها شركاتها الاحتكارية لغزو واكتساح أسواق دول الجنوب وإغراقها بسلعها.
لذا، فإن الموقع الطبيعي للدول النامية هو خارج هذه المنظمة؛ إلا أن غالبية هذه الدول تابعة للغرب، وبالتالي تفتقر إلى القرار السياسي- الاقتصادي المستقل.
أما الأقطار العربية فقد حطمت الدول الصناعية الغربية مقومات اقتصادها الإنتاجي وحولتها إلى أسواق استهلاكية للسلع الغربية، ولم يُبْقِ لها الغرب ما تصدره لأسواقه، لأنها تفتقر أصلاً إلى الصناعات الحقيقية المنافسة، سواء الخفيفة أو الثقيلة (التكنولوجيا، الأسلحة، الآلات، الماكنات، السيارات، الطائرات وغيرها)، وإنتاجها هامشي وهزيل.
ورغم ذلك، لهثت الأنظمة العربية لهاثًا غبيًا للانضمام لمنظمة التجارة العالمية، وبالتالي فتح ما تبّقى من أسواقها للغرب الذي لو فتح أسواقه بالكامل، فلن تستفيد الدول العربية من ذلك شيئًا.
إن عجز الدول النامية عن فهم ومواجهة السياسيات العالمية التي تتحكم بجدول أعمال التجارة الزراعية، أدى إلى مواجهة العالم لنظامين زراعيين: النظام الأول يشمل الدول الغنية التي تنتج الغذاء الأساسي والإستراتيجي لنحو 8 مليار نسمة في العالم، والمتمثل أساسًا بالحبوب والحنطة.
أما النظام الثاني فيضم الدول النامية التي تتخصص في زراعة الخضروات والمحاصيل الكمالية للدول الغنية، كالورود والتوت الأرضي وعبّاد الشمس.
الدولارات التي تكسبها الدول النامية من تصدير هذه المحاصيل تعود ثانية إلى الدول الصناعية المتقدمة، لأنها تستخدم في نهاية المطاف، لشراء الحبوب من تلك الدول.
كل هذا يعني أن عدد الذين يتضورون جوعاً في العالم ويصل إلى نحو مليار، سيزداد باطرّاد، وسيموتون ويدفنون في مقابر جماعية، في الوقت الذي يواصل فيه الغرب ما يسمى بحربه ضد "الإرهاب".

تفاقم المجاعة رغم الزراعة الكيميائية والمحاصيل المعدلة وراثيا
تفاقم المجاعة رغم الزراعة الكيميائية والمحاصيل المعدلة وراثيًا
إذن، "انعدام الأمن الغذائي" والمجاعة في العالم ليستا وليدة اليوم، والحرب الروسية الأوكرانية ليست هي السبب في "انعدام الأمن الغذائي" والمجاعة، بل إنها السياسات والمفاهيم والممارسات الاقتصادية والغذائية- الزراعية الرأسمالية المتوحشة التي فُرِضت قسرًا على دول الجنوب و"العالم الثالث".
لقد دلّت متوالية "أزمات الغذاء" في العقود الأخيرة، وبخاصة "أزمة الغذاء" (2007-2008) من جهة، وأزمة جائحة كورونا من جهة أخرى، على مدى هشاشة النظام العالمي لتجارة الأغذية الذي ثبت عجزه عن القضاء على ظاهرة الجوع التي يعاني منها حاليًا نحو مليار نسمة من الشرائح السكانية المعدمة في البلدان ذات الدخل المتدني، المتوسط، بل وحتى المرتفع.
وقد ثبت أن سبب أزمة الغذاء أساسًا ليس نقص الطعام، بل عدم قدرة وعجز الفقراء على تحمل الارتفاع الكبير في الأسعار الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة والمدخلات (مثل الأسمدة) وما يترتب على ذلك من زيادة الديون بخاصة، وديون المزارعين الصغار والبلدان متدنية الدخل عموماً، ما أدى إلى هجرات متواصلة لملايين فقراء الأرياف والملاّكين الصغار نحو الأحياء الفقيرة في المدن والعمل المهزوز في الاقتصاد غير الرسمي.
