قطوف من التاريخ البيئي في فلسطين.. قبل النكبة!
|
عندما نُطالع ما كان يُنشر في صحف فلسطين قبل نكبة عام 1948 سنجد نشاطًا مُبهرًا للمهندسين الزراعيين والأكاديميين في مجالات كالكيمياء والطب، يكتبون المقالات لتوعية الناس في مواضيع لا تزال محط اهتمام أهل عصرنا.. مثل مقالات المهندس خليل المقدادي واخوه حسني المقدادي حول إمكانيّات الاستفادة من المخلفات الزراعية ومخلفات صناعة الصابون أو حتى مقالات د. مجدي الشوا عن خيرات فلسطين أو حتى خطورة استبدال الطحين البلدي بالطحين "الابيض" الاسترالي.. والمثير أكثر أن نجد تلك الصحف التي كُتبت قبل أكثر من 70 عامًا تطرق لمواضيع مثل صناعة الورق وفناء الغابات.. أو امكانية الاستفادة من النفايات المنزلية من خلال تحويلها لسماد وغير ذلك من نقاط وحكايات تُطالعونها في التقرير التالي.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
عندما نتحدث عن إعادة تدوير النفايات في فلسطين، فإننا أمام خيارين غالبًا.. النظر للواقع المؤسف من حولنا أو لربما الاستبشار خيرًا بالمستقبل، أما الماضي فإننا نادرًا ما نلتفت إليه، لربما لأننا نتخيّل أن كُل هذه "العلوم" حديثة جدًا.. وفي الواقع عندما نُطالع ما كان يُنشر في صحف فلسطين قبل نكبة عام 1948 سنجد نشاطًا مُبهرًا للمهندسين الزراعيين والأكاديميين في مجالات كالكيمياء والطب، يكتبون المقالات لتوعية الناس في مواضيع لا تزال محط اهتمام أهل عصرنا.. مثل مقالات المهندس خليل المقدادي واخوه حسني المقدادي حول إمكانيّات الاستفادة من المخلفات الزراعية ومخلفات صناعة الصابون أو حتى مقالات د. مجدي الشوا عن خيرات فلسطين أو حتى خطورة استبدال الطحين البلدي بالطحين "الابيض" الاسترالي.. والمثير أكثر أن نجد تلك الصحف التي كُتبت قبل أكثر من 70 عامًا تطرق لمواضيع مثل صناعة الورق وفناء الغابات.. أو امكانية الاستفادة من النفايات المنزلية من خلال تحويلها لسماد وغير ذلك من نقاط وحكايات تُطالعونها في التقرير التالي.
السماد الطبيعي أم السماد الصناعي؟
"ان السماد الكيماوي أو الاصطناعي هو من أهم اختراعات هذا العصر فتركيبه يمكّن الانسان من جعل الارض تغطي اضعاف أضعاف ما كانت تعطيه سابقًا، وبأقل تكلفة وتعب وقد برهنت اختبارات سنين عديدة على أهمية استعماله وحسن مفعوله، حتى أصبح من الفضول التكلم في هذا المعنى". هذا ما نشرته جريدة فلسطين يوم السبت، 22 آذار من عام 1913. إلا أن ما نشرته صحيفة الدفاع يوم الخميس 29 آب من عام 1935 يشير أن الفلاح الفلسطيني لم يكن مقتنعًا حقًا بفكرة السماد الصناعي. وقد جاء في الخبر أن فريقًا من وجهاء مدينة الخليل وكبار مزارعيها قد دعوا لحضور اجتماع في مكتب قائمقام القضاء، لمقابلة اللجنة الزراعية التي زارت الخليل لعرض اقتراحاتها على المزارعين وتجار السماد، بخصوص إبدال السماد الطبيعي بسماد كيماوي مما تنتجه الامبراطورية.
