في ظل انعدام القيود المفروضة على بيع الأدوية البيطرية والمبيدات الخطرة: متى سيمنع بيع الأدوية والمبيدات دون تقرير مهني من البيطري أو المرشد الزراعي المؤهل والمرخص؟

مبيدات كيماوية تباع بكثافة في محلات المبيدات بالضفة الغربية لكل من يطلبها دون تقرير أو تصريح معتمد من المرشد الزراعي المؤهل والمرخص
خاص بآفاق البيئة والتنمية
يتعامل الكثير من المزارعين مع المبيدات الكيميائية الخطرة والممرضة والقاتلة، دون رقابة جدية ودون حسيب أو رقيب. فأي مزارع يستطيع شراء ما يشاء من المبيدات والأدوية البيطرية دون تصريح أو "روشتة" من أخصائي أو مهندس زراعي أو بيطري مؤهل وقانوني. بل إن أي مواطن في المدينة أو القرية أو المخيم؛ سواء كان رجلا أو طفلا أو امرأة، يستطيع، بكل حرية ودون أي تصريح، شراء ما يشاء من المواد الكيميائية عالية السميّة التي يخيم خطرها الجدي على العديد من المنازل التي يستخدم قاطنوها مثل هذه المواد لمكافحة الحشرات المنزلية أو البستانية، بعيدا عن رقابة أو إشراف الأخصائيين. كما أن غالبية، إن لم يكن جميع، من يجولون الأحياء والمنازل لرش المبيدات الحشرية، لا يدركون خطورة المواد التي "يتلهون" بها على الصحة العامة والبيئة.
وتتسرب المبيدات الحشرية أحيانا لأغراض الاستخدام في المجال الصحي العام. وقد نجد، على سبيل المثال، مبيدات حشرية فوسفورية عضوية تشترى بشكل حر من محلات بيع المبيدات، وتستخدم في مؤسسات حساسة مثل المدارس ورياض الأطفال لمكافحة البعوض أو الحشرات أو الصراصير؛ علما أن مثل هذه المبيدات مسرطنة وتتلف الجهاز العصبي، وقد تتسبب أيضا في تشوهات جينية (وراثية) وفي الإخلال بالنشاط الهورموني، علاوة على العقم وتسمم الجنين (في حالة النساء الحوامل) والتشوهات الخلقية. كما قد تتسبب هذه المبيدات في تعطيل جهاز المناعة وفي إتلاف العظم النخاعي وخلايا الدم البيضاء والسائل المنوي وتشوهات تناسلية أخرى.
ولا تزال مثل هذه المبيدات تستخدم على نطاق واسع، رغم وجود بدائل طبيعية وغير كيميائية تنتشر حاليا في الأسواق وتنتجها العديد من الشركات، مصنوعة من زيوت نباتية بإمكانها قتل النمل والذباب وثاقبات الأوراق والحشرات الماصة وغيرها من الآفات الحشرية، دون أي خطر على الإنسان أو الحيوان.
وحاليا، لا يوجد أي نوع من القيود على بيع جميع أنواع مبيدات الآفات الزراعية أو الأدوية البيطرية التي يقال بأن تداولها "مسموح" بحسب وزارة الزراعة الفلسطينية؛ فأي إنسان، سواء كبر أو صغر عمره، أو كان سَوِياً أو مختلا عقليا، يستطيع شراء تلك المبيدات والأدوية، مهما ارتفع تركيزها أو درجة سميتها. وهذا يعني، إمكانية استعمال مواد كيميائية خطرة، منع استعمالها أصلا (من الشركات المنتجة) لأغراض صحية عامة في وسط بيئة بشرية.
السؤال المطروح هو: لماذا لا تفرض الوزارات المعنية (الزراعة والصحة) قوانين وقيوداً تلزم من يريد شراء الدواء البيطري أن يكون بحوزته إذنٌ مكتوبٌ (تقرير) من البيطري المختص والمرخص، بحيث يحدد التقرير الغرض الأساسي والدقيق من الدواء أو الأدوية الموصى باستخدامها؟ كذلك الأمر بالنسبة لمبيدات الآفات الزراعية (بصرف النظر عن مدى تركيزها أو درجة سميتها)، أي ضرورة حصول المواطن (الذي يرغب في شراء مبيد معين) على تقرير ("روشيته") من المهندس أو المرشد الزراعي المؤهل والمرخص، يحدد بدقة هدف استعمال الدواء؛ تماما كما الحال لدى التعاطي مع الأدوية البشرية. وبطبيعة الحال، التحذيرات المكتوبة على عبوات المبيدات والأدوية لوحدها غير كافية أبدا، وقد تساهم بشكل هامشي في الحد من الإصابات والتسمم.
