لماذا لا نستغل المؤسسات الأمنية والعسكرية لصالح الإنتاج الاقتصادي الزراعي؟؟ ...الأديرة نموذجاَ

الأب لويس في دير اللطرون
خاص بآفاق البيئة والتنمية
تتميز الاديرة المنتشرة في مختلف ربوع الأرض الفلسطينية بخضرتها الموشاة بأنواع مختلفة من أشجار الزيتون والحمضيات وكروم العنب، كما تعد ممارسة الزراعة جزءاً من طقوس العبادة والحياة اليومية للرهبان الذين يتعلمون الى جانب الصلاة "قيمة العمل" وذلك لتأمين قوت يومهم بالدرجة الأولى، وتوفير انتاج يدر عليهم دخلاً مستداماً يغنيهم عن طلب المعونات من الخارج.
وخير مثال على الأديرة المنتجة: دير الكريمزان في بيت جالا واللطرون جنوب شرقي الرملة، والكنيسة اللوثرية في القدس، الذين ينتجون الزيت والزيتون والعنب والعسل، ثروات مغلّفة بحب العمل ضمن منظومة اقتصادية انتاجية تجعل من الوقت المتاح (كان قصيراً أم ممتداً)، أكبر استثمار نحو الاكتفاء الذاتي ودعم الاقتصاد الوطني، وبلا شك ممارسة هواية ممتعة تعزز قيماً كثيرة.
أطلقت مجلة آفاق البيئة والتنمية مبادرة لأول مرة تناقش اعلامياً متكئة على تجارب الاديرة وتحديداً "دير اللطرون" الفريد في منظومته الاقتصادية من حيث انتاج العسل والعنب، لتتساءل عن امكانية تطبيق تلك النماذج الايجابية في المؤسسات الأمنية والعسكرية الفلسطينية التي يقضي عناصرها فيها وقتا طويلاً يتخلله بلا شك أوقات فراغ، متسائلةً: ما المانع من استغلال الوقت لدعم المنظومة الاقتصادية الوطنية؟؟
قبل الاجابة على هذا السؤال، ستأخذكم مجلة آفاق في جولة الى دير اللطرون بالقرب من منطقة عمواس الشهيرة بغطائها الأخضر وغاباتها (هجر أهلها الفلسطينيون خلال النكسة) والذي تأسس عام 1890 حين اتى بضعة رهبان من دير "سيت فون" في فرنسا الى فلسطين وشرعوا في بناء الدير لنشر الحياة الكنسية التي تقوم على التأمل والصلاة والعمل اليدوي.
من تحت شجرة خروب أضفى ظلها برودة منعشة تحدث الأب لويس لبناني الأصل عن منظومة العمل المنتج بالدير والذي ابتدأ مع الرهبان الأوائل نهاية القرن الـ19 حيث اعتمدوا في حياتهم المادية على الزراعة، فبدأوا منذ الأيام الأولى بغرس الزيتون والكرمة والحبوب والبقول في الاراضي الزراعية الخصبة، والصنوبر والسرو في الاراضي الصخرية. وفي عام 1926 شرع الرهبان بتشييد الدير بالشكل الذي نراه اليوم.
يكمل الأب لويس بصوت خافت يشي عن اطمئنان وراحة: "على الراهب ان يأكل خبزه بعرق جبينه، فالأعمال لدينا متنوعة من عمل في الارض، زراعة الحبوب، الخضراوات، الكرمة، الزيتون والأشجار المثمرة، العمل المهني: النجارة، البناء،...الخ كل جهد يؤدي الى تحسين ظروف الحياة، هو تعاون في الخلق ومشاركة في فداء العالم".
الأب لويس الذي تجاوز عمره السبعين، وما زال يتمتع بشباب ملحوظ، يذكر الصعوبات التي واجهته وهو في عمر الصبا حين أخبر ذويه برغبته في الترهبن، ما فجر معارضة كبيرة ليست فقط من الأهل بل من كل أهالي الحي الذي كان يقطنه في منطقة جبيل اللبنانية، الأمر الذي لم يحده عن رغبته وهي تكريس حياته للرب، ومع السنين تأكد أن خياره كان صائباً
حديقة ساحرة في دير اللطرون
العنب والعسل وأكثر من قرن من الاستدامة
بالعمل تتحول الصحراء الى جنة" وفق هذه المقولة يؤكد الاب لويس أن الرهبان الاوائل حين جاءوا الى منطقة اللطرون لم تكن الطريق مفروشة لهم بالورود، بل وجدوا أمامهم مساحات شاسعة من أرض آسنة مليئة بالبعوض المسبب للملاريا، بعضهم لم يكن على قدر الجهد ولكن بعضهم الاخر استمر وقرر البدء من الصفر، فتم القيام بتجفيف مستنقعات الارض وحراثتها وزراعة اشجار الزيتون، ولا حظوا ان طبيعة المنطقة موائمة لزراعة كروم العنب، فكست الدوالي مساحات لا باس بها من الارض وذلك منذ عام 1899 حتى يومنا هذا.
