 |
| أشجار معمرة في أحراج أم صفا |
خاص بآفاق البيئة والتنمية
على مساحة تمتد لما يقارب الـ 800 كيلومترمربع أقيمت أحراش أم صفا على أراضي مشتركة بين القرى الثلاث المحيطة ( أم صفا، دير نظام، النبي صالح ) والتي تقع شمال غرب رام الله. وعلى بعد أمتار قليلة أقيمت منذ عدة سنوات مستوطنة صغيرة تسمى "إليشع" لا يتجاوز عدد بيوتها المتنقلة أصابع اليد، يفصلها عن الأحراش فقط الشارع، وإلى جهة الغرب تقع مستوطنة "حلميش" التي يسكنها عدد كبير من المستوطنين المتدينين والعدائيين.
أقيمت أحراش أم صفا على أرضي كانت تزرع بالتين والزيتون والعنب قبل الاحتلال البريطاني لفلسطين، ومع الاحتلال العسكري لفلسطين عام 1917 أصبحت كل أراضيها خاضعة لأوامر الحاكم العسكري، الذي أمر باقتلاع الأشجار الموجودة وزراعة أشجار السرو والصنوبر والبلوط، حيث أجبر بعض سكان القرى المجاورة على زراعة الأشجار مقابل أجور زهيدة.
يقول الحاج نصر عمر طناطرة من قرية أم صفا وهو من مواليد عام 1938: "جدي رشيد طناطرة وأعمامي أجبروا على زراعة الأشجار في الأحراش من قبل الإنجليز. ويضيف هناك أحرش أخرى تقع شرق القرية على أرض تابعة لعائلة النشاشيبي من القدس أيضا زرعناها بالأشجار الحرجية، لكن اليهود أقاموا عليها مستوطنة فقطعوا الكثير منها".
لم يكن الهدف من زراعة أحراش أم صفا بيئيا، فالحاكم العسكري لم يكن ينظر إلى تشجير تلك التلة المطلة على عدد كبير من القرى والتي تقع على مفترق طرق مهم من منظور بيئي، بل كان يهدف إلى إيجاد منطقة كثيفة من الأشجار التي تخفي قواته، حيث أقيم فيها معسكر للجيش البريطاني وكانت تخيم فيها كتيبة بشكل دائم.
تحتوي الأحراش على بضعة بيوت بعضها مدمر، وبحسب الحاج عمر طناطرة فإن هذه البيوت أقيمت بعد أن تسلمت الأردن مسؤولية إدارة الأحراش من الإنجليز، حيث رابطت فيها كتيبة من الجيش الأردني وزارهم الملك حسين وبقي لبضعة أيام تخللتها سهرات ودبكة.
قصة الأحراش
وعند سؤال مجلة آفاق لنائب رئيس مجلس قروي أم صفا السيد محمد مصلح عن واقع الأحراش الآن مقارنة بالماضي، أجاب:" في الماضي كان الإهتمام أكثر بمنطقة الأحراش، ففي فترة الانتداب البريطاني تم تعيين مراقب للأحراش من قرية جيبيا المجاورة الذي وكِّل بمهمة منع دخول السكان من القرى المجاورة للأحراش كونها منطقة عسكرية وهذا ساهم في الحفاظ على الأشجار من القطع والرعي. وعندما تسلمت الأردن مسؤولية إدارة الأحراش بقيت الأمور كما هي، حيث منع الناس من دخول الأحراش، وعين لذلك محمد ابراهيم التميمي من قرية النبي صالح الذي كان يعمل موظفا في دائرة الأحراش الأردنية.
يقول السيد مصلح: "للأسف فإن إسرائيل هي من تشرف وتدير الأحراش الآن، فهي من تشق الطرق فيها وتضع الحاويات لجمع القمامة، ومع أنها لا تمنع أهل القرية والمتنزهين من دخولها إلا أنها تعمل على تغيير هوية الأحراش تدريجيا، فهي توفر المياه وتجمع القمامة من الأحراش وتقيم فيها الاحتفالات في الأعياد اليهودية حيث تمنع الفلسطينيين من دخولها في فترة الأعياد".
