خاص بآفاق البيئة والتنمية
عملها لأكثر من ثلاثين عاماً كمهندسة في بلديتي نابلس ورام الله، مكنها من تلّمس المشاكل الحقيقية التي تعاني منها بيئتنا الفلسطينية، هي قادمة بتفويض من الرئيس في مهمة وطنية، رغبتها بالتغيير تبدو جلية من خلال الحديث معها، متفائلة بما تم تحقيقه حتى الآن على الصعيد البيئي مقارنة بالسنوات القصيرة لعمر السلطة الفلسطينية، تكرر عبارة "انظروا الى الكأس المليان، معترفةً في ذات الوقت بمشاكل تنسيق بين ادارات سلطة البيئة من جهة وبين الوزارات الأخرى من جهة ثانية.
· سلطة البيئة بعد 15 عاماً ما زال دورها باهتاً، ما السبب وما العمل لقلب اداء عمل الوزارة نحو الأفضل؟
يجب علينا ان نوضح للمواطن وظيفة سلطة جودة البيئة فدورها ليس تنفيذياً بالدرجة الأولى، نحن جهاز تشريعي لرسم سياسات بيئية نتقاطع في مهامنا مع جميع الوزارات على اختلافها، كما نتعاون مع منظمات دولية ومؤسسات أهلية. دورنا توعوي ورقابي، تتألف سلطتنا من أربع إدارات: سياسات وتخطيط، توعية بيئية، حماية الطبيعة، (الرقابة والتفتيش) وأخيراً التوجيه... واعترف انه لا يوجد لدينا نظام تشابك سليم بين عمل الادارات الأربع ما يبدد النتائج، وأنا حاليا بصدد دراسة دور الادارات لتفعيل عملها حتى أقصى درجة، وتحديداً ادارتي حماية الطبيعة والتوعية لأن تفعيلهما الحقيقي سيصنع تغييرا كبيراً على الصعيد البيئي في الوطن.
ربما يعود البهوت في دور سلطتنا وقضايا البيئة عموماً في أن مجتمعنا يقبع تحت الاحتلال وتباعا تحتل قضايا أساسية أخرى الأولوية، مع العلم أن البيئة حاضرة في حركات المقاومة الشعبية منذ سنوات طويلة، فهل ننسى حملات النظافة التطوعية وغرس اشجار الزيتون، وتنظيف المعالم الاثرية والطرقات، ولكن "مفردة" البيئة حديثة بعض الشيء وتعود للنهضة البيئية العالمية التي ارتبطت مع مشاكل التغير المناخي.
تكمل السيدة عدالة: هناك اساس بيئي موجود لدينا لكن ينقصنا التشديد على دورنا الرقابي عبر تكثيف مفتشينا في المحافظات وتطبيق نظام "الشرطة البيئية" مع العلم اننا نملك في سلطة البيئة دور الضابطة العدلية ولكن نفتقر في محاكمنا الى قضاء متخصص في مجال البيئة. بشكل عام الامور لم تنضج بعد.
كما ينقصنا التركيز على التوعية عبر الاعلام، اعترف أن اعلامنا الحكومي مقصر في القضايا البيئية وسأتابع الموضوع، وأؤكد لأبناء شعبي أني سأعمل على تحسين وضع سلطة البيئة والنهوض بها، ولكني اريد ذلك بناءً على دراسة مستفيضة مبنية على اسس متينة حول دراسة سبب التأخر في أداء الإدارات داخل سلطة البيئة، أعمل حالياً على توزيع استمارات تقييم الانجازات خلال العامين الماضيين لمعرفة مكامن الخلل والعمل على إصلاحها، وأعترف في المؤسسة هناك من تفاعل مع الاستمارة بينما لم يولِ آخرون للموضوع أهمية.