ويشير الكاتب: "يظهر مما عرضته اللجنة وأبدته من اقتراحات أن تجار السماد الكيماوي بدأوا يشعرون بقلة طلبات سمادهم وعدول اصحاب بيارات البرتقال عن استعماله لعدم نفعه، ولهذا بدأوا بعرض اقتراحاتهم على الفلاحين والمزارعين لإبدال سمادهم الطبيعي بأضعافه من السماد الكيماوي"
ومما جاء في فوائد التسميد بزبل الطيور في صحيفة فلسطين الصادرة في تموز من عام 1945، أنها أنفع للأرض التي تزرع فيها النباتات المستهلكة للنيتروجين مثل الجزر واللفت والشمندر، ولكن "قلما انتبه الناس إلى هذه الفائدة فهم يلقون بالنفايات دون أي اعتناء بقيمتها العظيمة". وجاء في التقرير أن خير وسيلة لحفظ زبل الطيور وجعلها قادرة على تسميد الارض، هي أن توضع في حفر مخصصة لذلك ثم تغطيتها خوفًا من التقلبات الجوية، إلا إذا أُخذت الى المزارع رأسا، وفي هذه الحالة تعالج كما تعالج سائر الاسمدة الحيوانية، واذا استعملت نفايات الطيور في حقول الحبوب والقطاني، افسدتها لأن الحبوب لا تحتاج إلى مقدار عظيم من النيتروجين!
بالإضافة إلى فوائد مُخلفات الطيور، فقد كانت هناك تجارب عام 1947 لمحاولة الاستفادة من النفايات العضوية في انتاج السماد من خلال تقنيات كان قد تم تطويرها في اوروبا سابقًا، مثل عملية بيجانو بيكو (Giovanni Beccari) التي كتبت عنها جريدة فلسطين باعتبارها "أكثر ملائمة لتحويل نفايات المدن الكبرى" وتعتبر هذه العملية من أبرز التقنيات التي تم تطويرها في القرن العشرين (1920)، وتدمج بين المعالجة الهوائية واللاهوائية معًا.
المحصولات الثانوية في صناعة الصابون
في 27 أيلول من عام 1927 نشرت جريدة فلسطين مقالة مُلهمة للمهندس الزراعي خليل المقدادي، حول أهمية الاستفادة من مخلفات صناعة الصابون يقول في مطلعها: "يُهمني كوطني يريد أن تستفيد البلاد ماديًا من بعض ما يضيع فيها، أن أبين لمواطني بعض ما لاحظته في صناعة من الصناعات الوطنية المهمة"، ثم يبدأ في عرض المُشكلة، وهي أن الزيوت تتركب من الغليسيرين والحامض الزيتي، ولكن والغليسيرين لا يدخل في صناعة الصابون مثل الأحماض الزيتية ويقول المقدادي: "المُشكلة انه يبقى في الماء، وهذا الماء في نابلس لا يستخرج منه الغليسيرين، فيذهب ضياعًا في المجاري ولكنه يستخرج في البلاد الاجنبية ويصفى ويُباع فلا يضيع!".

ثم يُحاول أن يقنع جمهور القراء بأهمية الغليسيرين قائلًا: "يستعمل الغليسيرين لصنع ما يسمونه نتروغليسيرين وهي مادة مفرقعة يصنع منها الديناميت.. والمئة كيلو من الغليسيرين في فرنسا تُباع بثلاث جنيهات اما عندنا فلا يقل ثمنها عن الاربعة أو الخمسة جنيهات.. " ثم يتحدث عن اهمية انتاج مصنع لاستخراج الغليسيرين في بلادنا بدلا من تصديره، ويؤكد أن ذلك سيأتي بأرباح كثيرة.. وفي نهاية المقالة يبدو واضحًا أن المقدادي لم يكن مُجرد كاتب.. بل مُهندساً يسعى للنهوض ببلاده، ويبدو هذا جليًا من طلبه لمن يقرأ أفكاره هذه: "هذا واني مستعد لإيضاح الأمر لمن أراد.. راجيًا ان يكون لكلمتي ما فيه خير البلاد ونفعها معًا".
هذا الكاتب المهندس هو خليل عبد الرحيم المقدادي، هو أحد أعلام يافا وفلسطين في مجال الزراعة، تخرج عام 1926 من جامعة مونبليه بفرنسا، ومع عودته لفلسطين راح ينشر مقالاته في مجال التوعية الزراعية، ثم انشأ عام 1936 اللبنة الاولى لواحدة من أبرز الشركات الزراعية في فلسطين والشرق الاوسط وهي شركة المواد الزراعية المحدودة، وبعد النكبة انشأ شركة جديدة في الأردن، وهي تعرف بإسم شركة اجريماتكو ولها فروع في 43 دولة حول العالم، وتسيطر بنسبة كبيرة على تجارة الآلات الزراعية والأسمدة في هذه الدول.

