أحد أجهزة الحرية في الأردن
خاص بآفاق البيئة والتنمية
تل الرميدة وشارع الشهداء إسمان يرتبطان في أذهاننا بالصمود والمقاومة ضد ابشع أشكال الاستيطان الصهيوني. فطالما سمعنا عن الاعتداءات الإرهابية من قبل المستوطنين التي يتعرض لها أهالي هذا الحي الذي يقع في قلب المدينة القديمة للخليل.عند زيارة تل الرميدة، يسهل معرفة أهمية السيطرة عليه من قبل المستوطنين وجيش الاحتلال. فبالإضافة لجمال المنطقة الفائق وشجر الزيتون الرومي المحيط بها، فإن التلة تقع في موقع إستراتيجي مشرف على البلدة القديمة وعلى جزء كبير من مدينة الخليل. وقد نجحت الاعتداءات اليومية في تهجير العديد من العائلات الفلسطينية، لكن في السنوات الماضية بدأ شباب المنطقة يتجمعون لتنظيم حراك مستقل لا عنفي باسم "شباب ضد الاستيطان" يهدف لإنهاء الاستيطان من خلال وسائل العمل الجماهيري. ويشاركهم افراد ومؤسسات من شتى انحاء العالم لتعزيز صمود المنطقة ضد الاعتداء والتهجير. ومن بين هذه المؤسسات شركة ميزان غير الربحية من الأردن، التي بدأت بإنشاء مشروع ريادي على أحد أسطح المنازل الواقعة على تل الرميدة، في محاولة لقلب المعادلة وتعزيز قدرة سكان المنطقة على الاكتفاء الذاتي فيما تسميه ميزان "جهاز الحرية".
-ما هو جهاز الحرية؟
تشرح الصفحة الالكترونية لـ "ميزان" من خلال الصور والأفلام القصيرة طريقة عمل الجهاز. ويبدو جهاز الحرية لأول وهلة كبيت بلاستيكي وضع على سطح بناية. وهو كذلك ولكن وظائفه تفوق وظائف البيت البلاستيكي فهو يعمل بنظام الزراعة المائية السمكية (الأكوابونكس) والتي لا تعتمد على وجود تربة غنية للزراعة بل على حلقة مغلقة من المخلفات الطبيعية للسمك كتلك الموجودة بالطبيعة. فالجهاز مزود بأحواض زراعة مائية وأحواض لتربية السمك. ينتقل الماء الموجود في الجهاز بين أحواض الزراعة وأحواض السمك فتعمل الأسماك على تسميد الماء بالغذاء اللازم للنبات، وبالمقابل تعمل النباتات على تنقية المياه لكي يستفيد منها السمك. فينتج الجهاز خضار وسمك في آن واحد. وتفوق وظائف جهاز الحرية عن صنع الغذاء فهو يعمل على عزل السطح حراريا في الشتاء فيقلل من استهلاك الطاقة اللازمة للتدفئة. كما ويقوم بتظليل السطح في الصيف فيوفر الطاقة اللازمة للتبريد. والجهاز يجمع مياه المطر ويخزنها على السطح فيوفر لسكان المبنى مصدراً جديداً من المياه المخزنة على السطح. وأخيرا فإن لجهاز الحرية القدرة على توفير عدة ساعات من التدفئة المجانية في فصل الشتاء للمنازل الواقعة أسفله. فالهيكل البلاستيكي يسمح لحرارة الشمس في الشتاء بالدخول بسبب شفافيته مما يتسبب برفع درجة حرارة البيت البلاستيكي. من ثم يتم ضخ الهواء الساخن لداخل المبنى بواسطة مروحة كهربائية صغيرة.
عمل بشار حميض مبتكر جهاز الحرية ومؤسس شركة "ميزان للتنمية المستدامة" على تطوير جهاز الحرية منذ تأسيس الشركة غير الربحية في العاصمة الأردنية عمًان عام 2011. فقام بالاستعانة بفريق مساند ببناء ستة أجهزة في مناطق مختلفة من الأردن وواحد في سويسرا وهو يعمل حاليا على بناء الجهاز الثامن في الخليل ليكون أول جهاز حرية غربي النهر. ذهبت في زيارة لتل الرميدة وللحديث مع بشار حميض عن أول جهاز حرية في الضفة الغربية. وكان لقاءنا في مقر مجموعة "شباب ضد الاستيطان، وهو مقر تجمع الشباب والواقع أعلى تل الرميدة والمحاذي للمناطق التي سيطر عليها المستوطنين والجيش من التلة. فسألت بشار عن المشروع عبر الأسئلة التالية:
الزراعة المائية
-متى وكيف جاءت فكرة ميزان وما هي الأهداف التي دفعتك لتأسيسها؟
جاءت فكرة ميزان من الادراك بأن هناك حاجة لتطوير تقنيات بسيطة وغير مكلفة وإدخال تعديلات على انظمة المنازل القائمة حاليا من أجل جعلها أكثر استدامة. فمن خلال هذه التعديلات والتقنيات، يمكن أن يفتح المجال لإدراك جديد عن علاقتنا ببيئتنا، وبذلك تنشأ ثقافة جديدة للبناء وأسلوب الحياة لدى سكان المدينة وفي نفس بيوتهم التي يعيشون فيها، بدلا من إنشاء بيوت بيئية نموذجية منفصلة عن واقع المدينة الحالي.