كما أن من أهم مسببات الارتفاع الكبير في الأسعار هو مواصلة تقويض الإنتاج الغذائي في البلدان متدنية الدخل، بإغراق الأخيرة بفوائض الإنتاج المدعومة من الأنظمة الغربية الرأسمالية، أو بجرّها نحو التخصص في إنتاج غذائي كمالي تصديري رخيص لصالح الاقتصاديات الرأسمالية.
وفي المحصلة تفاقم احتكار الحبوب والبذور وتجارة أغذية أخرى تتحكم بها حفنة من شركات الكيماويات الضخمة متعددة الجنسيات.
يضاف إلى ذلك، تحويل الغابات والأراضي الزراعية الصغيرة متعددة المحاصيل لإنتاج الوقود الحيوي، على حساب المحاصيل الغذائية الأساسية والإستراتيجية.
ومما ساهم بقوة في الارتفاعات المتواصلة لأسعار الغذاء وبالتالي الأزمات الغذائية المفتعلة، ضياع المعارف التقليدية والتنوع البيولوجي، وانتشار المحاصيل الأحادية المسجلّة ببراءات اختراع، وهشاشة المحاصيل المعدلة وراثيًا، والتغيرات المرتبطة بتغير المناخ وبخاصة تأثير تغير المناخ على إنتاج الأغذية.
وأخيرًا، الإفراط في الاستغلال غير المستدام للموارد الطبيعية.
ومع هذه المعطيات الصارخة، لا يزال أنصار النظام الرأسمالي يزعمون بأن "الثورة الإنتاجية" الزراعية الكيميائية الرأسمالية "ضرورية لإطعام سكان العالم". الحقيقة أن هذا الزعم ليس سوى تضليل ومغالطة فاضحة.
فالأرقام الدولية الرسمية (منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة "الفاو"، الصندوق الدولي للتنمية الزراعية" وبرنامج الغذاء العالمي) تثبت بأنه رغم "التطور" الحاصل في مجال التكنولوجيا الزراعية الكيميائية والمحاصيل المعدلة وراثيا، بذريعة القضاء على المجاعة، فإن عدد الجياع في العالم ازداد كثيرًا ولم ينقص؛ بل إن هدف القضاء على المجاعة بحلول 2030 الذي وضعته الأمم المتحدة سنة 2015 لا يزال بعيد المنال.
في عام 2014 تحديدًا، بلغ عدد الجياع في العالم نحو 630 مليون، فارتفع عام 2019 إلى نحو 700 مليون، وفي عام 2020 تخطى عدد الجوعى عتبة الــــ 800 مليون، أي أكثر من 11% من سكان العالم. وحاليًا، بلغ عدد الجوعى نحو المليار.
لقد كُذّب منذ زمن الزعم القائل بأن الهندسة الوراثية للأغذية ضرورية لإطعام العالم، إذ رغم أن حصة الفرد من الإنتاج الغذائي العالمي تعد أعلى من أي وقت مضى، فقد تفاقمت المجاعة في العالم، الأمر الذي يؤكد بأن التوزيع العادل وضمان حصول الناس على الغذاء يعدان أكثر أهمية من التكنولوجيا.
إذن، المشكلة لا تكمن في عدم كفاية الإنتاج الغذائي العالمي، لأن العالم ينتج كميات ضخمة من الطعام أكثر من حاجته، لكن المشكلة تكمن في أن جياع وفقراء "العالم الثالث" لا يملكون الأموال اللازمة لشراء أو زراعة حاجتهم من الغذاء، بمعنى أن الكميات الزراعية لا تشكل إطلاقًا حلًا للمشكلة.
إن أهم ما تعلمناه من فشل "الثورة الخضراء" أن "التقدم" التكنولوجي في مجال الهندسة الوراثية للمحاصيل المتصلة بالبذور التي تستجيب للمدخلات الخارجية، يسهم في تعميق التقاطب الاقتصادي-الاجتماعي-الطبقي، وزبادة عملية إفقار الأرياف والمدن، ويفاقم انعدام ما يسمى "الأمن الغذائي".
وتكمن مأساة "الثورة الخضراء" تحديدًا، في تركيزها الضيق أحادي الجانب على التكنولوجيا التي تجاهلت أهم ما يتصل بأسس المجاعة البنيوية والاجتماعية.
وفي المحصلة، عززت التكنولوجيا البنى التي تفاقم من حدة المجاعة. وهكذا فإن "الثورة الجينية" لن تفعل أكثر من مضاعفة الأخطاء الأكثر سوءا "للثورة الخضراء".