ومن الجدير بالذكر أن لخليل المقدادي أخ يُدعى "حسني المقدادي" وهو كذلك مهندس زراعي وكان نشيطًا جدًا في مجال التوعية الاقتصادية والزراعية وهو الذي أسس المجلة الزراعية العربية وله مؤلف نُشر عام 1930 تحت عنوان "الاسمدة واستعمالاتها".
من قشور البطاطا إلى فناء الغابات.. حكايات حول الورق!
مع ارتفاع اسعار الورق عام 1937، كثر الحديث عن الورق ونفايات الورق بل وصناعة الورق بل وحتى فناء الغابات بسبب كثرة استهلاك الورق. فنجد صحيفة الدفاع تنشر في هذا السياق أرقاماً وطرائف عن تحويل الشجر إلى صحف: " لكي يتصور القارئ السرعة في تحويل الخشب إلى ورقة، ثم استهلاك الورق في شؤون الصحافة نورد المثل التالي… : ارادوا تحويل شجرة إلى صحيفة مطبوعة فاحضروا ثلاث اشجار كبيرة في الساعة الثامنة صباحًا ووضعت هذه الآلات التي نشرتها الواحا، ثم وضعت الالواح تحت الآت أخرى حولتها مسحوقًا، وحولت آلات غيرها المسحوق إلى عجينة، وفي الساعة التاسعة والدقيقة 34 تحولت العجينة إلى ملفات "قوالب" فيها ورق على الاستعداد لاستعماله في الطباعة وحُمل الورق إلى مطبعة مجاورة، وفي الساعة العاشرة خرجت الصحيفة إلى السوق!
بعد كُل هذا يشير الكاتب قائلًا: " لكن السرعة في هذه الأيام أشد (عام 1937) فليتأمل القراء كم تأكل الصحافة ورقًا، وكم غابات واسعة تستهلك الجرائد في الشهر والعام.. لقد خشى علماء النبات على مستقبل هذه الغابات، وزاد الطين بلة استعمال مادة في الورق في صناعة المتفجرات للحروب، فارتفعت اسعار الورق بصورة عجيبة !!
وللحروب علاقة مُباشرة بارتفاع اسعار الكثير من المواد الخام بالأخص في بلد مثل ألمانيا، حيث كانت تُعاني من نقص حاد في الورق خلال الحرب العالمية الثانية، مما جعل الحكومة تُشجع على "اعادة التدوير" .. وهو ما نلمسه في صحيفة الدفاع التي نشرت عام 1940 خبرًا "علميًا" لقرائها يُبشرهم بأن بالإمكان صناعة الورق من قشور البطاطا وجاء في الخبر: "ورد من برلين أنه تألفت في درسدن شركة لاستخراج الورق من قشور البطاطا بعد أن نجحت تجارب الكيماويين الألمان في صنع مادة جيدة من السليلوز تفيد صناعة الورق".
بعد مرور حوالي 5 أعوام على بدء ارتفاع أسعار الورق (عام 1942) نجد في الصحف الفلسطينية إعلانًا "مثيرًا للاهتمام" تحت عنوان "نفايات الورق" جاء فيه أن مراقب الانقاذ ينبه الجمهور إلى آخر موعد لتقديم الكشوفات عن جميع كميات نفايات الورق التي يزيد وزن كل منها على 250 كيلو غرامًا.
وجاء في نفس الإعلان أن على جميع صناع أكياس الورق المعمولة من نفايات الورق، الحصول على ترخيص للاستمرار في صناعتهم وينتهي الإعلان بأنه: "لا يجوز شراء نفايات ورق الجرائد أو نفايات ورق اللف إلا بترخيص؛ وذلك إذا كانت الكمية المشتراة تزيد على 50 كيلو غرام".

