مرج صانور.. صيدٌ جائرٌ يمر بصمت
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يقع مرج صانور 27 كم جنوب جنين، وهو محاط بكتل جبلية وأرض منخفضة لا تستوعب امتصاص كميات كبيرة من الماء، ما يؤدي إلى تشكل بحيرة صغيرة فيه خلال مواسم الشتاء الوفيرة، تمتد أحيانًا حتى الصيف، وتتحول إلى منطقة جاذبة للطيور، لكنها صارت وجهة للصيد الجائر والاعتداء على الحياة البرية. يأتي الصيادون من مناطق مختلفة، ويستخدمون الأسلحة النارية للإيقاع بالطيور، وبخاصة البط البري، والحمام البري، والزرعي. وأدى سوء استخدام المصادر الطبيعية إلى انقراض أنواع متعددة من الطيور ومنها النعامة وبومة السمك البنية. ويتوقع الباحثون انقراض أنواع أخرى من الطيور في القرن المقبل، نتيجة للصيد الجائر وتدمير موائل الطيور في فلسطين، مما يدق "جرس الإنذار" لمراجعة سلوكنا ووقف ممارساتنا الجائرة بحق الطيور وبذل الجهد لحماية موائلها.
|
 |
| مرج صانور |
يُحاط مرج صانور، 27 كم جنوب جنين، بكتل جبلية، وأرض منخفضة ذات تربة كارستية، لا تستوعب امتصاص كميات كبيرة من الماء، ما يؤدي إلى تشكل بحيرة صغيرة فيه خلال مواسم الشتاء الوفيرة، تمتد أحيانًا حتى الصيف، وتتحول إلى منطقة جاذبة للطيور، لكنها صارت وجهة للصيد الجائر والاعتداء على الحياة البرية.
بدأ ابن القرية سعيد أبو ليمون، المختص في الحاسوب، شغفه بتصوير الطيور وحماية الطبيعة منذ سنوات، وفي تلك الفترة أخذ يراقب بقلقٍ الاعتداء على طيور مرج صانور، وهي ممارسات بدأت منذ تفشي جائحة كورونا.
ويقول إن الصيادين يأتون من مناطق مختلفة، ويستخدمون الأسلحة النارية للإيقاع بالطيور، وبخاصة البط البري، والحمام البري، والزرعي.
تلك الظاهرة تشتد في الصيف، كما يقول، لكنها في الشتاء والربيع تستمر بوتيرة أقل، فيما ينشط الصيادون على أطراف المرج، بعد غمره بمياه الأمطار، وبخاصة في أوقات الصباح الباكر.
ويلّخص أبو ليمون تداعيات الصيد الجائر في عدة نقاط تتمثل في الاعتداء على الحياة البرية، وإبعاد الطيور عن موائلها في المنطقة، وقتل أعداد منها، والأخطر تشجيع المارين من المنطقة على محاكاة محاولة الإيقاع بالطيور، واعتباره أمرًا عاديًا.
وسبق له أن شاهد الصيادين من بعيد مرتين، مؤكداً أن المرج "موئل لعديد من الأنواع كدجاجة الماء، والبط بأنواعه، والغرة الأوراسية، والحمام البري، والحجل الأسود، واللقلق الأبيض والأسود.
ووفق إفادات أهالي القرية، فإن مجموعات الصيادين تأتي من خارج المنطقة، وهويتهم غير معروفة، فيما لم تتابع الظاهرة عن كثب أي جهة مختصة، ولم يُقدم الأهالي أي شكوى.
ويعتقد أبو ليمون أن متابعة الصيد الجائر لا تحتاج إلى أي شكوى، وإنما ينبغي على سلطة جودة البيئة الرقابة والجولات التفقدية لحماية التنوع الحيوي، وملاحقة المعتدين على الحياة البرية.

ابن قرية صانور سعيد ابو ليمون
لا شكاوى بحق الصيادين
بدوره، يُعقّب مدير سلطة جودة البيئة في جنين، عبد المنعم شهاب، أن السلطة لم تتلق أي شكوى حول وجود صيد جائر في المرج، وإذا ما حدث ذلك يُحال الأمر إلى الشرطة، التي تتولى إحضار المعتدين والتحقيق معهم، ومصادرة المضبوطات، وإعادة إطلاقها إلى الطبيعة، بحيث يجري تنبيههم إلى ضرورة عدم تكرار الاعتداء، وإذا ما وقع تجاوز مجدداً يجري تطبيق القانون عليهم.
والمعضلة وفق شهاب، "عدم قدرة موظفي البيئة على متابعة الصيد الجائر وغيره من الاعتداءات كحرق الإطارات للحصول على الحديد؛ لنقص المفتشين وضعف الإمكانات"، كما يصعب الإمساك بالصيادين، ويتطلب الأمر تحريك شكوى ضدهم من أي فرد أو جهة رسمية.

