|
لعل من المألوف مشاهدة الآليات العسكرية الإسرائيلية تجتث وتبيد الأشجار والمساحات الزراعية الخضراء داخل قطاع غزة؛ إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون هو التجريف الإسرائيلي المنظم للحقول الفلسطينية، منذ عام 2014، من خلال استخدام مبيدات الأعشاب التي يتم رشها من الجو. آفاق البيئة والتنمية عالجت هذا التخريب الإسرائيلي في عددها الصادر في شباط 2017. التقرير التالي يحوي معطيات خطيرة مثيرة جديدة حول الحرب الكيميائية الإسرائيلية ضد مزارعينا في غزة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| أراض زراعية في قطاع غزة دمرها الرش الكيماوي الإسرائيلي |
منذ بضع سنوات، يعكف جيش الاحتلال الاسرائيلي على رش جوي مكثف لمبيدات الأعشاب الكيميائية على أراضي المزارعين في غزة، وبالتالي تدمير تلك الأراضي وما تحويه من محاصيل، بذرائع أمنية. ولعل من المألوف مشاهدة الآليات العسكرية الإسرائيلية تجتث وتبيد الأشجار والمساحات الزراعية الخضراء داخل قطاع غزة؛ إلا أن ما لا يعرفه الكثيرون هو التجريف الإسرائيلي المنظم للحقول الفلسطينية، منذ عام 2014، من خلال استخدام مبيدات الأعشاب التي يتم رشها من الجو. آفاق البيئة والتنمية عالجت هذا التخريب الإسرائيلي في عددها الصادر في شباط 2017. التقرير التالي يحوي معطيات خطيرة مثيرة جديدة حول الحرب الكيميائية الإسرائيلية ضد مزارعينا في غزة.
الأراضي المستهدفة بالرش الكيميائي الإسرائيلي تقع تحديدا في المنطقة الحدودية شرق وجنوب شرق قطاع غزة، تلك المنطقة المسماة بالعازلة. بحسب الإحصاءات الفلسطينية الرسمية تقدر مساحة الأراضي الزراعية الحدودية في قطاع غزة بـ29 كيلو مترا مربعا، ما يعادل نحو 25% من مساحة الأراضي الزراعية في القطاع، وهي بغالبيتها أراضٍ مزروعة تمثل سلة غذاء أساسية لسكان القطاع، ويعمل فيها نحو 30 ألف مزارع. خلال السنوات الأخيرة رشت اسرائيل المبيدات على مئات الدونمات شرق مدينة غزة، وبالتالي أُتلفت معظم المحاصيل المرشوشة. في أوائل شباط هذا العام، شاهد بعض المزارعين في غزة بأم عينهم طائرات الرش الإسرائيلية التي أتلفت محاصيلهم بمبيدات الأعشاب.
توقع المزارعون المتضررون بأن تعوضهم وزارة الزراعة الفلسطينية عن خسائرهم المالية التي تقدر بمئات آلاف الدولارات، علما أن ممثلين عن الوزارة حضروا إلى الأراضي المنكوبة لتقييم الأضرار، لكن المزارعين لم يتلقوا شيئا حتى كتابة هذه السطور.
متابعات مجلة آفاق البيئة والتنمية، من خلال بعض المنظمات الحقوقية، كشفت بأن "شعبة غزة" (التابعة للجيش الإسرائيلي) هي التي أمرت بعملية الرش لأغراض عملياتية. مركز الميزان لحقوق الإنسان في غزة يوثق عملية الرش ويحقق في الأضرار التي لحقت بالمزارعين. تقديرات وزارة الزراعة الفلسطينية تشير إلى أنه منذ عام 2015، تضرر أكثر من 14 ألف دونم من الأراضي الزراعية في غزة بسبب الرش الإسرائيلي، كما تلفت بشكل كلي ونهائي محاصيل مثل السبانخ والبامية والذرة والبقدونس والقمح والبازلاء والشعير. كما قدرت الوزارة بأن آلاف دونمات المراعي تضررت هذا العام بسبب الرش. خلال عمليات الرش الإسرائيلي التي نفذت بين تشرين أول/أكتوبر وآذار/مارس (2017-2018)، استخدم مبيد "غلايفوسات" في أغلب الحالات، ولكن أيضا المبيدان "أوكسي فلورفن" و"ديورون".