وفي هذا الجانب يضيف الحاج نصر طناطرة: "كنا نقوم بجمع بعض النباتات البرية كالميرمية والزعتر ونبيعها في غزة، الآن سلطة الطبيعة الاسرائيلية هي من تفرض سيطرتها على الاحراش وتمنع السكان من الاستفادة منها، فهي تقوم كل سنتين أو ثلاث بقطع اعداد كبيرة من الأشجار وتنقل الأخشاب في شاحنات، أما نحن أصحاب الأرض فتفرض علينا مخالفات مالية كبيرة إذا قمنا بقطع ولو شجرة واحدة أو قطفنا نبتة زعتر أو ميرمية".
إذن هي سياسة الاحتلال في الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين تدريجيا، فهي تستغل خيرات هذه الأحراش التي تقام على أراضٍ فلسطينية، وربما بعد عدة سنوات تمنع أصحابها من دخولها وتعتبرها منطقة عسكرية كما فعلت بريطانيا من قبلها.
لا سلطة للمجلس
عن دور المجلس القروي يقول السيد محمد مصلح: نحن في مجلس قروي أم صفا لا نملك أي سلطة على الأحراش في الواقع، فإسرائيل تمنعنا من القيام بأي جهود لتطوير الأحراش والحفاظ عليها والعناية بها. والناس بدؤوا يخافون من الذهاب إلى الأحراش بسبب كثرة تواجد قوات الجيش الاسرائيلي والمستوطنين، فأخذ المتنزهون يتوجهون إلى أحراش جيبيا المجاورة كونها بعيدة عن الجيش والمستوطنين.
ويطالب مصلح الجهات الرسمية المعنية بهذا الجانب أن تتحمل مسؤولياتها في الحفاظ على هذه المحمية التي باتت فريسة سهلة للاحتلال الاسرائيلي. للأسف يشير إلى أن من يقوم بتخريب الأحراش ويقصد المقاعد والحمامات والمياه ومناقل الشوي هم المتنزهون الفلسطينيون وليس اليهود، ما يعني الحاجة إلى مراقب يشرف على نظافة المحمية ويحافظ على مرافقها والخدمات البسيطة الموجودة فيها وتطويرها، إيضا لا بد من الترويج للمحمية في الإعلام المحلي وإخبار الناس عنها، فعدم الإقبال على الأحراش أثّر سلبا عليها وعلى هوية الأرض التي تقام عليها وسهل للاحتلال التمادي في بسط سيطرته عليها.
 |
 |
| التنوع النباتي والشجري الغني في أحراش أم صفا |
بيوت قديمة في أحراش أم صفا |
"نحن نساهم بضياع ثرواتنا الطبيعية"
وأشار مصلح إلى أننا بحاجة إلى تعزيز ثقافة السياحة البيئية وأيضا ثقافة نظافة البيئة، مشيراً: "نحن نتحدث ونُعلم أولادنا عن أهمية الحفاظ على نظافة البيئة ولكن عندما نخرج في نزهة نترك نفاياتنا خلفنا، نعم تقع علينا مسؤولية النظافة لكن أيضا تقع مسؤولية أكبر على الجهات الرسمية كوزارة الزراعة وسلطة جودة البيئة الفلسطينية في توفير خدمات في مثل هذه المناطق المهددة في أي لحظة بالمصادرة".