خلال فترات مختلفة من عمر الدير، زرع الرهبان القمح والشعير والكرسنة والذرة وانتجوا مئات الأطنان من الحبوب، وكذلك بالنسبة للزيت والزيتون والعنب، والحليب والاجبان والعسل، توقفت الكثير من المنتجات لأسباب مختلفة وبقي العسل والعنب والزيت علامات شهيرة لإنتاج الدير حتى اليوم حيث يباع محلياً بدرجة كبيرة ويصدر للأردن ودول مجاورة.
اخر كمية للعنب في عام 2014 تشير إلى انتاج 237 طن عنب، و 1066 كيلوغرام من العسل، كما تم انتاج مئات الاطنان من الزيت والزيتون.
 |
 |
| اللواء عدنان الضميري يمارس الزراعة |
مواطن غزي يرعى أشتال الخضروات على سطح منزله |
اللواء الضميري: مبادرة مجلة آفاق مهمة وتستحق منا الاهتمام
بعد التجربة الايجابية التي لمستها آفاق في دير اللطرون، توجهت بفكرتها التي قد يراها البعض غير متوقعة للاستفسار عن امكانية تطبيق تجارب مماثلة في مؤسسات تختلف في مضمونها بشكل كبير عن الأديرة لكنها تتشابه في جزئية الوقت الطويل وخاصةً المؤسسة الامنية والعسكرية الفلسطينية، فكان هذا الحديث مع اللواء عدنان الضميري المفوض السياسي العام والناطق بإسم المؤسسة الأمنية العسكرية الفلسطينية بخصوص تفعيل دور المؤسسات الامنية انتاجياً، وفي لقاء اتسم بالايجابية تحدث اللواء الذي يعشق الزراعة ويمارسها في اوقات فراغه في بلدته الام طولكرم:
"رجل الأمن بالكاد يجد وقت الفراغ حيث ان مسؤوليته هو انفاذ القانون وتوفير الحماية للمواطنين"، لكن البيئة دائماً في اجندتنا وهذا يمكن الإشارة إليه من خلال اتفاقية تعاون بيئية مع سلطة جودة البيئة، تساهم فيه المؤسسة الأمنية في تخضير الوطن والمبادرة المستمرة في زراعة اشجار الزيتون وتلك الحرجية التي يتم اقتلاعها بفعل الاحتلال وخاصة في الاغوار والأراضي القريبة من الجدار، كما يتم المشاركة في حملات النظافة ضمن اللجان الشعبية ومؤسسات المجتمع المدني، وتساهم قوات الامن في تنظيف البيئة من الألغام الناجمة عن الاحتلال الاسرائيلي.
وتوضيحاً من ضميري فتتألف المؤسسة الأمنية الفلسطينية في المحافظات الشمالية والجنوبية باستثناء قطاع غزة من حوالي 30 الف عنصر أمن وضابط موزعين على ثلاثة اجهزة مركزية تتشكل من الشرطة والدفاع المدني، والأمن الوقائي والوطني والمخابرات العامة. العمل يتراوح بين دوام عادي ( 8 ساعات يومياً) ودوام كامل 24 ساعة يتم على دوريات في مقرات تتسم بأنها ابنية في المدن والمناطق الريفية، في كل محافظة من محافظات الوطن مقر أمني يتألف من مديرية للشرطة، قيادة امن وطني، مخابرات عامة، الضابطة الجمركية والاستخبارات العامة.
الزراعة على الشرفات
تجربة زراعية يتيمة بعد أوسلو باءت بالفشل
ورغم تأكيد الضميري أن مقرات الابنية تتركز بأبنية اسمنتية إلا انه اعلن انفتاحه على أي مشروع من شأنه ان يستغل الاوقات المتاحة لزراعة وإنتاج مدخول اقتصادي جيد، عبر الزراعة على الأسطح والشرفات ( راجع مقالات عن الزراعة المنزلية منشورة على آفاق*) والحدائق المحيطة في حال وجدت، مشيرا الى تجربة صغيرة ما زالت تطبق حتى اليوم وتتمثل في فرني خبز في احدى مقرات الامن الوطني لتوفير احتياج العناصر من هذا الغذاء الهام.