مرج صانور في الشتاء
عقوبات رخوة
وتحظر المادة (14) من قانون البيئة رقم (7) لسنة 1999 "صيد أو قتل أو إمساك الطيور والحيوانات البرية والبحرية والأسماك"، كما تمنع "حيازة الطيور والحيوانات أو نقلها أو التجوال بها أو بيعها أو عرضها للبيع حية أو ميتة.
كما يحظر إتلاف أوكارها أو إعدام بيضها".
لكن المادة (71) من القانون نفسه تبين أن المخالفين يُعاقبون بـغرامة "لا تقل عن عشرين ديناراً أردنياً، ولا تزيد على مائتي دينار أو ما يعادلها، والحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أيام ولا تزيد على أسبوعين، أو بإحدى هاتين العقوبتين".
وينفي سكرتير مجلس صانور القروي، بسام أبو ليمون، علم المجلس بوجود صيد جائر في المرج، مضيفاً أنه يُلاحظ تردد مصورين وهواة للتصوير، إضافة إلى متنزهين تستهويهم مشاهدة المكان بعد تحوله إلى "بحيرة مصغرة" في مواسم الشتاء.
ويؤكد أن المجلس لم يتلَّق أي شكاوى من مواطنين أو مزارعين بشأن وجود صيادين في المرج الذي بات عرضةً للغرق في العشرين سنة الأخيرة نحو 17 مرة، وفي ثلاثة منها لم يتمكن المزارعون من زراعته صيفًا.
وذكر أن مجموعة الهيدرولوجيين الفلسطينيين استحدثت في المرج الممتد على 18 ألف دونم، ست حفر استطاعت خفض منسوب المياه، إضافة إلى نحو 20 بركة داخله، وهي التي تجذب الطيور صيفًا.

المهندس الشغوف بتوثيق الطيور والحياة البرية عماد دواس
في "مسرح" الاعتداءات
يتجول المهندس الشغوف بتوثيق الطيور والحياة البرية، عماد دواس كثيرًا في مرج صانور، ويشاهد آثار أقدام الصيادين وبقايا طلقات نارية فارغة، كما يسمع في أثناء وجوده لرصد المنطقة أصوات الرصاص، وفق تأكيده.
ومن ملاحظات دواس، فإن الصيادين يطلقون النار على البط البري، الذي يقع داخل برك المياه العميقة، ولا يُمسك بها، وهذا يدفع للتساؤل عن سبب صيدها.
ويصف ما يجري في مرج صانور بـ"أعمال صبيانية" تستهدف الحياة البرية، وخاصة طائر "الحذف الشتوي" الذي كان العام الماضي بأعداد كبيرة، ومجرفي المنقار، والبط الخضيري، والحجل الأسود.
ويرى أن المطلوب لحماية الطيور والحياة البرية تطوير القانون وتفعيله، ومضاعفة "العقوبات المخففة"، المنصوص عليها في القانون الحالي ضد الصيد الجائر، وأي شكل من أشكال الاعتداءات.

المستشار القانوني لـسلطة جودة البيئة مراد المدني
مسودة جديدة لحماية الطبيعة
بدوره يقول المستشار القانوني لـ "جودة البيئة" مراد المدني إن السلطة تُعد العدة لإصدار قانون جديد لحماية الطبيعة، ينظم قضايا الصيد والمحميات الطبيعية والتنوع الحيوي، بعقوبات جديدة مشددة، وغالبًا "ستنتقل من دائرة المخالفة لتصبح جُنحة".
ويتوقع خروج المسودة الأولى للقانون الشهر القادم، واصفاً العقوبات المالية الراهنة للصيد بـ"غير الرادعة"، في حين أن عقوبة مثل مصادرة أدوات الصيد والحبس حريٌ أن يُنظر فيها.
ويوضح المدني، بأن قانون البيئة لا ينتظر أي جهة للإبلاغ عن صيد جائر للتحرك، وبمجرد المعرفة بالاعتداءات واكتشاف أمرها تبدأ السلطة في اتخاذ إجراءاتها، مشيراً إلى أن وجود الشكاوى هو نوع من التعاون المجتمعي مع "جودة البيئة"، ويمكن لشرطة البيئة والضابطة الجمركية المساعدة في ضبط الاعتداءات.
ولا تنفك "جودة البيئة" عن التحذير من الاعتداء على التنوع الحيوي، والتنويه إلى خطورة التعرض بالأذى للحياة البرية، لكن المشكلة على ما يبدو في تراجع الاهتمام المجتمعي بالبيئة، وعدم تصنيفها أولوية.

مرج صانور في الربيع
خطر الانقراض
ويؤكد مركز التعليم البيئي المنبثق عن الكنيسة الإنجيلية اللوثرية في الأردن والأراضي المقدسة أن سماء فلسطين واحدة من أهم مسارات الهجرة "التي يمر فيها 500 مليون طائر سنويًا، عبر عنق الزجاجة بين الصحراء والبحر.
كما يُعد غور الأردن المتفرع من وادي الشق الكبير (مسار الطيران فوق البحر الأحمر) ثاني أهم مسار لهجرة الطيور المُحلّقة في العالم، وهو أيضًا أهم المسارات في نظام هجرة الطيور بين أفريقيا وأوروبا.
ويُبدي المركز استياءه من سوء استخدام المصادر الطبيعية ما يشكل خطورة على النباتات والحيوانات والطيور، وهذا ما تبيّن جراء انقراض أنواع متعددة من الطيور، ومنها النعامة، وبومة السمك البنية، كما أننا لم نعد نرى العديد من الطيور التي كانت موجودة في القرن الماضي.
وتوقّع "التعليم البيئي" في ورقة حقائق نشرها سابقًا، ومتاحة عبر صفحته الافتراضية، انقراض أنواع أخرى من الطيور في القرن المقبل، نتيجة للصيد الجائر وتدمير موائل الطيور في فلسطين، ما يدق "جرس إنذار" لمراجعة سلوكنا ووقف ممارساتنا الجائرة بحق الطيور وحماية موائلها.
ويكرر دعواته إلى "حماية الأنواع المصنفة دوليًا بالمهددة بالانقراض، وتجنب اصطياد الطيور في أثناء تعشيشها، ومنع تدمير الأعشاش، أو أخذ البيض أو صغار الطيور، ومنع الاتجار بالطيور البرية، وتأسيس بنك معلومات وطني لجمع البيانات حول الطيور، وأنماط هجرتها، وموائلها، ومناطق تناسلها".