علاوة على ذلك، يعلّمنا التاريخ أن التغييرات البنيوية المتصلة بضمان حصول الناس على الأرض والغذاء والسلطة السياسية، بالتوازي مع تطوير وممارسة تقنيات بيئية معتمدة أساسًا على الأبحاث التي يقودها المزارعون، هي الكفيلة بإحداث تقليص جدي في المجاعة والفقر.
وفي المقابل، ستقودنا "ثورة الجينات" إلى الاتجاه المعاكس تمامًا، حيث أنها تعتمد على الأبحاث ذات الكلفة الخيالية والمُحْتَكَرَة من قبل النخبة التكنولوجية والصناعية التي تستخدم التقنيات المسجلة ببراءات اختراع، وبالتالي مُهَيْمَن عليها من قبل نخبة "علمية" و"صناعية" محدودة جدًا.
وفي الواقع، يعد تأييد بعض الجهات والمؤسسات الدولية لملكية الشركات الفكرية، بمثابة دعم للقرصنة البيولوجية التي تقترفها تلك الشركات، لأن الموارد الوراثية التي تسعى الشركات إلى احتكارها تحت مسمى "الاختراع المسجل" هي محصلة جهود المزارعين الجماعية لتحسين وإعادة إنتاج البذور عبر آلاف السنين، وهي بالتالي ملك للبشرية.
يضاف إلى ذلك، أن تفوق الزراعة الرأسمالية الصناعية من حيث الإنتاج، غير مدعم بالتجربة. فبالرغم من المغالطة الشائعة بأن المزارع أو الحيازات الزراعية الصغيرة متخلفة وغير منتجة، إلا أن الأبحاث تدلل على أن المزارع الصغيرة أكثر إنتاجية بكثير من المزارع الكبيرة، وذلك إذا أخذ في الاعتبار مجمل المخرجات، وليس فقط الغلة الناتجة من محصول واحد.
فعلى سبيل المثال، أنظمة الزراعة المتكاملة الصغيرة التي تنتج تنوعًا من الحبوب، والفاكهة، والخضروات، والعلف والمنتجات الحيوانية، تتجاوز غلتها (إنتاجها) في الوحدة الواحدة، غلة المحصول الأحادي في المزارع الكبيرة، مثل الذرة في الزراعات الأحادية.

الفقر الغذائي العربي
الفقر الغذائي العربي
مع "عولمة" النهب المنظم والمكشوف، لا تشكل الدول العربية بالنسبة للمؤسسات المالية والاقتصادية العالمية والدول الغربية "المانحة" سوى حلقة صغيرة جدًا من حلقات ما يسمى "العولمة" التي تقرر من يجوع ومن يأكل.
وهنا لا بد من التأكيد على أن تجزئة الوطن العربي التي فرضت بالقوة، لا يمكنها أن تستمر في الحياة إلا بالقوة العسكرية الغربية التي تعيق وحدة الأمة العربية والوطن العربي.
وتكمن خطورة التجزئة العربية ودورها في تشويه وتشتيت الثروات والاقتصاديات العربية في حقيقة أن نسبة استثمار الأموال العربية داخل الوطن العربي لا تزيد على 2.5% من إجمالي الاستثمارات العربية خارج الوطن العربي والبالغة أكثر من تريليوني دولار، فضلاً عن أن التجارة البينية العربية لا تتجاوز 8% من مجمل التجارة العربية الخارجية، بينما تستورد الدول العربية نحو 92% من احتياجاتها من العالم الخارجي.
الوطن العربي، إذن، يستورد معظم احتياجاته الغذائية، فعلى سبيل المثال لا الحصر، يستورد أكثر من 70% من الحبوب ونحو 70% من الزيوت.
يشير هذا الواقع إلى عدم إمكانية تحقيق تنمية نوعية وفعالة في مختلف المجالات من شأنها رفع مستوى معيشة الجماهير العربية ورفاهيتها، مادامت التنمية تتقوقع في الإطار القطري الضيّق أو في إطار التبعية للغرب الاستعماري الذي فرض تجزئة الوطن العربي على أساس دويلات لا تملك كل منها على حدة، مقومات الوجود الذاتي المستقل. حيث ركز الثروات العربية الضخمة في الأقطار قليلة السكان، وأوجد أقطارًا ضخمة الثروات والمساحة وقليلة السكان، وترك أقطارًا أخرى كثيرة السكان بموارد بيئية شحيحة ومحدودة، أو شحيحة السكان والثروات معًا.
