المرحلة الخاصة... كيف نجحت الزراعة البيئية في إنقاذ كوبا؟
|
أُطلقت تسمية "الفترة الخاصة" على الفترة الممتدة بين عامي1990 و2000، عندما عانت كوبا من وضع اقتصادي مرير وكادت أن تحلّ مجاعة حقيقية بسبب الحصار الإمبريالي الأميركي عليها، حين انهارت منظومة الدول الاشتراكية التي كانت تتبادل مع كوبا السلع وتزودها بالنفط والمعدات والكيماويات الزراعية. 380 ألف مزرعة عائلية منها 150 ألف مزرعة بيئية هي التي أنقذت كوبا من المجاعة، وهي، التي جعلت كوبا تصمد أمام تلك الأزمة، التي تطيح بدول غير كوبا خلال أسابيع، عندما تحل بها. لقد واصل الكوبيون الإنتاج دون الاعتماد على مدخلات الإنتاج الخارجية. لذا، تم التحول من الزراعة الأحادية إلى الزراعة المتنوعة؛ وذلك عكس ما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. كما تحولت كوبا من الزراعة الكيماوية، حيث كانت تستورد في السابق 23 ألف طن مبيدات لتستعملها في الزراعة الأحادية، فأصبحت بعد العام 2000 تستعمل ألف طن فقط. وحاليا تنتج كوبا الغذاء للاستهلاك المحلي بدل إنتاج السلع الزراعية للتصدير؛ فنجد المزارع متحرراً من الأزمات وبلا ديون.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| دراجات هوائية بدل السيارات في كوبا- سعد داغر |
توقف إمداد النفط فتوقفت السيارات والجرّارات الزراعية. توقفت المصانع والآلات ولم يستطع الناس الوصول إلى مراكز عملهم، لا الطبيب استطاع الوصول إلى العيادة أو المستشفى، ولا الأستاذ وصل للجامعة أو المدرسة، وكذلك حال المرضى والطلاب، اختفت الأسمدة والمبيدات الكيماوية، جاعت الناس وتقاسمت الغذاء، وصفت اللحمة بوصفة طبية لمن يحتاجها، كل شيء توقف. أطلقوا على تلك المرحلة: الفترة الخاصة [1] وامتدت عشر سنوات (من العام 1990 وحتى العام 2000) اشتغلت خلالها العزيمة والإرادة والإدارة.
وجدوا في الأزمة فرصة وفي المشكلة حل. انتقلت العيادات من مراكز المدن إلى الأطراف والأرياف، وفي كل حي وتجمع سكاني كانت عيادات متخصصة، فعندهم فائض من الأطباء جعلهم يرسلون للعالم -حيث هناك حاجة في أفريقيا وأمريكا اللاتينية- 30 ألف طبيب يعملون تطوعاً، وآلاف المهندسين والفنيين الزراعيين يساعدون دولاً في أمريكا اللاتينية ومثلهم مدربون رياضيون. صار الطبيب والمعلم وأستاذ الجامعة والطالب يذهبون للعيادات والجامعات على الدراجات الهوائية، فعندما توقف النفط استوردوا خمسمائة ألف دراجة من الصين، ثم طلبوا مليون دراجة أخرى، ضغطت الولايات المتحدة الأمريكية على الصين لمنع توريدها، لكن الصين لم تمتثل. مليون ونصف دراجة هوائية بدل السيارات والحافلات العامة، استخدمت الحافلات بشكل مقنن جداً. فتحت المدارس والجامعات فروعها في التجمعات بين الناس، ليصلوها على الدراجات الهوائية أو مشياً على الأقدام أو على عربات تجرها الخيول.
اعتمدوا في السابق على إنتاج قصب السكر والسيجار، لكن ليس بهذه وحدها يحيا الكوبي، عشر سنوات أنقذهم الاستشعار بأن شيئاً ما سيتحول وتحدث كارثة، وقبل حدوثها، كانت عشرات المراكز تدرس، تبحث وتجرب الطرق البديلة، لتستمر الحياة حين يتوقف النفط عن التدفق، وحين تتوقف المبيدات والأسمدة الكيماوية عن الوصول. وحدها ديدان الأرض كان لها (18) مختبرا ومركز بحث تدرسها قبل حلول “الفترة الخاصة”.
380 ألف مزرعة عائلية منها 150 ألف مزرعة بيئية هي التي أنقذت كوبا من المجاعة، وهي، التي جعلت كوبا تصمد أمام تلك الأزمة، التي تطيح بدول غير كوبا خلال أسابيع، عندما تحل بها.
مع توقف النفط توقفت الجرارات والآليات الزراعية عن العمل، فبحث الكوبيون (الدولة بمراكز بحثها والمزارعون) عن البدائل فكانت الثيران والأبقار. الثور يحرث الأرض وينقل البضائع داخل المزرعة ومنه يأتون بالسماد الطبيعي، ليضعوه في أحواض ديدان الأرض، التي تحلله وتحوله لسماد غني. لقد طوروا وكيفوا كل الأدوات وأنواع المحاريث ليستعملوها على الأبقار وتجرها بدل الجرار الزراعي.
 |
 |
| وحدة ديدان الأرض- سعد داغر |
الأبقار تحرث وتعطي الروث، الذي يستعمل لتسميد الأرض، لكن لا ينتهي هنا دورها، فالحكومة تطلب من كل مزارع لديه عدد يزيد عن ثلاث بقرات أن يبني "هاضماً حيوياً" لإنتاج الغاز، الذي يستخدم للمطبخ ولإنتاج الكهرباء أيضاً، فيما طور البعض مصباح للإضاءة يعمل بالغاز الحيوي.