"نحن مستعدون للجلوس مع أي مؤسسة تملك الامكانيات الفنية لتنفيذ المشروع حيث سنبدأ بتوعية افراد الاجهزة بالبيئة وقضايا الزراعة أولاً، ومن ثم التطبيق العملي للبدء بتنفيذ المشاريع المنتجة ليست فقط في المقرات، ولكن أيضاً التطلع لتعميم التجربة بشكل شخصي كل عنصر في بيته ومحيطه".
وأشار الضميري الى تجربة تكبدت بالفشل بسبب عدة عوامل ارتبطت بغياب الخبرة والمتابعة والتدريب الكافي، ألا وهي تجربة زراعة اراضي مقرات الامن الوقائي في اريحا عام 1996 بكروم العنب، والخضراوات وإنتاج البيض عبر تربية الدواجن، لكن التجربة انتهت بعد عامين من البدء بها مع خسائر مادية كبيرة، متأملا ان تتكرر التجربة ولكن مع متابعة وتدريب مهني أكثر يضمن الاستدامة لمثل تلك المشاريع.
الخبير الزراعي الفلسطيني سعد داغر
داغر: انتاج عضوي صحي وهواية ممتعة
الخبير الزراعي الفلسطيني سعد داغر وفي معرض سؤاله عن مثل تلك المبادرات الايجابية اجاب بالقول: " العمل في الزراعة او أي مهنة منتجة لا تعيق مهام الدوام بشكل مباشر يعتبر امراً غاية في الاهمية ومهارة فردية يكتسبها الشخص وتفيده في حياته بشكل عام، وخاصةً بعد التقاعد حين تشتد وتيرة وقت الفراغ فيجد في العمل الخفيف ما يشغل يومه ويوفر له انتاجاً يغطي بعضاً من حاجات اسرته الغذائية.
وأكد داغر ان ممارسة الزراعة استغلال امثل لحالة الملل الناجمة عن اوقات الفراغ، مشدداً ان الطريقة المثلى لاستدامة مثل هذه المشاريع تتمثل في التدريب النظري القصير والعملي الطويل المدى، فالزراعة اليوم لا تحتاج الى مساحات يكفي انهم يملكون الاسطح والشرفات لإنتاج مدخول اقتصادي جيد من خلال الزراعات البسيطة من اعشاب طبية كالنعنع والميرامية والزعتر والريحان، أو زراعة الخضراوات، او تربية الدواجن وإنتاج البيض.
وأشاد داغر بالفكرة التي طرحتها مجلة آفاق والتي تتميز بجوانبها المختلفة التي تبدأ بممارسة الزراعة كعملية تهذيبية للنفس تعزز علاقة الانسان مع الطبيعة أولاً، وتؤمن انتاجاً جيداً يؤمن مخرجات صحية عضوية، كما ان التجربة لن تقتصر على المقرات بعناصرها بل سيعمم كل فرد التجربة على اسرته ومحيطه، فيتحول المجتمع رويدا رويدا من مجتمع مستهلك الى مجتمع منتج يكتفي ذاتياً من ابسط المساحات المتاحة له.
ولفت داغر الى جانب هام ألا وهو المخلفات العضوية التي تخرج من المقرات الامنية والتي يمكن استغلالها عبر تدريب افراد الاجهزة على صناعة الكومبوست "السماد العضوي" الهام جداً في عملية الزراعة.
وأكد داغر أن لعناصر الاجهزة الامنية دور رئيسي في عمليات التنمية والتخطيط في حال تم توجيههم لهذا الاتجاه، مؤكداً انه يملك مبادرة لا تستغرق وقتا او جهداً من شأنها في حال طبقها رجال الامن تحويل فلسطين الى ارض خضراء، وتعتمد تقنية داغر التي تعلمها من مهندس زراعي ياباني على كرات من الطين داخلها بذور لأشجار حرجية وانواع أخرى مختلفة، يتم القاؤها على التربة قبل هطول الامطار فتنغرس البذرة بعد ايام بالأرض وتنبت الشجرة، معلناً استعداده القيام بمهام التدريب من اجل تطوير فكرة "رجل امن يقوم بمهامه المنوطة به في كفة، وينتج غذاءً عضوياً في كفة أخرى".
*لفهم أعمق لآليات الزراعة المنزلية وكيفية تطبيقها، يرجى قراءة المقالين التاليين للخبير البيئي جورج كرزم حول الزراعة على الأسطح وفي المنازل:
http://www.maan-ctr.org/old/pdfs/Pamphlet/home%20without%20garden.pdf
 |
 |
| دير اللطرون |
عناصر الأمن الفلسطينيون يساهمون في تعشيب وتنظيف إحدى المقابر |