ندوة المجلة الحوارية: الواقع البيئي في غزة يستدعي دعمًا عاجلًا قبل الانهيار الكامل
|
رصد خبراء بيئيون ومختصون اقتصاديون انعكاسات سلبية خطيرة للظروف الاقتصادية على قطاعات البيئة المختلفة في القطاع الساحلي البالغ مساحته 365 كيلو متر مربع، مشددين على ضرورة أن تبذل الجهات المختصة جهدًا مضاعفًا تجاه الدول المانحة لحشد التمويل اللازم للبدء بتنفيذ مشاريع بيئية وتنموية في غزة. جاء ذلك خلال ندوة حوارية نظمتها مجلة آفاق البيئة والتنمية الصادرة عن مركز العمل التنموي "معا" بمدينة غزة، بالشراكة مع مؤسسة "هينرش بل"، تحت عنوان: "انعكاسات الواقع الاقتصادي المنهار على بنية البيئة في قطاع غزة.. مؤشرات ودلائل". وشدد الخبراء البيئيون والمختصون الاقتصاديون على عدم اقحام الخلافات السياسية الفلسطينية في القضايا الخدماتية والبيئية المختلفة، ووجوب قيام المجتمع الدولي بالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي للسماح بإدخال المواد الأساسية التي تحظر إيصالها للقطاع منذ سنوات بذريعة إمكانية استثمارها لأغراض عسكرية. المشهد الحياتي الحالي في غزة يقول بأن معادلة المواطن المفلس ستؤدي إلى بلديات مفلسة وكذلك قطاع خاص ينهار ويغلق أبوابه أمام موظفيه، والذي هو ركيزة أساسية في بناء البلد ويساهم بنسبة 70% في تشغيل الأيدي العاملة في المجتمع. وأمام هذا المشهد المأساوي يصبح "الحديث عن البيئة مجرد ترف وتحصيل حاصل"، فقبل انهيار البيئة سينهار الاقتصاد والصحة والتعليم.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية / غزة
أكد خبراء بيئيون ومختصون اقتصاديون، أن واقع البيئة في قطاع غزة في تردٍ مستمر نتيجة القيود الإسرائيلية المتواصلة والخلافات السياسية الفلسطينية، وما أعقب ذلك من سوء للأوضاع الاقتصادية خلال الأشهر الأخيرة، داعين إلى تكاتف محلي ودولي لمحاولة إنقاذ المرافق البيئية قبل الانهيار المرتقب حدوثه.
ورصد هؤلاء انعكاسات سلبية خطيرة للظروف الاقتصادية على قطاعات البيئة المختلفة في القطاع الساحلي البالغ مساحته 365 كيلو متر مربع، مشددين على ضرورة أن تبذل الجهات المختصة جهدًا مضاعفًا تجاه الدول المانحة لحشد التمويل اللازم للبدء بتنفيذ مشاريع بيئية وتنموية في غزة.
جاء ذلك خلال ندوة حوارية نظمتها مجلة آفاق البيئة والتنمية الصادرة عن مركز العمل التنموي "معا" بمدينة غزة، بالشراكة مع مؤسسة "هينرش بل"، تحت عنوان: "انعكاسات الواقع الاقتصادي المنهار على بنية البيئة في قطاع غزة.. مؤشرات ودلائل".
وشدد الخبراء البيئيون والمختصون الاقتصاديون على عدم اقحام الخلافات السياسية الفلسطينية في القضايا الخدماتية والبيئية المختلفة، ووجوب قيام المجتمع الدولي بالضغط على سلطات الاحتلال الإسرائيلي للسماح بإدخال المواد الأساسية التي تحظر إيصالها للقطاع منذ سنوات بذريعة إمكانية استثمارها لأغراض عسكرية.
كما طالبوا بالسعي لتطوير الكفاءات القائمة على قطاعات البيئة المختلفة من خلال برامج تدريبية تساهم في تجاوز الأزمات المستمرة والمتراكمة.

الندوة الحوارية حول انعكاسات الواقع الاقتصادي المنهار على بنية البيئة في قطاع غزة
واقع صعب
وأكد مدير التوعية البيئية في سلطة جودة البيئة، الدكتور أحمد حلس، أن قطاع غزة الذي يعاني من كثافة سكانية عالية تزيد عن مليوني نسمة، يشهد استنزافًا للموارد الطبيعية "بشكل رهيب جدًا وبأرقام لا يمكن تخيلها"، واصفًا الواقع البيئي بأنه "صعب جدًا".
وتحدث حلّس عن سنوات عشر مضت بغزة دون إحداث أي تنمية حقيقية ترتكز على مشاريع استراتيجية كبرى نتيجة الحصار الإسرائيلي والانقسام الفلسطيني.
