من الرياح إلى الاحتلال.. جاغوب تُلقي الضوء على خريطة المخاطر الزراعية الفلسطينية
خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
مع تصاعد التحديات المناخية والمضايقات السياسية التي تحاصر القطاع الزراعي الفلسطيني، برزت "خريطة المخاطر الزراعية في فلسطين" أداةً تحليلية وإستراتيجية تهدف إلى تشخيص الواقع الميداني، وتوجيه السياسات الزراعية نحو حماية المزارعين وتعزيز صمودهم. لم تعد المخاطر التي تواجه الزراعة في فلسطين مقتصرة على الظواهر الطبيعية كالصقيع أو الجفاف، بل باتت تتداخل تداخلاً معقّدًا مع ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، من مصادرة للأراضي وهدم للبنية التحتية، إلى تقنين المياه وعرقلة سلاسل الإمداد.
|
 |
| جمانة جاغوب مدير عام التأمينات الزراعية في وزارة الزراعة الفلسطينية |
مع تصاعد التحديات المناخية والمضايقات السياسية التي تحاصر القطاع الزراعي الفلسطيني، برزت "خارطة المخاطر الزراعية في فلسطين" أداة تحليلية وإستراتيجية تهدف إلى تشخيص الواقع الميداني، وتوجيه السياسات الزراعية نحو حماية المزارعين وتعزيز صمودهم.
لم تعد المخاطر التي تواجه الزراعة في فلسطين مقتصرة على الظواهر الطبيعية كالصقيع أو الجفاف، بل باتت تتداخل تداخلاً معقدًا مع ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، من مصادرة للأراضي وهدم للبنية التحتية، إلى تقنين المياه وعرقلة سلاسل الإمداد.
مراسلة "آفاق البيئة والتنمية" أجرت حوارًا مع جمانة جاغوب مدير عام التأمينات الزراعية في وزارة الزراعة الفلسطينية، لتسليط الضوء على أهم مخرجات الخارطة، ودورها في فهم التهديدات البيئية والسياسية التي تطال الزراعة الفلسطينية، وكيف يمكن تحويل هذه المعرفة إلى أدوات للتخطيط والاستجابة والتأمين الزراعي.
تناولنا معها أبرز مصادر التهديد التي كشفتها الدراسة، وتوزيعها الجغرافي، وتأثير فقدان التنوع الحيوي، والتشابك بين الاحتلال والتغير المناخي، وصولًا إلى أبرز التوصيات العملية والنماذج الدولية التي يمكن أن تُلهم التجربة الفلسطينية في بناء نظام زراعي أكثر مرونة واستدامة.

خريطة المخاطر الزراعية الفلسطينية القصوى
س: ما هي أهم المخاطر الطبيعية التي تهدد المزارع الفلسطيني اليوم؟ وهل تغيّر ترتيب هذه المخاطر بسبب التغير المناخي في السنوات الأخيرة؟
ج: تشير خارطة المخاطر الزراعية التي أعدتها الوزارة، بالتعاون مع شركاء من المؤسسات الوطنية والدولية، إلى أن الرياح الشديدة تمثل اليوم الخطر الطبيعي الأكثر تكرارًا وتأثيرًا على الزراعة الفلسطينية.
فقد سُجّلت أكثر من 1200 حالة ضرر ناتجة عن الرياح في السنوات الخمس الماضية، وارتفعت نسبة الخسائر الناتجة عنها ارتفاعاً ملحوظًا.
هذا الواقع يعكس تحولات مناخية واضحة شهدتها فلسطين، تتمثل في تزايد فترات الجفاف، والتذبذب في مواعيد الأمطار، وظهور ظواهر غير معتادة مثل "القبة الحرارية".
في السابق، كان الصقيع يحتل المرتبة الأولى بين المخاطر المناخية، إلا أن الرياح أصبحت الآن مصدر تهديد أكبر، لا سيما في المناطق المكشوفة مثل الأغوار وشمال الضفة الغربية.
وتُعد هذه الظاهرة مؤشرًا مباشرًا على تغير المناخ في المنطقة، حيث أصبحت دورات الطقس غير مستقرة، وتزايدت الحوادث المناخية المتطرفة.
الدراسة البيئية تؤكد هذا التحول؛ إذ أن الرياح العاتية باتت تمثل أكثر من 35% من الخسائر المناخية في الموسم الزراعي الأخير، مقارنة بنسبة 18% فقط قبل خمس سنوات.

