
حبيب معلوف
بناءً على أي مبادئ ومعايير يجب أن يستند لبنان كي تكون له إستراتيجيته حول الطاقة المستدامة؟
هذا أهم سؤال انطلقت منه ورشة العمل التي عُقدت في وزارة البيئة في مايو/ أيار الماضي بالتنسيق والتعاون بين وزارتَي البيئة والطاقة بمشاركة الوزيرين ناصر ياسين ووليد فياض ومجموعة كبيرة من الخبراء المحليين والدوليين حول الطاقة.
في لبنان الكثير من الخطط للكهرباء، وليست هناك إستراتيجية للطاقة المستدامة بعد.
كان على هذه الإستراتيجية أن تحدّد المعطيات الطبيعية النظيفة أولاً، أي ما تستطيع الطبيعة اللبنانية أن تؤمّنه من طاقة نظيفة ومتجدّدة بالمقارنة مع استيراد أو استخراج الطاقة الأحفورية، وأن تكون هناك أفضليات وأولويات ومبادئ على أساسها تُقيَّم التقنيات والخيارات.
أهم هذه المبادئ وفي طليعتها مبدأ الاستدامة البيئية. وهذا لا يعني البحث عن طاقة مستدامة فقط، بل عن كونها بيئية أيضاً، أي أن لا تكون المصادر ناضبة مثل الوقود الأحفوري وأن تكون نظيفة وآمنة.
وهذه المواصفات لا تنطبق إلا على الطاقات المتجددة المتوفرة في لبنان، والتي كان يفترض أن تُمنح الأولوية في الاستثمار والتنظيم والتشريع وتوطين تقنياتها.
كما أن وضع السياسات والقوانين لتساهم في إنتاج تكنولوجيا وطنية، بدلاً من الاعتماد على الاستيراد، ليس أمراً تفصيلياً ولا مستحيلاً.
هذا الموضوع مرتبط أيضاً بالمفاوضات السنوية الدولية حول تغيّر المناخ التي يشارك فيها لبنان (ممثَّلاً بوزارة البيئة ومشاريع تغيّر المناخ فيها) والتي يُفترض أن تنسجم مواقفه فيها مع هذه الإستراتيجية.
بمعنى أن يتشدّد في المطالبة مع الدول المصنّفة "نامية" مثله بضرورة نقل التكنولوجيا مجاناً من الدول المتقدمة صناعياً في التكنولوجيا الخضراء إلى الدول النامية تعويضاً عن ما سبّبته سياساتها وثورتها الصناعية من انبعاثات غيّرت المناخ العالمي.
فلماذا ذهبت وزارة الطاقة تاريخياً في الاتجاه الآخر، إن لناحية الاعتماد كلياً على الطاقات الأحفورية، أو لناحية إنشاء المعامل الحرارية أو لناحية استيراد المحروقات أو الاستجرار من الخارج أو التنقيب عن النفط والغاز؟
ولماذا غلبت ولا تزال خطط الطوارئ على تلك الإستراتيجية كمثل اللجوء إلى البواخر؟
لماذا تأخّرنا لإقرار القوانين المتصلة بإنتاج الطاقة المتجدّدة وحفظها وترشيد استهلاكها بالرغم من تأكيد الدراسات بأن إمكانات الطاقة المتجدّدة بجميع أشكالها (من ماء وشمس وهواء) متوفرة في لبنان ويمكن أن تشكّل البديل الآمن والاقتصادي عن كل خطط الطوارئ؟
وبالرغم من التأكيدات أن اتبّاع سياسات توفيرية ومشاريع لكفاءة الطاقة في كل القطاعات، يمكن أن يوفر إنشاء معمل حراري، فلو تمت الاستجابة للدعوات القوية التي أُطلقت منذ ربع قرن تقريباً لوضع إستراتيجية للطاقة المستدامة من ضمن إستراتيجية التنمية المستدامة وسياسات مختلفة للطاقة، لمَا كنا أمام هذه الأزمة الحادة في الطاقة التي نعيشها اليوم، مع العلم أن مشروع قانون حفظ الطاقة الذي أُقرّ في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة كانت مسوّدته قد أُنجزت عام 2011.
من هنا كانت أهمية الحوار والشراكة التي تحصل الآن بين وزارتيّ الطاقة والبيئة لتبيان مدى الاستدامة في الخطط والخيارات، ولا سيما بعدما أصبحت قضية تغيّر المناخ عنصراً حاسماً في تحديد اتجاهات الطاقة عالمياً.
