خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
تنتشر الأشنات في بعض جبال ومحميات فلسطين على هيئة لوحاتٍ فنيةً مزركشةً بألوان فاتنة ومتنوعة، وتتشكّل على الصخورِ. وتتوزع بجمال آسر في الزوايا والمنحنياتِ الصخرية. وتعرف الأشنات بأنها إحدى أنواعِ المخلوقاتِ الحيّة التي تتكون من الطحالبِ والفطر؛ فهما شريكان يعيشان بمبدأِ التكافل، حتى أنه ليس بمقدور أحدهما أن يعيشَ بمفردِه؛ لأن الطحلبَ يقومُ بعملياتِ التمثيلِ والبناءِ الضوئي وإنتاجِ الموّادِ والعناصرِ العضوية الأساسية اللازمة ليستطيعَ الفطر أن يعيش، وبذلك يتحققُ التوازنُ في تحصيلِ الغذاءِ بين الطرفين.
|
 |
| أشنات ميتة على الصخور في جبال عانين في محافظة جنين |
مرت السنوات وكبرت كفاح إلا أنها لم تنسَ واحدةً من أحلى ذكريات الطفولة، عندما كانت تجلس مع البنات فوق الصخور ويبحثن بمرح وبراءة عن ما تسميه بــ "بقعٍ بنيّةٍ ملوّنة"، لم تعرف الفتيات كُنه تلك البقع ولا كيف تشكّلت. "كانت ألوانِها الجميلة لا تقاوم؛ لا سيما في أيام الشتاءِ والربيع" تضحك روحها ما أن تتذكر تلك الأيام.
تقول كفاح طاهر ابنة بلدة فقوعة في مدينة جنين أن الحفرٍ الصغيرة في الصخور وتدعى "المقر" عادةً ما تكونُ مليئةً بمياهِ الأمطار، إذ كان يحلو لها ولرفيقاتها أن يفركُن بحجارة صغيرة مبللًة "الأشنات" التي تشكلت فوق الصخور إلى أن تصبح محلولًا يشبهُ الحنّاء ومن ثم ينقشنّ زخارفها على الأيادي.
في جبال ومحميات فلسطين صادفنا في طريقِنا أثناء تجوالاتِنا البيئية لوحاتٍ فنيةً مزركشةً بألوان مذهلة تشكّلت على الصخورِ والحجارة المطليّة بـ"الأشنات"، وتوزعت بجمال آسر في الزوايا والمنحنياتِ الصخرية.
وتعرف الأشنات بأنها من الكائنات الحيّة التي تتكون من الطحالبِ والفطر؛ فهما شريكان يعيشان بمبدأِ التكافل، حتى أنه ليس بمقدور أحدهما أن يعيشَ بمفردِه؛ لأن الطحلبَ يقومُ بعملياتِ التمثيلِ والبناءِ الضوئي وإنتاجِ الموّادِ والعناصرِ العضوية الأساسية اللازمة ليستطيعَ الفطر أن يعيش، وبذلك يتحققُ التوازنُ في تحصيلِ الغذاءِ بين الطرفين.

أشنات نمت على الصخر في جبال دير عمار في محافظة رام الله والبيرة
ثم يبدأُ الفطرُ الذي يتكوّن في الأسفل في تفتيت كافةِ الأسطح التي يعيشُ عليها بواسطةِ أنزيماتِه، ويمتصُ الماء والأملاح ليمدَّ بها الطحلب الذي يكون في الأعلى، في حين يؤمّن الفطر لخلايا الطحلب الحمايةَ من الشروط البيئيةِ المتطرّفة، ومن أشعةِ الشمس الشديدة.
يتحدث د. وليد الباشا إختصاصي الأحياء الدقيقة والمناعة في جامعة النجاح؛ عن أنواعِ الأشنات وأعدادها؛ قائلاً:
"توجد أكثر من 20000 نوعٍ معروف وتتوزع هذه الأنواعُ في مناطق مختلفة، حيث يمكن العثور عليها في المناطقِ القطبية والمناطق والغابات الإستوائية المطيرة، ناهيك عن المناطقِ الصحراوية الخالية من الكثبانِ الرملية المتحركة، وعلاوة على ما سبق توجد الأشناتِ المائية أيضاً.
وتختلف الأسطحُ التي تنمو عليها الأشنات في الطبيعة بحسب الباشا؛ لتتنوع بين التربة والصخور والخشب والعظام وحتى منتجاتِ الإنسان مثل الخرسانة والزجاج والقماش والمعادن.
ويقول لمجلة آفاق البيئة والتنمية "بالإضافة إلى أدوارِها البيئية الهامّة، فقد استخدمها الإنسان في الغذاء والدواء وصباغة القماش".