· ما الحل للنهوض بدور سلطة جودة البيئة إذن؟
لكي أنهض بالوضع البيئي فعلي أن انهض من داخل البيت الفلسطيني للبيئة أي سلطة جودة البيئة، دراسة "القرارات والمهام والاستراتيجيات" لمؤسستنا. دائماً ما اجتمع بالموظفين وأخاطبهم: أنتم في مهمة وطنية بالدرجة الأولى، عملكم في سلطة البيئة ليس كموظفين تقليديين بل كل موظف تُلقى على عاتقه مهمات عظيمة، وكما قال لي الرئيس ابو مازن حين أوكلني رئاسة سلطة البيئة: "انت في مهمة"... أقول للموظفين بدوري: "انتم ايضا مثلي في مهمة تجاه البيئة"... علينا جميعاً ترتيب بيتنا الداخلي فنحن فريق نعمل سوياً ولسنا أفراداً كلٌ يعمل بشكل مستقل.
· ما العائق امام انشاء شرطة بيئية تجعل وطننا اجمل وتحد من الممارسات الضارة بالبيئة؟
البيئة ثقافة، ولا يمكن ان تصبح هذه الثقافة جزءاً من حياتنا إلا من خلال التعبئة، ولكن مسألة القيام بحملات توعوية متأرجحة بين صاحب القرار اذا توفرت لديه برامج وخطط فعّالة، وبين المواطن ومدى تجاوبه مع الحملات، انا ضد لوم الاحتلال في مسألة النظافة لأنها سلوك وثقافة فينا، ولكن لو تأملنا الواقع لوجدنا أن قضايا ومفاهيم البيئة الحديثة وصلت الى اكثر القرى والمناطق تهميشاً من خلال جهود المؤسسات الرسمية والأهلية، فلم يعد أحدٌ بمنأى عن المفاهيم البيئية. وبعمرنا الزمني القصير فأؤكد أننا قطعنا شوطاً كبيراً، فهناك قرية من قرى رام الله اصبحت تطبق نظام الفصل والأمر آخذ بالانتشار. نحن نسير في طريق سليم فقريباً سنفتتح مكب الخليل النموذجي بعد زهرة الفنجان ومكب آخر في غزة ولاحقاً مكب نموذجي رابع في رام الله.
وبالنسبة للشرطة البيئية فالضبط القضائي بدأنا فيه ضمن مشروع بتمويل سويدي وخبراء من الأردن يهدف الى تدريب كوادر شرطة بالتنسيق مع النيابة العامة... ملف الشرطة البيئية من أهم أولوياتي، وقد التقيت في أول فترة ترأسي حديثة العهد رئيس القضاة السيد فريد جلاد لفرز قضاة متخصصين فقط بقضايا البيئة. نحن نسير قدماً ويجب أن نتفاءل بما حققناه حتى الآن ونتوقف عن جلد ذاتنا ورؤية كل ما هو سلبي، وأعدكم أن ملف شرطة البيئة سيتحقق خلال عام 2014.
· اصبحنا الآن عضواً مؤقتاً بصفة مراقب في الامم المتحدة ما الاجراءات المفترض ان تتخذها سلطة البيئة ضد الاحتلال لانتهاكاته البيئية العديدة؟
الاحتلال ينتهك الارض الفلسطينية منذ عام 67، ولكي نصبح عضوا دائما فعلينا الحصول على عضوية عدة منظمات دولية، والسلطة تسعى جاهدة لقبول عضويتها في تلك المنظمات متجهةً صوب الاعتراف العالمي، أما حالياً ولأننا لسنا عضواً فنحن ندين اسرائيل تحت مظلة جامعة الدول العربية، وتجمع وزراء العرب. لقد تقدمت سلطة البيئة بإرسال بعثة من الخبراء لفحص اسلحة الدمار المستخدمة ضد أهلنا في قطاع غزة، لقد وضعنا نفسنا على الخارطة مع عدم توقعنا الدعم، كما طلبنا بعثة من المختصين لفحص التلوث الناجم عن مصانع جيشوري في طولكرم، ونعمل على إعداد ملف كامل لتوثيق انتهاكات الجدار سيرسل للمنظمات الدولية. وأعيد وأشدد يجب التعاون مع كل الوزارات لأن المعلومات من مصدر واحد قيمتها وقوتها لا تضاهي المعلومات الموثقة ومتعددة الجوانب من وزارات عدة.