وبالرغم من شراء العديد من الأنظمة العربية لوصفات البنك وصندوق النقد الدوليين والتي يطلق عليها "التصحيح الهيكلي" و"الخصخصة" و"السوق الحرة"، فقد تراجع القطاع العام والتخطيط وتدهورت قدرة معظم الأقطار العربية على توفير الغذاء لشعوبها استنادًا إلى الموارد المحلية، وبالتالي ازدادت التبعية للغذاء المستورد.
كما اتسعت الفجوة الاقتصادية-الاجتماعية بين الأقلية الطفيلية غير المنتجة التي تتمتع بالمداخيل والثروات الهائلة، وبين الأغلبية الساحقة التي تعاني الفقر المادي والغذائي. وعليه، فقد استفحلت البطالة وازدادت هجرة قوة العمل العربية إلى خارج أوطانها وتفاقم الفساد وطرأت زيادة كبيرة على نسبة الإنفاق على استيراد السلع الاستهلاكية الترفيهية والكمالية.
ورغم انفتاح معظم الأسواق العربية أمام الاحتكارات والشركات الأجنبية، إلا أن استثمارات الأخيرة في البلاد العربية ظلت شبه معدومة (لم تتجاوز بضع عشرات ملايين الدولارات)، بينما ارتفعت قيمة الديون العربية الخارجية بنسبة ضخمة في فترة قصيرة، فبلغت أكثر من تريليون دولار، في الوقت الذي تُقدّر فيه رؤوس الأموال العربية الخاصة الموظفة والمستثمرة في الخارج بأكثر من تريليوني دولار.
كما تعمّقت تبعية الأنظمة العربية الأمنية والمتمثلة في استيراد غالبية الأنظمة لأمنها من أميركا خصوصاً.
علاوة على ذلك، فإن الاستثمارات العربية المنتجة (في الأقطار العربية) ضئيلة جدًا، علمًا أن جميع البلاد العربية، كما يشير الاقتصادي العربي البارز سمير أمين، "تعاني مرضًا مزمنًا مشتركًا ألا وهو ضعف فاعلية استثماراتها".
ويتمثل هذا الضعف في ارتفاع ما يعرف بمعدل رأس المال الحدي الذي ضرب، منذ أواخر الثمانينيات، أرقامًا قياسية، ندر وجودها على المستوى العالمي، فوصل في المغرب العربي إلى 26 وفي المشرق 9، مقابل المعدل الأسيوي الذي تراوح، منذ نفس الفترة، بين 2 و4 (العلاقة بين معدل رأس المال الحدي وفاعلية الاستثمار عكسية).
وبالرغم من هذا الفارق الكبير بين المعدلات الحدية العربية والآسيوية، لصالح الأخيرة، فقد انهارت، في أواسط التسعينيات، الاقتصاديات الآسيوية، الأمر الذي يبرز البؤس الرهيب الذي يتخبط فيه الواقع التنموي - الاقتصادي العربي إجمالاً.
وللمقارنة فقط، فإن فاعلية الاستثمار العربي في الخمسينيات والستينيات، كانت أفضل مما هي عليه اليوم، إذ تراوح معدل رأس المال الحدي في حدود 8-8.4، بل إن معدلات النمو، في نفس الفترة، كانت أيضًا أعلى بكثير مما هي عليه الآن.
والنتيجة التي تبدو جلية، أن سياسات "السوق الحرة" و"الانفتاح" الاقتصادي على الغرب و"التصحيح الهيكلي" تميزت بتبذير أكبر في الموارد النادرة وغير المتجددة، وتعظيم أضخم للمديونية الخارجية وتعميق أشد للفجوات الاجتماعية-الاقتصادية، قياسًا بالمرحلة الوطنية في الخمسينيات والستينيات، أو قياسًا بالخيارات الأخرى. وعليه فقد ترسخت ثقافة السوق التي تطمس الاعتبارات الوطنية والإنسانية والبيئية والثقافية لدى استيراد أو إنتاج السلع، وتتمثل الاعتبارات الوحيدة لهذه الثقافة في السعر والربح والنوع والجودة.