مخاطر الإنتاج الفلسطيني
س: هل هناك مناطق جغرافية في الضفة الغربية وقطاع غزة أكثر هشاشة بيئية أو عرضة لمخاطر متعددة حسب الخارطة؟ ولماذا؟
ج: نعم، تُبيّن الخارطة أن بعض المناطق في الضفة الغربية وقطاع غزة تغلب عليها بدرجات متفاوتة الهشاشة البيئية، أبرزها الأغوار الشمالية وجنوب قطاع غزة.
هذه المناطق لا تواجه خطرًا واحدًا، بل سلسلة متراكبة من المخاطر، تشمل الجفاف، التصحر، تآكل التربة، والفيضانات المفاجئة، إضافة إلى الضغوط السياسية والقيود المفروضة من الاحتلال الإسرائيلي.
في الأغوار، يُضاف إلى التغير المناخي عامل المصادرة المستمرة للأراضي ومصادر المياه، ما يخلق بيئة غير مستقرة ومثقلة بالمخاطر.
في قطاع غزة، يؤدي الحصار والاعتداءات المتكررة إلى تدمير البنية التحتية الزراعية، ما يجعل أي تغير بيئي مضاعف الأثر.
الدراسة البيئية توضح أن هذه المناطق تسجل أعلى مؤشر لخطر التدهور البيئي، وتُصنف ضمن "المنطقة الحرجة" التي تتطلب تدخلًا فوريًا من الجهات الحكومية والداعمة.
س: إلى أي مدى يؤثر تدهور التنوع الحيوي الزراعي (كفقدان سلالات محلية) في تعميق المخاطر البيئية للزراعة؟
ج: التنوع الحيوي الزراعي هو صمام الأمان أمام الأزمات المناخية والصحية في النظم الزراعية.
فقدان السلالات المحلية التي غالبًا ما تكون أكثر تكيفًا مع المناخ المحلي وخصائص التربة، يضعف قدرة الزراعة الفلسطينية على الصمود أمام الأمراض والتغيرات المناخية؛ على سبيل المثال تشير الدراسة البيئية إلى أن أصناف القمح المحلية كانت أكثر مقاومة للجفاف مقارنة بالأصناف المستوردة، لكن مع التوسع في استخدام الأخيرة، باتت الأراضي أكثر عرضة لفشل المحاصيل في المواسم القاسية.
كما أن انقراض سلالات الدواجن البلدية، بسبب الإغراق بالسلالات التجارية، أدى إلى تراجع الأمن الغذائي الأسري في المناطق الريفية، حيث كانت تلك الدواجن تشكل مصدر بروتين محلي منخفض التكلفة.
وبالتالي، فإن الحفاظ على التنوع الحيوي لا يُعد ترفًا بيئيًا، بل ضرورة اقتصادية وأمنية وإستراتيجية لحماية الإنتاج الوطني وتعزيز قدرة المجتمع على التكيف.

س: كيف تُدرَج السياسات الإسرائيلية ضمن "المخاطر الزراعية'؟ وهل التعامل معها تحليليًا يختلف عن الكوارث الطبيعية؟
ج: السياسات الإسرائيلية تُعد من أشد أنواع المخاطر التي يواجهها المزارع الفلسطيني، لكن التعامل معها يتطلب منهجًا تحليليًا مختلفًا.
فبينما تُعامل الكوارث الطبيعية على أنها أحداث طارئة وعشوائية، تُصنّف الممارسات الإسرائيلية "مخاطرَ مزمنة ومتعمدة"، تهدف إلى تآكل القاعدة الإنتاجية الوطنية تدريجًا.
وتتضمن هذه السياسات مصادرة الأراضي، وتقييد حركة المزارعين، وهدم المنشآت الزراعية، ومنع الوصول إلى مصادر المياه.
تُظهر الخارطة أن هذه المخاطر تُسجل أعلى معدل تكرار في مناطق التماس، مثل شمال سلفيت وجنوب الخليل.
وتوضح الدراسة البيئية أن 40% من مجمل المخاطر المسجلة في الضفة الغربية هي ذات طابع سياسي، وقُدِّر تأثيرها الاقتصادي بما يزيد على 150 مليون دولار سنويًا من الخسائر المباشرة وغير المباشرة.

س: هل توجد آلية لتفكيك العلاقة المركبة بين المخاطر البيئية الناتجة عن الاحتلال وتلك الناتجة عن التغير المناخي؟
ج: التمييز بين المخاطر البيئية والسياسية ليس دائمًا ممكنًا، لأن الاحتلال غالبًا ما يعمّق أثر التغير المناخي.
ومع ذلك، حاولت الدراسة البيئية بناء أنموذج تحليلي يعتمد على المقارنة المكانية والزمنية، لتحديد مدى تأثير كل عامل على حدة.