· حول الكسارات ومناشير الحجر وما تسببه تلك المنشآت وخاصةً في جماعين وبني نعيم وبيت فجار من تلوث مخيف..هل ستصنعون شيئا بهذا الصدد؟
بعد احتلال عام 67، نفذت مخططات اسرائيلية عديدة من استيطان وشق طرق لمنع توسع القرى والمدن، وقد تم الموافقة على عشرات المنشآت في مناطق بلديات وفق سياسة واضحة، ولكن بعد مجيء السلطة الفلسطينية اصبح العمل وفق مخططات هيكلية تسعى الى تنظيم المناطق الصناعية وإجبار المنشآت قرب البيوت على الانتقال الى المناطق الصناعية خلال مدة لا تزيد عن العشر سنوات، ولكن السؤال: هل تنضبط البلديات في قضية استعمال الاراضي وتفرض على المخالف غرامة. سلطة جودة البيئة دورها رقابي بالشراكة مع الوزارات ذات الصلة لما يخدم الجانب البيئي. نحن نعطي التوصية للبلديات وعملية متابعة تنظيم المناطق من مسؤوليتها. ولكن لكي نمارس دورا رقابيا بارزا، فوزارة البيئة لا تعمل لوحدها بل بالشراكة مع وزارة الصناعة والاقتصاد والحكم المحلي والصحة، وبالتنسيق مع لجان السلامة العامة في المحافظات
ومع ذلك، فنحن لا نعيش بـ هنولولو، فصاحب منشأة كلفته اقامتها مليون دولار لا نستطيع أذيته هكذا، ولكن علينا أن نهيئ له فترة جيدة من الوقت ليرتب اموره وينقل مصنعه ومعداته الى منطقة صناعية ترضيه من حيث المساحة. ومع ذلك فمن واجبي كسلطة بيئة ان انزل بشكل دوري وأفحص التلوث الناجم عن تلك المنشآت، ولكن كادرنا محدود جداً ( 70 موظف تفتيش في كل المحافظات)، ولذلك اسعى خلال فترة رئاستي للسلطة إلى زيادة مفتشينا، كما سنفتتح قريبا مديرية لنا في اريحا والأغوار لنتابع الانتهاكات البيئة هناك..( تطرقت مجلة آفاق مع السيدة عدالة لموضوع ري الأراضي الزراعية بمياه الصرف الصحي في النصارية والعقربانية- الأغوار الوسطى، والتي ناقشتها المجلة عدة مرات من خلال منبرها وأثارتها ايضا عبر الاعلام المحلي، وأكدت السيدة عدالة أنها ستتابع الموضوع).
· حول فوضى وكثافة أبراج الخلوي والتلوث الإشعاعي الناتج عنها؟ لم يتم القيام بأي تحرك جدي لتنظيم الوضع والحد من التلوث...رغم بعض المعطيات والمؤشرات والشكوك الأولية حول انتشار أمراض سرطانية في محيط بعض الأبراج في بعض القرى والمدن؟
لدينا اجهزة لكشف درجة الاشعاع وسيارة بمعدات متخصصة ثمنها ربع مليون دولار، وكما يبدو من الوثائق التي أقرأها يومياً فموظفونا يعملون ويقيسون درجات الاشعاع ضمن الامكانيات المتاحة. بالنسبة للسرطان فله مليون سبب، انا اتفهم ان موضوع الابراج حديث العهد والناس تتعامل مع الابراج بتخوف، ولكن حتى الآن لم يثبت شيء يربط بين تلك الابراج والسرطان، وأنا اؤكد لكم أنه اذا ثبت ان هناك خطورة فسنتعامل مع الموضوع بطريقة مختلفة.