الرش اكيماوي الإسرائيلي يبيد المحاصيل الزراعية في قطاع غزة
"سبب الرش محاربة النشاط الإرهابي"
في حزيران 2016، قدمت مجموعة من المزارعين الغزيين مطالبات لإسرائيل بتعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها بسبب رش أراضيهم في تشرين أول 2014 تحديدا. المطالبات قدمت من خلال المؤسسات الحقوقية: عدالة، الميزان و"غيشا" (منظمة حقوقية إسرائيلية). في تشرين ثاني 2017 رفضت وزارة الحرب الإسرائيلية المطالبات لعدة أسباب أبرزها أن "سبب الرش هو الحاجة العملياتية الناتجة عن النشاط الإرهابي المعادي في المنطقة، ما يجعل الرش إجراءً حربياً يمنح الدولة حصانة ضد مطالبات التعويض عن الأضرار". وقد شكل الرد الإسرائيلي هذا اعترافا صريحا بمسؤولية الجيش الإسرائيلي عن التدمير المتعمد والمنظم لأراضي المزارعين في غزة.
واستنادا إلى قانون حرية المعلومات، قدمت منظمة "غيشا" التماسا إلى المحكمة الإسرائيلية، وذلك لأن جزءًا كبيرًا من المعلومات لم تقدمه وزارة الحرب الإسرائيلية فورا، أو أن الأخيرة زعمت بأن المعلومات غير متوفرة. هذا الإجراء القانوني كشف عن مبيدات الأعشاب المستخدمة في الرش، وبشكل أساسي مبيد "الغلايفوسات"، وكشف أيضا بأن وزارة الحرب الإسرائيلية هي التي تقرر عملية الرش، وبأنه لتنفيذ العملية تعاقدت الوزارة الأخيرة مع شركات طيران مدنية ("تيليم" و"كيم-نير"). وتبين أيضا بأن وزارة الزراعة الإسرائيلية لا علاقة لها بعمليات الرش.
في كانون ثاني من هذا العام عُقِدَت جلسة استماع بشأن التماس منظمة "غيشا" في المحكمة المركزية بمدينة تل أبيب، حيث عرضت وزارة الحرب الإسرائيلية أمام القاضية "جوديت شوفمان" مواد سرية؛ وبناء عليه قررت القاضية بأنه لا ينبغي الكشف عن المعلومات المتعلقة بالمناطق التي يتم رشها. بمعنى أن المحكمة الإسرائيلية تواطأت مع الجيش الإسرائيلي من خلال توفيرها له غطاءً "قانونيا" لتنفيذ جرائمه ضد الأهالي والمزارعين في قطاع غزة.
منظمة الصليب الأحمر الدولي، أفادت بأن مشاهداتها، بما في ذلك التحليلات الكيميائية لمبيدات الأعشاب في مختبر إسرائيلي، بينت أن مبيدات الأعشاب أتلفت محاصيل فلسطينية تبعد عن السياج الحدودي في غزة أكثر من 2,200 متر؛ علما أن بعض المحاصيل تلفت كليا.