وقد توصلت إلى أن الاحتلال يضاعف أثر الكوارث الطبيعية في المناطق المصنفة (ج)، حيث تكون القدرة على التدخل الحكومي محدودة للغاية.
على سبيل المثال، في حالات الجفاف، تزداد الخسائر في مناطق يُمنع فيها حفر الآبار أو إقامة خزانات المياه، ما يعني أن الخطر الطبيعي يتحول إلى أزمة مركبة جراء التدخل البشري الاحتلالي.
بالتالي، تفكيك العلاقة يتم بالدمج بين أدوات الرصد الميداني والتحليل السياسي، وهو ما بدأت وزارة الزراعة تنفيذه عبر استخدام الخرائط التفاعلية وبيانات الأقمار الصناعية.
في المجمل، تعكس خارطة المخاطر الزراعية في فلسطين واقعًا شديد التعقيد، يتقاطع فيه المناخي بالسياسي، والطبيعي بالممنهج.
وكما أوضحت جمانة جاغوب، فإن الزراعة الفلسطينية ليست فقط ضحية تغير المناخ، بل أيضًا رهينة لسياسات استعمارية تقيّد قدرتها على التكيّف والبقاء.
لقد أظهرت الدراسة البيئية المرافقة، والخارطة المستندة إليها، أن بناء سياسات زراعية مستدامة في فلسطين يتطلب أكثر من مجرد دعم تقني أو تمويل مؤقت، بل يستدعي إعادة تعريف العلاقة بين الأرض والمزارع، وبين الدولة والبيئة، عبر أدوات تأمين ذكية، وإنذار مبكر، وتدخلات تنموية مبنية على فهم جغرافي دقيق لمواطن الضعف والهشاشة.
ومع استمرار التحديات، تبقى الخارطة أداة بالغة الأهمية لصناع القرار، ليس فقط لتوجيه الموارد، بل لصياغة خطاب سيادي بيئي يعترف بأن السيادة على الغذاء تبدأ بالقدرة على حماية الأرض، وتحليل المخاطر، وبناء نظم البقاء قادرة على الاستمرار وسط العواصف.
أرقام ومؤشرات بارزة في الدراسة التي استندت إليها المقابلة:
- الرياح: الخطر الطبيعي الأكثر تكرارًا
سُجلّت 1,206 حالة تضرر بسبب الرياح، لتصبح الخطر الطبيعي الأكثر تكرارًا وتأثيرًا على الزراعة.
يليها الصقيع بـ 522 حالة، ثم "القبة الحرارية" بـ 243 حالة.
- المخاطر السياسية في "المنطقة الحرجة":
أكثر من 40% من المخاطر السياسية تقع ضمن المنطقة الحرجة.
أبرزها: القيود العسكرية (168 حالة)، مصادرة الأراضي (101 حالة)، اعتداءات المستوطنين (87 حالة).
- الآفات والأمراض تهدد الإنتاج النباتي والحيواني:
221 حالة مرتبطة بهجمات من الحيوانات البرية (مثل الخنازير والغزلان).
201 حالة للآفات الزراعية، وهي من أخطر التهديدات خاصة لمحاصيل مثل العنب والخيار.
أكثر من 75% من المخاطر السوقية مصنّفة بأنها حرجة.
تشمل عدم تصريف الفائض، تذبذب الأسعار (112 حالة)، وتلف الحبوب في المخازن.
- الزراعة في غزة مهددة بشدة:
الدراسة تشير إلى أن جنوب قطاع غزة يُعد من أعلى المناطق هشاشة بسبب شح المياه، والحصار، وتهالك البنية التحتية.
- التنوع الحيوي والوراثي مهدد:
انقراض السلالات المحلية، وتغير البذور بسبب الاعتماد على الاستيراد، صُنّفت ضمن المخاطر الحرجة.
- طلب المزارعين على التأمين الزراعي:
نحو 66% من المزارعين يفكرون في الاشتراك بالتأمين الزراعي.
الطلب الأعلى كان في قطاع الدواجن البياض (نحو 83%) يليه مزارعو الخيار والبندورة.
- أولويات المزارعين في التأمين:
حوالي 85% عدّوا المخاطر الطبيعية (مثل الجفاف والفيضانات) هي الأكثر تأثيرًا على قرارهم في شراء التأمين.
- إجراءات الحماية والوقاية:
نحو 99% من المزارعين يعتمدون على حلول مباشرة مثل البرّادات.
فقط 19% يقدمون أعلافًا تكميلية استعدادًا للكوارث.
ضرورة إنشاء نظام إنذار مبكر يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
تحديث خارطة المخاطر كل ثلاث سنوات.
تطوير برامج تأمين مرنة وموجهة حسب طبيعة الخطر والموقع الجغرافي