يقول الحاج نصر طناطرة: " أقولها بكل حسرة، اليهود مهتمون بالحرش أكثر منا...، كل العالم بيدير باله على الحرش بس عننا ما في اهتمام". ودعى طناطرة إلى ضرورة تنظيف الأحراش من الأشواك والأشجار الصغيرة، فإذا حدث حريق فالأشجار الصغيرة تساهم في انتشار النار في كل الأحراش وهذه مسؤولية سلطة جودة البيئة ووزارة الزراعة من حيث التنسيق لموضوع العناية بالأحراش، فأهل القرية لا يستطيعون القيام بذلك، لأن سيارات سلطة الطبيعة الاسرائيلية تتواجد باستمرار في الأحراش.
 |
 |
| خريطة مكانية ثبتتها ما يسمى سلطة الطبيعة الإسرائيلية في أحراش أم صفا |
سحر الطبيعة في أحراش أم صفا |
حارس المحمية!!
في حديث آفاق مع المهندس حسام طليب مدير دائرة الغابات في وزارة الزراعة، أكد لنا وجود موظف رسمي من قبل وزارة الزراعة الفلسطينية مهمته مراقبة الأحراش والعناية بها، وهو السيد عبد اللطيف التميمي. وأضاف: "خطتنا أن نحافظ على الغطاء النباتي في المحمية، ونتوسع قدر الإمكان. في حالة أم صفا فالأرض ملكية خاصة ومحصورة ولا مجال لتوسيعها، فعملنا يقتصر على العناية والمحافظة عليها".
مناطق "جـ"
كون أحراش أم صفا تقع ضمن المناطق المصنفة "جـ" بحسب اتفاقية اوسلو، فهي تخضع -وفق المهندس طليب- في معظم شؤونها للاحتلال الاسرائيلي، وهذا كان وما يزال العائق أمام جهود الوزارة في توفير الخدمات في المحمية، حيث يقوم الاحتلال الاسرائيلي بإزالتها على الفور.
ويأتي ضمن خطط وزارة الزراعة الفلسطينية المستقبلية -كما يذكر طليب- تقييم المحميات الخاصة وذلك للتأكد من سبب حمايتها وتحديد المساحات لضمان الحفاظ على البيئة والتنوع الحيوي؛ فبعض المحميات التي صنفها الاحتلال كان الهدف منها التوسع الاستيطاني على حساب التضييق على التجمعات الفلسطينية.
 |
 |
| صهينة إسم أحراش أم صفا، فتم تسميتها بغابة نيفي تسوف |
لافتة احتلالية في أحراش أم صفا كتب عليها أهلا وسهلا في هذا المكان المخصص للطلاب المتدينين في مرحلة ما قبل الخدمة في الجيش الإسرائيلي |
خطط طموحة
تقوم وزارة الزراعة سنويا بتحريج أكثر من 2000 دونم تتركز في الأراضي الحكومية، من خلال مشروع تخضير فلسطين، يقول المهندس حسام طليب:" نحن نعمل في الحد الادنى من طموحنا، بما يلائم الميزانية المتاحة. لدينا 40 حارس للغابات يعملون كموظفين في الوزارة، ونعمل على إدارة التنزه العشوائي وهو السبب الرئيس في هلاك الغابات بسبب الحرائق التي تنجم في العادة عنه".
تعمل وزارة الزراعة وضمن صلاحياتها المتاحة على عدة مشاريع تهدف إلى الحفاظ على الغطاء النباتي، والتوسع فيه في المناطق التي تسمح بذلك، يقول المهندس طليب: "رخصنا ما يزيد عن 20 متنزها في المناطق القريبة من التجمعات السكانية، ووقعنا اتفاقيات للعمل من خلال المجالس المحلية والبلديات، هدفنا هو الاستخدام الصحيح لهذه المتنزهات من خلال إدارتها وتوفير الخدمات قدر المستطاع ضمن نظام الغابات الصادر في 2005، فقمنا بشق أكثر من 60 كم من الطرق داخل هذه المحميات في السنوات الأخيرة".
 |
 |
| تناغم التراث المعماري مع جمال المشهد الطبيعي في أحراج أم صفا |
مظاهر مؤسفة من التخريب واقتلاع الأشجار في أحراج أم صفا |