خرافة الاستعمال "الآمن" للمبيدات
المشكلة الأساسية ليس فقط ضمان عدم استعمال المبيدات المحظورة، بل أيضا كيفية التعامل مع العديد من المبيدات "غير المحظورة" رسميا، كعدد كبير من المبيدات الفسفورية العضوية والكربمات وغيرها التي أثبتت الأبحاث العلمية استحالة تعامل المزارعين "الآمن" معها؛ إذ تشكل تركيباتها الكيميائية خطرا كبيرا على المزارعين، بسبب عدم فعالية "الثياب الواقية" التي تنصح شركات الكيماويات المزارعين بارتدائها أثناء الرش، والتي، أي "الثياب الواقية، تسمح، في كل الحالات، باختراق نسبة عالية من هذه المبيدات إلى جسم المزارع أثناء عملية الرش الاعتيادية؛ ناهيك عن التكلفة العالية جدا لإدارة هذه المبيدات واستحالة تطبيق التعليمات الخاصة باستعمالها "الآمن"، ضمن الظروف البيئية والمناخية والمعيشية السائدة في بلدنا؛ علما أن معظم المبيدات تصنع في الدول الغربية بما ينسجم مع ظروفها البيئية والمناخية والمعيشية المختلفة تماما عن ظروفنا العربية عامة، والفلسطينية خاصة. فعلى سبيل المثال، المبيدات السامة جدا (درجة سميتها a أو b) "المسموحة" والمستعملة في الأراضي الفلسطينية، مثل "سوبر أسيد"، "نماكور" وغيرهما، يجب لدى استخدامها (وبحسب تعليمات الشركات المنتجة!!) لبس كمامة قابلة للحمل تغطي كل الوجه وتتصل باسطوانة مملوءة بالأكسجين (كما رواد الفضاء!!) ووزن هذا النوع من الكمامات ثقيل؛ علما أن تكلفة الإجراء الوقائي لاستعمال أي من هذه المبيدات باهظة جدا (بضعة آلاف من الدولارات)، لا يستطيع معظم المزارعين، إن لم يكن جميعهم، تحملها. وإجمالا، لدى التعامل مع مبيدات سميتها مرتفعة جدا (a أو b) في أميركا الشمالية والدول الأوروبية، يَرُش هذه المبيدات مهنيون متخصصون، وفي حال تعذر ذلك، تستخدم بدائل أقل خطرا وسمية. أما في الضفة والقطاع، فنجد المزارعين يستخدمون مثل هذه المبيدات دون أي إجراء وقائي، أو ربما قد يلبس بعضهم قفازات عادية وقناع واق بسيط للوجه. السؤال المطروح هو: ما دام أن شروط استعمال هذه المبيدات السامة جدا وإجراءات الوقاية الخاصة بها، غير متوفرة لدى المزارعين، لماذا لا تسارع وزارة الزراعة لحظر استعمالها في الضفة والقطاع حظرا مطلقا، رأفة بصحة المزارعين والمستهلكين إجمالا؟
وخطورة استعمال المبيدات التي يقال إنها "مسموحة"، تكمن في أن شركات الكيماويات المنتجة أو المسوقة هي غالبا ما تكون المصدر الأساسي لمعلومات المزارعين أو المهندسين الخاصة بهذه المبيدات؛ علما أن أبحاثا كثيرة أثبتت عدم دقة أو حتى خطأ معظم هذه المعلومات التي هدفها الأول والأخير الدعاية التجارية للسلع الكيميائية.
وعلى سبيل المثال، بالرغم من أن البلاستيك الزراعي يهدف، ضمن أمور أخرى، إلى عزل المحاصيل عن الآفات وبالتالي التقليل منها إلى الحد الأدنى، فمن المدهش حقا رؤية العديد من المزارعين الفلسطينيين يرشون المبيدات على الخضروات في البيوت البلاستيكية (بناء على تعليمات المرشد الزراعي أحيانا)، دون معرفتهم لسبب الرش، بل وأحيانا كثيرة ترش الخضروات وهي خالية من الآفات!