فمن ناحية الحصار الذي فرضته إسرائيل على القطاع بعد سيطرة حماس على مؤسسات الحكم التي كانت خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية صيف 2007، يقدر حلس عدد السلع المحظورة دخولها لغزة قرابة 3500، وهو ما أعاق عمليات التنمية والتطوير.
وأشار حلس إلى أن الانقسام السياسي بين السلطة الفلسطينية وحركة حماس منذ ذلك التاريخ حرم شعبنا من مشاريع بملايين الدولارات كان يمكن تنفيذها في قطاع غزة.
كذلك ذكر أن الحروب الإسرائيلية الثلاثة على قطاع غزة بين عامي 2008 و2014م أحدثت تدميرًا ممنهجًا للبنى التحية، فاستهدفت آلة الحرب عن قصدٍ خزانات وشبكات مياه رئيسة بغرض إحداث شلل في إمدادات المياه الواصلة إلى منازل المواطنين.
وبفعل انقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة بيّن حلس أن 120 ألف متر مكعب من مياه المجاري غير المعالجة تضخ يوميًا إلى مياه البحر، وهي تحتوي على طفيليات آدمية تقاوم الظروف المناخية ويمكنها نشر الأمراض بين المصطافين في فصل الصيف، في ظل أن البحر يعد متنفسَ السكان الوحيد.
وفي شهر أغسطس من عام 2017، رصد مركز الميزان لحقوق الإنسان وفاة طفل من غزة يبلغ من العمر خمسة أعوام؛ جراء إصابته بجرثومة في الدماغ يعتقد أنها نتيجة لسباحته في مياه بحر غزة الملوثة.

جانب من المشاركين في الندوة الحوارية حول انعكاسات الواقع الاقتصادي المنهار على بنية البيئة في قطاع غزة
عجز متفاقم
بدوره، حذّر مدير عام المياه والصرف الصحي في بلدية غزة، المهندس ماهر سالم، من أن البلدية قد لا تكون قادرة على الاستمرار في خدماتها أبعد من ستة أشهر، بسبب توقف شبه كامل للمساعدات الخارجية، وضعف عمليات تحصيل الجباية الداخلية.
وأكد سالم أن البلدية وفي ظل نقص الجباية لأقل من 7%، خصوصًا بعد التقليصات المالية التي أقرتها السلطة الفلسطينية بحق القطاع قبل أكثر من عام، باتت لا تغطي 30% من نفقاتها واحتياجاتها، كما بدت عاجزة عن دفع أقل من 50% من رواتب الموظفين.
وذكر سالم أن الأمر ذاته بات ينسحب على كامل بلديات قطاع غزة.
ومنذ أكثر من عام لجأت السلطة الفلسطينية إلى إجراءات مالية في غزة وصفتها حركة حماس التي تحكم القطاع بـ"العقابية"، ومنها تقليص رواتب موظفي السلطة ما بين 30 إلى 50 %، وإحالة الآلاف إلى التقاعد المبكر ووقف دفع مخصصات الكهرباء القادمة من إسرائيل، قبل أن تعدل عن الإجراء الأخير لاحقًا.
وتقول السلطة إن هذه الإجراءات ضرورية لإجبار حماس على تسليم مقاليد الحكم لحكومة التوافق الفلسطينية.
وأضاف سالم أن بلدية غزة تعاني من ناحية اقتصادية أكثر من غيرها من قطاعات المجتمع بغزة، في وقتٍ تغيب عنها أي مساعدة سواء من جهة الحكومة الفلسطينية أو من المؤسسات الدولية التي يمكنها تلبية احتياجاتها.
وتحدث عن غياب أي تمويل خارجي لبلديته لشراء الوقود اللازم للمولدات الكهربائية التي تشغّل مرافق البلدية، وحتى ما يمكن أن يصل فإنه لا يغطي 20% من احتياجات البلدية على نظام 8 ساعات كهرباء فقط.
ويعاني قطاع غزة حاليًا من انقطاع ساعات التيار الكهربائي لأكثر من 16 ساعة يوميًا، وهو ما يتطلب من بلدية غزة كما يقول سالم توفير 120 الف لتر سولار شهريًا من الوقود يخصص منها 55 ألفًا لتشغيل قطاعيْ المياه والصرف الصحي.
وأعرب سالم عن أسفه لأن بلديته لا تستطيع تشغيل محطات المعالجة الموجودة قرب شاطئ البحر حال انقطاع الكهرباء، إذ تضطر لضخ المياه العادمة في البحر بدون معالجة وتلك كمية لا تقل عن 25 إلى 30 ألف متر مكعب يوميًا.