أشنات نمت على الصخور في جبال عز الدين في مدينة جنين
كيف تنمو الأشنات؟
لما كانت الأُشنة خاليةً من الجذور فهي تنمو فقط عندما ترطّبُ بِوساطة الندى أو المطر، وعند امتصاصِ الأشناتِ الرطبة الضوءَ الناتج عن الشمس فإنّ السكر يُنتج من خلالِ الجزءِ الطحلبي عن طريقِ التركيبِ الضوئي، وتمر غالبية السكَّر إلى الفطر الذي يستعملهُ غذاءً له، وهكذا يمكنُ للكائنِ العضوي أن ينمو.
أما الأُشنة الجافة لا تنمو، غيرَ أنّها تستطيعُ البقاءَ حيةً في درجاتِ الحرارةِ القصوى التي تتسبب في قتلِ الأُشنة الرطبة، حيثُ تُضيفُ معظمُ الأشْنَة ما يعادلُ ثلاثةَ ملم بشكلٍ سنوي لنصفِ قطرها، لكنّ القليل من أنواعِها ينمو بسرعةٍ أكبرَ بحوالي عشرِ مرات، ومنها ما يصلُ نموُه لثلاثة من عشرة ملم فقط سنويًا، ويمكنُ أن يصل عمر هذه الأشنة لأربعةَ آلافِ عامٍ في المناطقِ القطبية الشمالية.
وفي السياق نفسه يخبرنا الباشا: "لا تنمو الفطرياتُ المشكّلة للأشناتِ في الطبيعة وحدَها، في حين أنّ الشريكَ الضوئي بإمكانِه النمو منفردًا. ومع أنَّه تم زراعة كلا الشريكين في المختبرات إلا أن العلماء عجزوا عن إعادةِ تشكيلِ العلاقةِ التكافلية بينهما إلّا لو تمت في ظروفٍ قاسية على الشريكين، مما يدل على أن هذه الشراكة تأتي لتتحدّى الشدائدَ في الطبيعة".

أشنات نمت على الصخور في جبال قرية مركة في محافظة جنين
إذن؛ لا عجب أن الأشنات من أكثر الكائناتِ الحيّة قدرة على تحمّلِ تقلباتِ درجاتِ الحرارة بين البردِ الشديد والجفافِ الشديد، وغالباً ما تعيشُ في الأماكنِ التي تندرُ فيها الحياةُ لباقي الكائناتِ الحية مثل الصحاري وعلى التربة العارية والصخور في المناطقِ القطبية، كما تنمو على جذوعِ الأشجار في الغابات وعلى قممِ الجبال.
مهلاً؛ لا تزال التفاصيل الشائقة التي تتصل بالأشنات متشعبة؛ إذ تنمو في البساتين المهملة وتساعدُ الرطوبة العالية حول الأشجار وكثافةِ الفروع على انتشارِها، وتكونُ علي هيئةِ قشور.
ومن ناحيةِ الشكل، تأخذُ الأشن ألواناً جذابة؛ منها البرتقالي والأصفر والأحمر والأخضر والرمادي والبني والأسود وتأخذ شكلًا دائريًا وأحيانًا غير منتظم؛ أما أبعادها تتراوح بين أقل من 1 مم إلى 2 م متدليةً عندها من أغصانِ الأشجار، وتلون الصخورَ التي تسكنُ عليها.
ويمكن أن يصلَ نموُها السنوي إلى عدة مليمترات، وقد تنمو على سطحِ التربة، كما يمكنُ لبعضِها أن ينمو داخل الصخورِ بعمق عدةِ مليمترات من سطح الصخر، كما ينمو بعضُها على سطوحِ أوراق النباتات، أو في جداولِ المياه العذبة والمالحة.