ومع أن معظم الأقطار العربية ظلت مكتفية غذائيًا حتى بداية السبعينيات، وكان بعضها في الخمسينيات والستينيات يصدّر الحبوب والقمح مثل مصر والسودان، إلا أنها أصبحت حاليًا من أكبر مستوردي المنتجات الغذائية في "العالم الثالث"، علمًا أن الزراعة في العديد من الدول العربية تستوعب أكثر من نصف قوة العمل، وفي بعض الأحيان قد تصل النسبة إلى 70%، إلا أن مساهمة الزراعة في إجمالي الناتج المحلي العربي لا تزيد على 20% في أحسن الحالات، فضلاً عن وجود مساحات شاسعة من الأراضي العربية الصالحة للزراعة غير مستغلة (نحو 910 مليون دونم)، أي أكثر من 68% من إجمالي المساحات الصالحة للزراعة في الوطن العربي والتي تقدّر بنحو 1330 مليون دونم، وهذا يعني أن المساحات المزروعة تبلغ حوالي 420 مليون دونم (أقل من 32% من إجمالي المساحات الصالحة للزراعة).
كما تهاوى الوطن العربي، منذ أواخر الثمانينيات، إلى فجوة غذائية قدرّت بمئات مليارات الدولارات، هي عبارة عن الفارق بين إجمالي الاستيراد من الدول الأجنبية والصادرات العربية.
ويكمن السبب المباشر لأزمة الغذاء العربي في كون الزيادة بمعدل الطلب على المنتجات الزراعية أعلى من نسبة نمو الإنتاج الزراعي السنوي، بفارق نحو 4% سنويًا لصالح الزيادة بمعدل الطلب.
وفي المقابل، نجد كمًا هائلًا من الموارد البشرية المعطلة والمشلولة والمنسلخة عن بيئتها الوطنية، والمتمثلة بملايين الأيدي العاملة العربية العاطلة عن العمل والمهاجرة إلى خارج أوطانها، حيث تُقدّر نسبة البطالة العربية بأكثر من 25% من إجمالي القوى العاملة، أي أكثر من 40 مليون عاطل عن العمل، ومنهم نسبة مرتفعة من الشباب المتعلم.
وتشهد المنطقة العربية أعلى معدلات بطالة في العالم. وفي نفس الوقت يعج الوطن العربي (خاصة دول الخليج) بالعمال و"الخبراء" والفنيين الأجانب.
وإذا استمرت معدلات البطالة العربية بنفس الوتيرة الحالية فيتوقع أن يرتفع عدد العاطلين عن العمل، عام 2025، إلى أكثر من 50 مليونًا معظمهم من الشباب.
خلاصة واستنتاجات
أولًا: لا يجوز أن تبقى الدول النامية والفقيرة مشاهدًا صامتًا وعاجزًا. فقدرة الدول الصناعية الغنية على حماية زراعتها وعلى اتباع أساليب عدوانية، يجب ألا تجعل الدول الفقيرة تشعر بالخجل من ممارسة نفس السياسات واتباع نفس الأساليب.
ولا بد أن تتركز كل الجهود لإرغام الأغنياء على إلغاء الدعم الزراعي في دول "منظمة التعاون والتطور الاقتصادي" (OECD.
كما أن تسهيل الانتقال إلى أسواق عالمية "أكثر انفتاحًا" يجب أن يبدأ أولًا بعملية إعادة بناء جذرية للزراعة في دول شمال أميركا والاتحاد الأوروبي.
وما لم يحدث ذلك، فلا بديل للدول النامية سوى الموقف الجماعي الموحد، دفاعًا عن الزراعة التي تعد العمود الفقري لاقتصادياتها.
ويتلخص هذا الموقف في تعليق الاتفاقيات الزراعية مع الدول الغربية، حتى تلغي الأخيرة سياسات الدعم.
ثانيًا: إن أي اتفاقيات تعقد دون إلغاء سياسات الدعم في الدول الغربية، والقائمة على قاعدة تثبيت تحكم الإنتاج الزراعي الاحتكاري الغربي واستباحة الأسواق الزراعية في الدول النامية، يعني، في نهاية المطاف، تدمير الزراعة في الدول الأخيرة.
ومن المسائل التي يجب على دول "الجنوب" أن تفرضها على دول "الشمال"، عقد اتفاقية ملزمة ومتعددة الأطراف ضد المجاعة، تستند على المبدأ الإنساني الأساسي في الحق بالطعام، وتكون أساسًا لجميع المفاوضات المستقبلية.