متابعة مجلة آفاق البيئة والتنمية العلميّة لطبيعة مبيدات الأعشاب التي يرشها الجيش الإسرائيلي على أراضي المزارعين في غزة، تُبيّن بأنها قد تبقى في التربة دون تحلل لبضع سنوات، كما أن استنشاق تلك المواد الكيميائية أو تناول المحاصيل الملوثة بها قد يتسبب بأمراض خطيرة. وبشكل عام، تعد مبيدات الأعشاب مسرطنة وقد تتسبب بتشوهات جينية وخلقية وتناسلية. وبحسب الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، تعتبر مادة "الغلايفوسات" (المادة الفعالة في العديد من مبيدات الأعشاب والمستخدمة من قبل الجيش الإسرائيلي ضد الفلسطينيين) تعتبر مسببة للأورام السرطانية لدى البشر؛ ومن الناحية الإحصائية الطبية الأميركية شكلت سرطانات الدم والعظام النسبة الأكبر من الإصابات الناتجة عن مبيد "الغلايفوسات".
أما مبيد "أوكسي فلورفن" (المستخدم إسرائيليا ضد الفلسطينيين) فيتسبب بتلف الكبد، ويتلف أيضا التربة بسبب نصف عمره الطويل (بضع سنوات). مبيد "ديورون" (المستخدم إسرائيليا ضد الفلسطينيين) يتلف الطحال ونخاع العظام والكبد ويتسبب بضعف الخصوبة وبتخلف النمو وبتشوهات في كيمياء الدم؛ كما أنه يتلف التربة بسبب نصف عمره الطويل.

محاصيل زراعية أبيدت من الرش الكيماوي الإسرائيي
سلاح المبيدات في الحروب الاستعمارية
عمليات الرش الكيميائي الإسرائيلي تحدث بشكل أساسي في المناطق الحدودية "العازلة". والحديث هنا حول مصطلح احتلالي (المنطقة العازلة) يتعلق بمساحات جغرافية غير محددة فرضتها إسرائيل داخل قطاع غزة وعلى طول ساحله البحري، حيث فرضت حظرا أو قيودا على الحركة والنشاط الاقتصادي (تحديدا الزراعة والصيد). مساحة وعرض المنطقة العازلة تتغير باستمرار حسب الاعتبارات الإسرائيلية "الأمنية".
الأثر الاقتصادي للمنطقة العازلة كبير. المزارعون في غزة يمتنعون عن زراعة المزيد من المحاصيل المربحة، لأن الضرر الاقتصادي الناجم عن الرش سيكون أكبر. عدا عن تسببه -أي الرش- في خسائر لمربي النحل، وأيضاً للرعاة الذين تشكل النساء نسبة مرتفعة منهم، حيث يعد رعي الحيوانات في القطاع وسيلة لزيادة دخل الأسرة.
هكذا إذن، تحت ستار "الأمن"، تشن إسرائيل حربا اقتصادية-كيميائية غير معلنة ضد أهلنا في قطاع غزة، والتي تسبب على المدى المتوسط والطويل آثاراً خطيرة مباشرة على صحة الناس والبيئة والثروة الحيوانية.
الجيش الإسرائيلي ليس أول قوة احتلال تستخدم سلاح المبيدات الكيميائية، بل في حرب الخليج عام 1991 سبق أن استخدمت الولايات المتحدة الأميركية المبيدات الفسفورية العضوية "درسبان"، "ديزيكتول"، "ديفيبان"، "مالاثيون" و"ليندين" كغازات أعصاب ضد الشعب العراقي. وقبل ذلك، طيلة الستينيات وحتى هزيمتها في فيتنام عام 1975، قصفت القوات الأميركية الشعب الفيتنامي بأكثر من 11 مليون جالون من المادة الكيميائية السامة والمسرطنة Agent Orange (العنصر البرتقالي) التي استخدمها الأميركيون بشكل واسع لإبادة القرى والمزارع والغابات التي كان يختفي بها الثوار الفيتناميون؛ علما أن مبيد الأعشاب ,D2,4 (البر سوبر) يشكلُّ مكونا أساسيا في مادة العنصر البرتقالي. كما استخدم الاستعمار البريطاني هذا المبيد في الخمسينيات ضد الثوار في ماليزيا.