"خطر صحي يجب الانتباه له.. الطحين الاسترالي"
لم يكن السماد الكيماوي هو "الخطر" الوحيد الذي دخل حياة الفلاحين.. ففي يوم الاربعاء 19 شباط من سنة 1930 نشرت جريدة فلسطين مقالة للدكتور مجدي الشوا يقول في مطلعها: "ساقني لهذا البحث الحيوي الذي يتعلق بالكيمياء الغذائية في هذا الوقت العصيب، الذي لم يترك لنا دقيقة واحدة نلتفت فيها لشؤون صحتنا وصحة أولادنا، ما رأيت من كثرة انتشار الطحين "المسكوبي" أي "الاسترالي" الأجنبي في البيوت العربية في فلسطين، وقد سألت مرارًا عن سبب اقبال كثير من العائلات العربية على شراء الخبز الابيض "فينو" مثلًا وخلافه، واهمال خبز الطحين الوطني، فكان الجواب أن الطحين "المسكوبي" لا يحتاج لتعب التنخيل بخلاف الطحين الوطني".
فيقول ردًا على من ترك الطحين الوطني: "لقد ثبت كيماويًا وبتجارب عديدة اجريت في كثير من الحيوانات أن الطحين الابيض المنخل لا قيمة غذائية له، وهو يضر بصحة من يداوم على اكله، لأنه لا يحتوي على نخالته التي تجمع بين ذراتها مواد الفيتامين الضرورية للحياة…. وأكثرها يكون في نخالة الطحين أي طحين جميع الحبوب، فلو أكل الإنسان خبزًا أبيض بدون نخالة مدة شهر واحد، لأصبح عرضة لأمراض ذات خطر…" ويذكر أسماء الأمراض مثل السكوربوت ومرض الرخيتس، وداء الفالج ثم يعود إلى ما بدأ به ليدعو العائلات الفلسطينية لأن يجتنبوا شراء وأكل خبز الطحين الاسترالي، وان لا يأكلوا غير خبز بلادهم بنخالته - لأن كل الفائدة في النخالة - حفظًا لصحتهم!
والدكتور مجدي الشوا لمن لا يعرفه ولد في غزه سنة ،1899 وسافر إلى المانيا وإلى جامعة برلين تحديدًا حيث تخرج منها بدرجة الدكتوراة في الكيمياء، وهي شهادة لم يكن لها مثيل في العالم العربي في ذلك الوقت، وقد عاد الدكتور بعد تخرجه الي غزة وهو متحمس لتحويل فلسطين الي مجتمع صناعي وله سلسلة مقالات بعنوان "كنوز فلسطين وشرق الاردن" نشرت عام 1930، وبحسب صفحة عائلة الشوا فقد حورب الدكتور مجدي بشراسة من الانتداب البريطاني واضطر للسفر إلى دمشق، وأصبح عميدا لكلية العلوم، ثم سافر الي السعودية وكان عميدا لكلية العلوم في جامعة الرياض.
الانتفاع من نفايات المزارع 1943
في يوم الاثنين، الخامس من تموّز عام 1943 نشرت صحيفة الصراط مقالة لضابط الزراعة السيّد جمال حماد يتحدث فيها عن أهمية إعادة تدوير المخلفات الزراعيّة قائلًا: "إن أي منتوج ثانوي سواء كان من أصل حيواني أو نباتي، يحوى المواد الغذائية اللازمة ولا يصلح للبيع، يُمكن تحويله إلى غذاء مفيد والانتفاع منه بجعله عاملًا حيويا ترتكز عليه اقتصاديات مزرعة حسنة التدبير - والمزارع ذو الخبرة والنشاط، لا يعدم وسيلة دون أن يستفيد منها من كل نفايات المنتوج الثانوية في مزرعته، فيقوم بإطعامها لحيواناته أو تكويمها لتجف وتصبح صالحة لعلفها في المستقبل".
ثم يأخذ في الاستطراد في الحديث حول وجوه الانتفاع بنفايات المزارع، فيقول مثلًا عن "البرارة" التي تبقى لدى أصحاب البيارات ولا يستفيد منها أن قشرها أو لُبها ذو فائدة كبيرة وأثر عظيم في إنتاج حليب المواشي وتكثيره، ويضيف أن اللب المجفف والمطحون لا يقل أهمية عن الذرة الصفراء في تغذية المواشي. ومن الأمور التي تطرق لها في المقالة أن أوراق النباتات القثائية كالخيار والكوسا واليقطين والقرع والملفوف والقرنبيط، وحتى البندورة والباذنجان والفجل، كلها أغذية عظيمة القيمة للحيوانات.