تسأل مجلة آفاق تعقيباً على كلام السيدة عدالة: لو كان البرج ملاصقاً لبيتك هل تشعرين بالراحة؟
طالما انا اعرف انه لا ضرر مثبت فلماذا الخوف! مع الاشارة الى ان تنصيب الابراج يخضع لقياسات وشروط معينة توافق السلامة العامة، نحن دورنا رقابي وأي برج مخالف للشروط تتم ازالته وقد حدث ذلك مع العديد من الابراج.
· هل من توجه لتشجيع إقامة مشاريع بيئية استراتيجية (مثل فصل النفايات من المصدر في المنازل والمنشآت، وإقامة مواقع لتدوير نفايات البلديات، وبالتالي التقليل من التلوث ومساحات الأراضي اللازمة لدفن النفايات...إلخ)؟
هناك حديث عن الموضوع بلا شك، انا كسلطة بيئة وظيفتي أن أوجه واضع سياسات وخطط والبلديات تنفذ، ولأطبق نظام الفصل فعلي ان اوعي الناس بأهمية الفصل واضع لهم حاويات متخصصة، وبلا شك فهناك وعي كبير في الموضوع ومتابعة من مؤسسات المجتمع المدني بالتعاون مع سلطة البيئة ووزارة التربية والتعليم. أرى أننا متقدمين في هذا المجال حيث لدينا فصل في ادارة النفايات الطبية والصناعية والصلبة في المدن، وأنا افتخر بمكب الخليل المزمع افتتاحه قريباً والذي سيضاهي من حيث (الجمع والفصل والنقل) مكبات العالم. كما لا يمكننا إغفال دور جامعي الخردة في عملية التدوير. تذكر آفاق للسيدة عدالة قضية قرية اذنا جنوب الخليل، والتلوث المخيف جراء حرق الخردة، تشير رئيسة سلطة البيئة بأن هناك ملاحقات وتم تغريم المخالفين بغرامات جيدة.
· لماذا يتم تقزيم دور سلطة البيئة وتهميشها من ناحية الموازنات والمشاريع الاستثمارية والتنموية-البيئية، بالمقارنة مع سائر الوزارات والأجهزة؟
لأن دورنا ليس تنفيذيا فأنا لا امول مشاريع، أنا اخطط وأوجه وأمارس الرقابة.
· لكل من اسمه نصيب، ما العدالة التي جاءت بها الوزيرة لتحققها على الصعيد البيئي؟
تجيب وهي تبتسم: مواردنا تحت سيطرة الاحتلال، وحلمنا هو زوال الاحتلال وتحقيق المشروع الوطني بدولة فلسطينية عاصمتها القدس، العدالة التي اعمل عليها حالياً: تفعيل وتكثيف الكوادر في مكاتبنا الفرعية، توثيق الانتهاكات الاسرائيلية وإيصالها للمحاكم الدولية، افتتاح مكتب لسلطة جودة البيئة في أريحا، والأهم الحفاظ على مواردنا وبيئتنا التي لوثها الاحتلال وتحقيق حلمنا بدولتنا المستقلة.
· كلمة أخيرة في ختام هذا اللقاء؟
الوعي والتكافل بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني بالتنسيق مع التربية والتعليم أمر ضروري للنهوض بالوعي البيئي لكنه لا يقاس بزمن معين أو مدة معينة. وعلينا ان لا نجلد انفسنا فرغم كل المعيقات هناك ارادة فلسطينية كالصخر ونسبة تعليم وثقافة يشاد بها، ومقارنةً مع دول كثيرة فأجزم أننا قطعنا شوطاً كبيراً.
من مكتب رئيسة سلطة البيئة، أيار، 2014