-ما هي رسالة ورؤية ميزان؟
ميزان هي مجتمع من الأفراد يؤمنون بضرورة تحولنا من نمط الاستهلاك إلى نمط الإنتاج، ويرون في ذلك التحول أساسا لحريتهم. رؤية ميزان هي تحول جميع منازلنا إلى منازل منتجة للطاقة والغذاء وموفرة للمياه.
-ما هو الهدف من جهاز الحرية وما هي المشاريع الأخرى لـ "ميزان"؟
مشروع ميزان الأول كان جهاز الحرية وهو ما نعتبره خطوة أولى نحو تحويل اسطح المنازل إلى مساحات منتجة. الأنظمة المستخدمة في الجهاز قابلة أيضا للتمدد والتوسع في أجزاء أخرى من المنزل، وكذلك يمكن ربطها بأنظمة بيئية أخرى داخل المنزل، مثل نظام معالجة المياه الرمادية. المشروع القادم لميزان اسمه سفينة المدينة، وهو مستوحى من جهاز الحرية، إلا أنه يتجاوز السطح ويدخل في تفاصيل المنزل الأخرى المتعلقة بالمياه والنفايات المنزلية والتدفئة والعزل والتكييف. إلى جانب هذا المشروع هناك أيضا مشروع اللاقط الشمسي الذي يعتمد على استخدام لواقط الاقمار الصناعية وتحويلها إلى أجهزة لإنتاج الطاقة الشمسية، وهو ما يعرف بنظام الطاقة الشمسية المركزة CSP. والمهم في كل هذه المشاريع هو التركيز على التصنيع المحلي، وتدريب الفنيين وأصحاب الورش الصغيرة على صناعة الأنظمة دون الحاجة لخبرات أو مواد مستوردة خصيصا لهذه الأغراض.
جهاز الحرية من الداخل
-كيف تم تطوير الجهاز عبر النماذج المختلفة؟
في كل مرة يصنع فيها جهاز حرية جديدة يتم ذلك عبر اختيار مجموعة من الفنيين المحليين وبالشراكة مع مؤسسات أو جمعيات محلية. يتم تدريب المشاركين، ليس على استخدام الجهاز فحسب، ولكن أيضا على إعادة إنتاجه، وفي كثير من الأحيان تطرح مشكلة ما تتعلق بتطوير الجهاز وعلى هؤلاء الشركاء التفكير بحل عملي لها، وفي معظم الحالات تم تبني الحلول المطروحة وأصبحت جزءا أساسيا في الأجهزة التي بنيت لاحقا.
-ما هي كمية الخضار التي يمكن إنتاجها باستخدام نظام الزراعة المائية؟
الانتاج يعتمد على الظروف المناخية ونوعية الخضار أو الفاكهة المزروعة. حسب دراسة أجريت من قبل جامعة ماكيل الكندية في جزر فيرجين أيلاند الاستوائية، حيث تم إنتاج مئة كغم من البامية و108 كلغم من الريحان في السنة من نظام اكوابونيكس بمساحة ستة أمتار مربعة، بالإضافة إلى 45 كغم من سمك البلطي في السنة أيضا. هذه الكمية من الانتاج تضاهي الانتاج بالطرق التقليدية سواء خارج أو داخل البيت البلاستيكي. خصوصا اننا نحتسب هنا أيضا كمية السمك المنتجة. لكن يجب الانتباه هنا أن الظروف في المناطق الاستوائية تتيح انتاجاً عالٍ على مدار السنة نظراً لاستقرار الحرارة والرطوبة. ما نحاول فعله في جهاز الحرية هو التخفيف من تأثير تغيرات الطقس من خلال نظام التظليل ونظام الدفيئة الشمسية الذي تم تطويره. ولا ننسى هنا أن نظام الدفيئة، ينتج أيضا طاقة كافية لتدفئة المنزل أسفل السطح.