ولأن الأمر ليس مُجرد ترف فكري ولا حديث عابر بالنسبة للصحيفة أو الكاتب، فقد نُشرت حلقة أخرى حول نفس الموضوع، ولكن مع التركيز على المخلفات الزراعية في مزارع الحبوب فيقول فيها: "لم تنل المنتوجات الثانوية للحبوب الزراعية العناية التي تستحقها، أما اليوم فقد أصبحت الضرورة والحاجة تحتمان عدم التفريط بأي مورد من موارد المزرعة بصفته منتوجًا ثانويا، وعلى المزارع ان يتوصل بخبرته وفطنته إلى معرفة كل المنتوجات الثانوية التي يستطيع الاستفادة منها في الاوقات الحاضرة، ومنها ما كان يترك في السابق مهملًا، فكان يتلف ويذهب هباء".
ولم يغفل أن يُذكر القراء قائلًا: "إن حرق القش في الحقول رغمًا عما يخلفه رماده في التربة من مواد معدنية يعتبر خسارة لهذا المنتوج لا تعوضها بأي حال فائدة حرقه الضئيلة، وقد يكون استعمال القش الذي لا يصلح علفا للماشية لو وضع في زرائب الحيوانات ليمتص روثها، ثم نقله إلى الحقول، حيث تقلبه عملية الحراث، ويحوله التفاعل إلى زبل مفيد أعظم بكثيرٍ للتربة مما لو تناولته يد الحرق في الحقول".
في نفس هذا السياق، نجد جريدة الجامعة الاسلامية في عددها الصادر في 9 نوفمبر عام 1937، تشير إلى أن هناك صناعة يجب أن تؤسس وتزدهر في فلسطين وهي تجفيف الثمار الفائضة "البرارة"، ثم تصنيع المُربى أو الفواكه المجففة منها أو انتاج العصائر منها، وهي مسألة لم تُحل حتى اليوم للأسف ونراها في الاحصائيات التي تكشف الكميّات الهائلة من النفايات التي تُلقى في القمامة.
أما الخبر الثاني الذي يستحق أن نختم به.. هو تقرير لجريدة فلسطين عن رفع الغرفة التجارية في مدينة حيفا شكوى بسبب منع تصدير الجفت الفلسطيني إلى سوريا ولبنان في عام 1947 .. ومما جاء في الشكوى، أن حرمان الفلاحين من بيع الجفت سيؤدي إلى خسارة لا تقل عن 80 ألف جنيه، كما أورد التقرير أن سبب المنع بحسب ادعاء الحكومة الانتدابية، هو توفير الوقود لمصانع الصابون، إلا أن الجريدة تُرجح بأن السبب هو افتتاح مصنعين لاستخرج الزيت من الجفت في تل ابيب.. وجاء في الخاتمة: " ولكن احلام هذه المعامل - في تل ابيب- بالكسب على حساب العرب لن تنجح.. لأن تجار الجفت يفضلون استخدامه كسماد على بيعه لهم".
للأسف.. إن الكثير من هذه المعارف والخبرات ضاعت مع النكبة وتهجير الكثير من أبناء فلسطين، والمؤسف أكثر وأكثر أن النهضة الزراعية وكل ما يتعلق بالاستفادة من المخلفات الزراعية والصناعية في فلسطين، أصبح وكأنه "ترف فكري" نجده يُنشر على استحياء على "هوامش" الصُحف والمجلات.. بعد أن كان يتصدر الصفحات الرئيسية، فضاعت الكثير من المفاهيم وأصبح "الكم" على حساب "الكيف"، وحلّت ثقافة "التبذير" و"التبديد" بدل ثقافة "التدوير" و"التدبير"، بل إن الكثير من الأفكار التي تحدث عنها خبراء فلسطين الزراعيين قبل النكبة، لا زالت لم تستوعب حتى يومنا هذا.. وتستحق أن نعيد نشرها من جديد، كي نُدرك حقًا.. معنى نكبة فلسطين!