ونتيجة لاستمرار الحصار الإسرائيلي وضعف الإمكانات المالية، ذكر سالم أن العديد من آبار المياه التي دمرت في الحرب الأخيرة لم يتم إصلاحها حتى منتصف شهر مايو أيار الماضي، وكان يجري إصلاحها خلال تلك السنوات بإيصال المياه عبر البلدية لمنازل المواطنين بشكل شحيح ومن خلال مصادر بديلة.
وقال إن مدينة غزة تعاني من اختلاط مياه البحر بالمياه الجوفية لمسافات بعيدة عن البحر وهو ما يسبب استنزافًا ماليًا إضافيًا للبلدية ودمارًا لخطوط نقل المياه، لافتًا إلى أن البلدية استبدلت خلال السنوات الثلاث الماضية حوالي 150 كم من الشبكات وهي بحاجة إلى استبدال 150 كم أخرى.
كذلك نبه سالم إلى حاجة بلدية غزة لتحديث أسطول سياراتها المستخدمة منذ العام 1999، ونتيجة لذلك لجأت البلدية إلى التعاقد مع "جيش" من عربات الكارو لجمع النفايات من أماكن المدينة المختلفة.
وما يزيد الأمر سوءاً كما يقول بأن البلدية تدفع أجرة هؤلاء العاملين من ميزانيتها بعد أن كانت تدفع لهم عن طريق جهات مانحة وتقدر بمليون شيكل شهريًا.

جودة مياه شاطء غزة
قيود إسرائيلية
وذكر المهندس نهاد الخطيب، من مصلحة مياه بلديات الساحل، أن إسرائيل تمنع ادخال مواد أساسيةً لغزة تتعلق بتشغيل منشآت المياه والصرف الصحي، وتنفيذ المشاريع المرتبطة بذلك.
ومن أهم المواد الممنوعة مثلًا أسياخ اللحام والأسلاك المعدنية المستخدمة بشكل مكثّف في "شد" المضخات والمراوح السطحية، و "الكيميكال" اللازم لتحلية المياه، واللوحات الالكترونية حتى لو كان الاحتياج إلى جزئيات منها فقط.
كذلك أشار إلى منع إدخال المولدات الكهربائية الكبيرة في ظل أزمة الكهرباء المستمرة في قطاع غزة منذ 12 عامًا.
لذلك يصف مهمة تشغيل منشآت المياه والصرف الصحي بأنها صعبة وتجعل مصلحة المياه غير قادرة على تجاوز هذا الأمر.
ولفت النظر إلى إلغاء العديد من المشاريع التطويرية لقطاعات المياه والصرف الصحي بعد انتهاء مهلة المانحين للاستفادة من تلك المشاريع وذلك بسبب ظروف الحصار ومنع إدخال السلع إلى القطاع.
وذكر الخطيب أن هذا الأمر انعكس بشكل سلبي من ناحية اقتصادية على المقاولين الفلسطينيين وسبب خسارات بين بعضهم، فضلًا عن تأثر المصانع والعمال.
ولذلك يشدد الخطيب على أن الاحتلال الإسرائيلي يظل المصدر الأساسي للمعاناة من خلال تحكمه في كل مفاصل الحياة في قطاع غزة.
الفقر
بدوره أكد الخبير الاقتصادي إبراهيم العجلة أن معدلات الفقر في قطاع غزة وصلت بحسب آخر تقرير لجهاز للإحصاء الفلسطيني إلى 53 % وأن أكثر من نصف السكان دخلوا خط الفقر العام.
وبحسب العجلة، فإن خط الفقر لأسرة مكونة من خمس أشخاص هو 2450 شيكل.
وقال: "نحن أمام معضلة وحلقة مفرغة تقودنا إلى وضع أسوا مما كان عليه، طالما أن العوامل المعززة للتراجع الاقتصادي أكثر من تلك المعززة للتقدم الاقتصادي".
وتحدث العجلة عن غياب الموارد الاقتصادية لدى الأطراف الفاعلة سواء على صعيد البلديات أو مصلحة مياه بلديات الساحل، مضيفًا أن السلطات الحاكمة بغزة تنعدم لديها الرؤية لانتشال الواقع البيئي في ظل أنها لا تمتلك الموازنات الكافية، ووضعها المالي "شبه معدوم"، في وقت ليس للسلطة الفلسطينية أي سلطة حقيقية على الأرض، كما قال.
وذكر أن قطاع غزة يشهد تجفيفًا متزامنًا للمال من كافة الأطراف الممولة، وبالتالي تراجعت الإيرادات المالية للسلطات بغزة بشكل كبير، حتى أن الدول المانحة لم تفِ بتعهداتها لاستكمال مشاريع الإعمار منذ سنتين، وفي الوقت ذاته قلصت الدول المانحة إلى حد كبير دعم موازنة السلطة في رام الله سواء لتغطية عجز الموازنة او حتى لدعم الموازنة التطويرية.