 |
 |
| هاضم حيوي (يمين) وأبقار تحرث وتعطي الروث (يسار) في كوبا - سعد داغر |
المثير في كل الموضوع الزراعي هو ذلك الدور التطويري المتلاحم بين مراكز البحث والجامعات وبين المزارعين، حيث يجري توجيه كل الطاقات لخدمة الاحتياجات الحقيقية للمزارعين، بما يسمح لهم بمواصلة الإنتاج دون الاعتماد على مدخلات الإنتاج الخارجية، وتتلخص المرتكزات الأساسية لهذا النهج في:
- التحول من الزراعة الأحادية إلى الزراعة المتنوعة في نطاق المزرعة الواحدة وعلى مستوى البلد ككل (عكس ذلك يحدث في فلسطين، حيث يجري تركيز الاعتماد على الأحادية من قبل المؤسسات التنموية والحكومية).
- التحول من الزراعة الكيماوية، حيث كانت تستورد كوبا في السابق 23 ألف طن مبيدات لتستعملها في الزراعة الأحادية، وأصبحت بعد العام 2000 تستعمل ألف طن فقط في بعض المزارع، التي استمرت على الزراعة الأحادية. عندنا في فلسطين يزيد تكريس الاعتمادية على الكيماويات، رغم أن ظروف كوبا الطبيعية لإنتاج الغذاء بدون كيماويات أصعب بسبب الحرارة المرتفعة جداً والرطوبة العالية جداً أيضاً.
- تحولت كوبا إلى إنتاج الغذاء من الأرض للاستهلاك المحلي (خضار، فواكه، حبوب، زيوت ….) بدل إنتاج السلع الزراعية للتصدير (السكر، السيجار …)، وبذلك هي الآن تنتج نحو 97% من احتياجاتها الغذائية، فيما كانت في السابق تنتج أقل من 35% من غذائها وتستورد الباقي.
- تحولت سياسة الدولة نحو تشجيع إنتاج الغذاء بطرق الزراعة البيئية وتشجيع المزارعين على إنتاج بذورهم بأنفسهم.
- كل العمل البحثي موجهاً نحو تكريس مبدأ الاستقلالية في الإنتاج، بالاعتماد على وسائل محلية فتجد المزارع بعيداً عن الأزمات وبلا ديون، فيما عندنا يذهب البحث نحو تكريس مبدأ الاعتمادية على مدخلات الإنتاج من الخارج، بحجة "الحداثة"، فتزداد قيود المزارعين وديونهم وأزماتهم.
- يرون أن الطبيعة غنية وفيها حلول لمشاكلنا، ونحن هنا منفصلون عن الطبيعة ونعمل على تدميرها.
- الدولة ترعى الزراعة البيئية، فترى قمة الهرم تصادق مزارعين بيئيين، فهذا المزارع أميرو (عمر) يزوره راؤول كاسترو وكان يزوره فيدل كاسترو أيضاً، كما يظهر في خلفية الصورة كلا الزعيمين.

- الزراعة في كوبا بشكل عام عائلية، وهذا يتشابه إلى حد كبير مع الزراعة في فلسطين، رغم بدء سيطرة بعض الشركات على الزراعة، بدعم جهات خارجية، لم نعرفها تريد الخير يوماً لشعبنا.
- ما ساعد في تخطي “الفترة الخاصة” هي الزراعة البيئية. العلم والمعرفة كانا موجودين أيضاً. العلماء جاهزون والمختبرات موجودة والمزارع استقبل الفكرة ومضى فيها، بعد أن آمن بها. بعد التقارب مع الولايات المتحدة في عهد أوباما، بدأت محاولات إعادة الكيماويات وإدخال البذور المعدلة وراثياً، لكن ANAP، وهو اتحاد المزارعين الكوبيين ذوي الحيازات الصغيرة، تكافح لمنع هذا الارتداد من خلال الاجتماعات والعمل المباشر مع المزارعين من خلال منهج: “من مزارع لمزارع”، الذي تم تطويره في كوبا وانتقل لمناطق مختلفة من العالم.
- أملهم وعملهم أن يتحول العالم للزراعة البيئية، فهم يسافرون في أرجاء أميركا الجنوبية لتعليم أسس الإستدامة والزراعة البيئية، وكما قال أحد هؤلاء المزارعين، الذي يتجول في كوبا وفي أميركا اللاتينية: "نحن الزراعة البيئية والزراعة البيئية نحن"، ويكمل: "نحن صدرنا الزراعة البيئية للعالم لينعم الناس بالصحة، فيما يصدر غيرنا أدوات القتل والسموم الكيميائية".
التجربة الكوبية جديرة بالاهتمام والدراسة والتعلم منها ومقاربتها مع واقعنا الفلسطيني، فلن نستطيع إنتاج غذائنا وغذائنا الكافي والصحي دون الزراعة البيئية.
[1] الفترة الخاصة: أُطلقت هذه التسمية على الفترة الممتدة بين عامي: 1990 إلى 2000، عندما عانت كوبا من وضع اقتصادي مرير وكادت أن تحلّ فيها مجاعة حقيقية بسبب الحصار الإمبريالي عليها، وذلك بعد أن انهارت منظومة الدول الاشتراكية، التي كانت تتبادل مع كوبا السلع وتزودها بالنفط والمعدات والكيماويات الزراعية.