ومثل هذه الاتفاقية متعددة الأطراف يمكنها أن تضمن حق الدول باتخاذ إجراءات وقائية كافية، في حال أن التزاماتها تجاه منظمة التجارة العالمية ستؤدي إلى مزيد من المجاعة والفقر.
ثالثًا: على المستوى العربي، فإن تجاوز المشهد الاقتصادي- التنموي القاتم أمر ممكن إذا انصبَّ التركيز على الإنتاج الزراعي بهدف تلبية الاحتياجات الغذائية الأساسية للشعوب العربية، وذلك عبر خطط زراعية عربية تكاملية تستغل المناخ المعتدل في العديد من الأقطار العربية والمساحات الشاسعة من الأراضي الصالحة للزراعة وغير المستغلة والمياه.
رابعًا: يتمثل البديل التنموي-الاقتصادي العربي في التطوير الفعلي للقدرات الاقتصادية والبيئية الذاتية، وبخاصة في مجال إنتاج الغذاء والحبوب لتحقيق الاعتماد على الذات غذائيًا، وبالتالي الاستقلال الاقتصادي الذي يشكل الشرط الأساسي والضروري للاستقلال السياسي الحقيقي.
كما أن تنفيذ اتفاقية "منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى" التي أُعلِن عنها في أوائل الألفية الثالثة، لا معنى لها إن لم تؤدِ إلى زيادة كبيرة في نسبة التجارة البينية العربية.
ويمكن أن يشكّل ذلك بداية جدية، وإن تكن متواضعة، نحو تحقيق السوق العربية المشتركة أو الاتحاد الاقتصادي العربي.
لذا، لابد من ربط التجارة بعملية التنمية، ورفع معدلات وفاعلية الاستثمار في الأقطار العربية، كي يصبح بالإمكان زيادة معدلات التنمية لامتصاص البطالة وخفض معدلاتها.
وهذا يتطلب شنّ حملات جماهيرية ضد الفساد، وممارسة ضغوط شعبية لتعميم الديمقراطية، ولإحداث تغيير نوعي في الإدارة والأداء الحكوميين، فضلًا عن تعميق الثقافة العربية الوحدوية.
خامسًا: هدف أي سياسة زراعية محلية ووطنية يجب أن يكون الاكتفاء الذاتي غذائيًا. بمعنى أن مزارعي الوطن يجب أن ينتجوا كل أو معظم الغذاء المستهلك محليًا. هذا الشرط تحديدًا، لا يشمله مفهوم "الأمن الغذائي" الذي طوّعته الدول والشركات الصناعية الغربية والمؤسسات المالية والاقتصادية الدولية لصالح المصالح التجارية الاحتكارية في أوروبا وأميركا الشمالية.
ممثلو احتكارات الغذاء الأميركية يعرفون "الأمن الغذائي" باعتباره القدرة على تلبية الاحتياجات الغذائية للبلد، بواسطة الإنتاج المحلي أو الاستيراد.
والأساس هنا، وفق المفهوم الإمبريالي، هو الاستيراد من خلال إغراق أسواق الشعوب الفقيرة بالسلع الغذائية الغربية المدعومة والرخيصة، وبالتالي القضاء على الإنتاج الغذائي الوطني، كما حدث في العديد من دول أسيا وإفريقيا وأميركا اللاتينية.
سادسًا: أنظمة الغذاء الوطنية يجب أن تنتج غذاءً صحيًا ذا جودة وينسجم مع التراث والثقافة المحليين، وذلك للسوق المحلي بالدرجة الأولى.
وهذا يعني تجنب الوجبات الاصطناعية السريعة والقوالب والمعايير العالمية الجاهزة للأغذية المصنعة، كما يعني أيضًا رفض التوجه الذي يرى الغذاء مجرد سلعة أخرى أو عنصراً من عناصر الصناعات الزراعية العالمية.
سابعًا: ضرورة حماية الإنتاج الغذائي المحلي، وإنتاج وتخزين احتياطي من الحبوب الإستراتيجية، وتشجيع القروض الزراعية الميسرة وأشكال دعم أخرى تحفز عملية استرداد القدرات الوطنية للبلد على إنتاج الغذاء.