وأكد أن التلوث البيئي يتطلب بنى تحتية وهي تحتاج إلى سلطة رسمية تنسق مع الدول المانحة، باعتبار أن السلطة لا تستطيع تغطية كامل تكاليف البنى التحتية لتكلفتها المرتفعة.
وتابع أنه "لا يمكن أن يحدث انتعاش اقتصادي في ظل الحصار والانقسام، والتجربة دلت على ذلك، وبالتالي نحن أمام مشهد أسود مفتوح على مصراعيه لتفاقم ما هو موجود".
وذكر أنه حتى في ظل الانقسام فما تم انجازه من محطات التحلية والصرف الصحي تم عن طريق السلطة ومن ثم في ظل هذا الوضع السياسي الصعب، أضاف: "لست في معرض توزيع تفاؤلات مجانية، لأن القادم أصعب".
وتابع أن التجارب حول العالم أثبتت بأن تدهور الوضع البيئي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحالة الاقتصاد المتردية مضيفا أن الاقتصاد مطلوب منه أن يمنع التلوث البيئي بموازنات تخصص لذلك من خلال المؤسسات المعنية، وأيضًا من خلال المؤسسات الصناعية والخدمية.
وقال العجلة بأنه تم افقار المجتمع الفلسطيني سواء على صعيد الأسرة أو القطاع الخاص، وهو ما أدى إلى أن القدرة الشرائية للأسر تراجعت بشكل كبير وبالتالي تراجعت مبيعات القطاع الخاص الذي عادةً ما يرفد اقتصاد الدولة بحصة كبيرة من الاستثمارات وفرص العمل.
وتحدث عن جيل من الشباب الضائع في غزة الذي يعتبرُ الثروة البشرية وعنصر العمل الرئيس في إنجاز التنمية، الذي أضحى جيلًا معالًا في ظل الظروف الاقتصادية السيئة.

نقاش ساخن في الندوة الحوارية حول انعكاسات الواقع الاقتصادي المنهار على بنية البيئة في قطاع غزة
تجفيف المنابع
ويتقاطع مع العجلة رئيس منتدى الإعلام الاقتصادي ورئيس تحرير صحيفة الاقتصادية الصادرة من غزة محمد أبو جياب مشيرًا إلى سوء الأحوال الاقتصادية في غزة وانعكاساتها على الواقع البيئي من خلال إجراءات تجفيف المنابع والتمويل ووقف التمويل الدولي وتقليص رواتب موظفي السلطة بغزة، وأخيرًا التضييق على الشركات وتوقف العديد منها عن العمل.
لذلك أصبحت البلديات عاجزة عن دفع رواتب موظفيها وحتى عن توريد قطع الغيار والصيانة اللازمة لتقديم خدماتها، بحسب أبو جياب.
وإن كان يُعتقد بأن المجتمع الدولي لن يسمح بحدوث أزمة إنسانية في قطاع غزة "عبر الإبقاء على الإسعافات الدولية التي تحافظ على البقاء"، لكن يرى أبو جياب أن خدمات البلديات ستنهار خلال أشهر إذا ما استمرت الأمور على حالها.
ولفت أبو جياب النظر إلى أن الشركات الكبرى سجلت تراجعات كبيرة في السيولة النقدية دفعتها لتقليص إنفاقها في غزة إلى النصف، وهذا ما يؤثر على مساهماتها المجتمعية والإنمائية غير النقدية التي تساهم بها تحت اتفاقات غير معلنة.
ويشير إلى أن معادلة المواطن المفلس ستؤدي إلى بلديات مفلسة وكذلك قطاع خاص ينهار ويغلق أبوابه أمام موظفيه، والذي هو ركيزة أساسية في بناء البلد ويساهم بنسبة 70% في تشغيل الأيدي العاملة في المجتمع.
وأمام هذه المعطيات فإن أبو جياب يرى أن "الحديث عن البيئة مجرد ترف وتحصيل حاصل"، فقبل انهيار البيئة سينهار الاقتصاد والصحة والتعليم.
وفي مقدمة مداخلته، تحدث أبو جياب عن غياب التخطيط السياسي والإستراتيجي منذ قدوم السلطة الفلسطينية إلى أرض الوطن وإلى اليوم.
وقال: "علينا أن نعترف بحقيقة الفشل في التخطيط والفساد في المال، لذلك نحن نعيش نتائجها الآن، وفاقمها الانقسام السياسي في 2007.