طريقة عمل الجهاز لتوفير التدفئة شتاءا
-ما هو التوفير في التدفئة الناتج عن عزل السقف بوجود جهاز الحرية فوقه؟
حسب التجربة العملية التي قمنا بها في مدينة إربد فإن الجهاز كان يوفر تدفئة للمنزل لمدة أربع إلى خمس ساعات في أيام الشتاء المشمسة. وجدير بالذكر هنا أن معدل الاشعاع الشمسي في منطقة الاردن وفلسطين خلال شهر ديسمبر على سبيل المثال يساوي 6 ساعات يوميا. وبحساب التوفير المباشر لفاتورة التدفئة يبلغ ذلك ما قيمته 15 ديناراً شهريا باحتساب أسعار الطاقة بعد الدعم. أما حسب اسعار الطاقة الحقيقية فهو 45 دينار شهريا. كما أن هناك توفير غير مباشر في التدفئة من خلال العزل الذي يوفره وجود دفيئة على سطح المنزل، ومنعها لملامسة الهواء البارد والشتاء والصقيع والثلج لسطح المنزل.
-ما هي كمية مياه المطر التي يمكن تخزينها؟
في حال كانت مساحة الجهاز 20 مترا مربعا وكانت كمية تساقط المطر هي 400 ملم فإن ذلك يعني تخزين 8 أمتار مكعبة من المياه. والمهم في الموضوع هو ان الجهاز يتيح جمع مياه الامطار على مستوى اعلى من سطح المنزل. مما يعني إمكانية زيادة القدرة التخزينية لمياه الامطار على السطح نفسه دون الحاجة لحفر بئر لتخزين المياه، وفي حال توفر بئر وكان صغيرا وتفيض منه المياه، فإن الجهاز يتيح زيادة المخزون من المياه سنويا. كذلك فإن قلة الاوساخ المتراكمة على سطح الدفيئة وإمكانية تنظيفها بسهولة نظرا لوجود نظام لف البلاستيك الزراعي على محاور جانبية، كل ذلك يحسن من نوعية المياه وعدم احتوائها على الأوساخ والغبار الذي عادةً ما يتراكم على سطح المنزل.
-ما تكلفة جهاز الحرية؟
تتراوح كلفة الجهاز بوظائفه الخمس مجتمعة (تدفئة، عزل، تبريد، انتاج غذاء، جمع مياه أمطار) ما بين 2000 إلى 4000 آلاف دينار. ونحن عادة نشجع قيام الناس ببنائه بأنفسهم ومن مواد محلية ومعادة الاستخدام مما يوفر أيضا في الكلفة.. يمكن إنشاء أجهزة أقل كلفة بشكل ملحوظ بالتخلي عن بعض العناصر بالجهاز، خصوصا احواض السمك والزراعة. كما يمكن استخدام فضاء الجهاز للزراعة بطرق تقليدية مثل الزراعة بالقوارير أو غيرها.
عملية بناء جهاز الحرية في الخليل
-كيف وجدت تجربة تنفيذ هذا المشروع في الخليل؟
تتميز الخليل بكونها مدينة زراعية وصناعية بنفس الوقت، وهو ما يجعل تجربة بناء نموذج لجهاز الحرية فيها تجربة غنية جدا. كذلك فإن حقيقة تعرض المدينة لأبشع أنواع الاستيطان والتحكم من قبل الاحتلال بمياه الينابيع، يعطي بعدا آخرا لكلمة "الحرية" في جهاز الحرية.
ويذكر بشار في نهاية اللقاء بأن الفريق يعمل جاهدا لإنهاء عملية البناء والأعمال التقنية المتعلقة بالجهاز، ليتسنى فحص النتائج وفعالية الجهاز في الظروف الجوية الخاصة بمنطقة الخليل. وكذلك لفحص مدى التقبل المجتمعي للفكرة وتبنيه لها. وأخيرا لمعرفة تكلفة الجهاز في الضفة الغربية. ذلك أن المرحلة القادمة لهذا المشروع هي مرحلة العمل على تطوير النموذج بحيث يمكن تكراره على أسطح عديدة في منطقة تل الرميدة والخليل عموما. وبما أن الخليل تشتهر بقدرتها العالية على تكرار النماذج الناجحة وبسعر أقل. يبدو أن لجهاز الحرية في بيته الجديد آفاق مبشرة.