كان على لبنان أيضاً أن يأخذ في الحسبان وضعه الاقتصادي والاجتماعي لتحديد إستراتيجية الطاقة، إضافة إلى طبيعة نظام الحكم ومستوى الفساد ووضعية وضعف الدولة عامة بالمقارنة مع قوة الشركات المستثمرة في القطاع، ثم الصراعات السياسية العالمية للوصول إلى الطاقة التقليدية أو لنقلها والتطورات التكنولوجية العالمية المرافقة والاتجاهات العالمية المستجدة والحروب، وكذلك مصير المفاوضات الدولية المتصلة بتغير المناخ والتي ستحتّم، عاجلاً أم آجلاً، نوعية سياسات الطاقة المستقبلية، كون هذه الأخيرة هي المتهم الرئيس بأكبر كارثة عالمية عرفتها البشرية حتى الآن.
أما أهم ما تقدّمه الطاقة المتجدّدة وسياسات تشجيع الإنتاج والتوفير والحفظ والكفاءة على المستوى السياسي، فهي أنها تساهم في إعطاء جرعة كبيرة من الاستقلالية السياسية والحدّ من الاحتكار والاستغلال الاقتصادي والسياسي. وذلك يعود إلى طبيعة الطاقة المتجددة اللامركزية التي تحرّر البلاد من قبضة الشركات الكبرى ومشاريعها المركزية الكبيرة كإنشاء محطات حرارية كبيرة أو الاستيراد والتخزين.
ولعل هذا هو السبب الجوهري والأساسي الذي أخَّر هذا التوجه منذ ربع قرن تقريباً، نظراً إلى سيطرة سماسرة الطاقة التقليدية والمركزية والاتجاه لإنشاء المعامل الحرارية أو استيراد الوقود الأحفوري والبواخر على القرار في وزارة الطاقة.
على ضوء كل ذلك، يُفترض تحديد المبادئ لهذه الإستراتيجية وفي طليعتها مبدأ الاستدامة الذي على أساسه يُوازَن بين متطلبات أمن الطاقة وكلفتها ومدى الاستدامة البيئية لكل خيار.
إضافة إلى نقطة محورية أساسية في هذه الإستراتيجية تشجّع على ضبط الطلب وترشيد الاستهلاك واحترام مبادئ الحفظ والتوفير.
فأي تفكير في "مزيج طاقوي" لا يأخذ في الحسبان كل ما ذكرنا، إضافة إلى ضبط الاستهلاك وتخفيض المخاطر، لن يكون مجدياً على المدى البعيد.
وإذ بينت دراسة "المركز اللبناني لحفظ الطاقة" أن أكبر قطاع مستهلك للطاقة هو قطاع المباني على أنواعها، لذلك كان مهماً (إستراتيجياً) تعديل قانون البناء ليصبح أكثر اخضراراً (إضافة إلى تأهيل المباني القديمة)، لاستخدام هذا التوجه ضرائبياً لتحصيل مداخيل لخزينة الدولة، على طريقة "طابق المر" السيئة الذكر.
من أهم التوصيات التي خرجت بها الورشة ضرورة احترام القوانين ولا سيما القانون الناظم 462 الصادر منذ عام 2002 وتعيين الهيئة الناظمة لهذا القطاع (5 أعضاء وليس 6) وتحريرها من القيد الطائفي.
وكذلك إعادة الاعتبار للطاقة الكهرمائية وتطويرها، ودعوة الدولة إلى تسهيل تأمين الأراضي من مشاعات وأملاك دولة ومصرف لبنان للإنتاج من الطاقات المتجددة.
تُعد قضية ضرورة تأمين الأراضي لمشاريع الطاقة المتجدّدة مسألة مركزية، لا تقل أهمية عن إيجاد التمويل اللازم، ولا سيما الإنتاج من الطاقة الشمسية المتوفرة في لبنان كما ذكرنا.
من هنا أهمية تدخّل الدولة لإيجاد الحلول في أملاكها. وهناك دراسات عدة تتحدث عن الدمج بين قطاع المقالع الذي يفترض أن تحتكره الدولة في أملاكها وتخصيص قسم من هذه الأراضي لإنتاج الطاقة المتجددة تماماً، ثم تعزيز وتطوير مشاريع إنتاج الطاقة الكهرمائية بكل أشكالها باستثناء السدود.
زد على ذلك التشدد في مراقبة نوعية هذه التكنولوجيا الجديدة وتنظيم لا مركزيتها ووصلها بالشبكات، وحسن إدارتها بعد انتهاء صلاحيتها وتحوّلها إلى نفايات، مع أفضلية أن يُطبّق عليها نظام الاسترداد لتعود إلى المصنّع المنتج.
أهم ما يمكن طرحه بعد حالة الانهيار الشاملة في لبنان، هو ضرورة الخروج من "وعد" تأمين الكهرباء 24/24. هذا الوعد الشبيه بالوعود الانتخابية الكاذبة، كان مكلفاً جداً ومضلّلاً جداً، طالما أنه لم يأت من ضمن إستراتيجية تؤكد أهمية الاستدامة في الإنتاج والتوفير في الاستهلاك. ولذا يجب إدراج ذلك في السياسات والأولويات التي يُفترض أن تُعتمد بعد الانهيار الذي حصل، إذا أردنا الخروج من أزماتنا بسرعة معقولة.