أشنات نمت على الصخور في جبال قرية مركة في محافظة جنين
مؤشر على تلوث الهواء
ويقول في الأشنات؛ د.كمال سليم الباحث في المياهِ العذبة، الذي أعدّ أبحاثًا علمية مرتبطة بالبيئة المائية وبالتنوّع البيولوجي وبنوعيةِ المياه في الأنهارِ والينابيع: "هذا النوعُ من الكائنات عبارة عن كائنين algae وفطر أو Cyanobacteria ونوع من الفطر اندمجت لتكونَ مجموعةً خاصةً مستقلة، لأنّها لا يمكن أن تعيشَ دونَ بعضِها، وهي أصبحت autotroph، أي تكوِّنُ الغذاء وحدَها، بعدما كان الفطرُ مثلًا heterotroph يتغذّى على المكوناتِ الأخرى".
ويضيفُ الأستاذ في الجامعة اللبنانية: "في البحثُ العلمي ثمة مشكلة هنا! وتختصر في الافتقار إلى المنهجية والتنسيق، إذ يتطلب بالضرورة توفر المختبرات والزياراتِ الميدانية لدراسةِ التوزع الجغرافي، لكون هذه الأشنات تعيشُ بعدة أنظمة بيئية مختلفة، ومنها ما يتواجد على شاطئِ البحر والغابات والمناطق الرطبة.
ويشجع سليم على عمل دراساتٍ متخصصة في المجال من قبل الباحثين، لا سيما أنها مؤشرٌ هامٌ لنسب التلوث في البيئة.

أشنات نمت على الصخور في خربة شحادة في دير استيا
واستطرادًا لما سبق؛ تذكر د.رولا جاد الله الأستاذ المساعد في الجامعةِ العربية الأميركية والمتخصصة في الأحياء الدقيقة أنواع الأشنات بالقول: "هناك أنواعٌ مختلفة للأشنات منها أشنات قشرية crustose Lichen، وتتكونُ على هيئةِ أرضٍ أو صخور، وأشناتٌ ورقية foliose Lichens وتشبهُ النباتاتِ في شكلِها خاصة النباتاتِ العشبية وتأخذُ شكلَ الأوراق.
وهناك الأشن المتغصّنة أو الشجيرية fruticose Lichens وتختلفُ كثيراً عن مثيلاتِها- تبعاً لــ جاد الله، إذ تتجمع على شكل أجسامٍ كثيرة وممتدة التفرع وتأخذ أشكالاً شجيرية، أو متغصّنة، أو شريطية، وقد تكونُ مسطحةً أو أسطوانية".
وبخصوص الأهمية الحيوية للأشنات؛ تمتلك قدرة على تفكيكِ الصخورِ بسببِ إفرازِها لحمضِ الأكزاليك oxalic acid وتحويلِها إلى تربة، إضافة إلى قدرتها على امتصاصِ الرطوبة من الجو حتى لو كانت منخفضة.
وتُعد الكثيرُ من المركباتِ الثانوية التي تشكلُها الأشن مركباتِ دفاعٍ ضد ملتهماتِ الأعشاب والمفككات الأخرى، كما تؤدي الأشن دوراً مهماً في حمايةِ النظمِ البيئية المتنوعة حتى الجاف منها، فالشريكُ الفطري ليس بوسعه العيش في الظروفِ المتطرفة من ارتفاعٍ في درجة الحرارة، أو في الجفافِ الشديد، وكذلك الشريك الطحلبي، ولكن عندما يتشارك الاثنان في المعيشة فإنّ ذلك يمنحُهما القدرةَ على الحياة وتحملِ الظروفِ القاسية، مما يصونُ النظمَ البيئية ويحفظ التنوعَ الحيوي.
وفي هذا الصدد؛ تشير د.جاد الله إلى أن تحسسُ الأشن لملوثاتَ الهواء عرف منذ أكثرَ من قرنٍ ونصف، وعلى سبيلِ المثال لا الحصر يرتبطُ انتشارُ بعضِها بوجودِ مستوياتٍ معيّنة من غاز ثاني أكسيد الكبريت في الهواء. وبعضُها الآخر يتحسسُ لملوّثاتِ الهواء مثل النترات، لذلك يمكن عدُ الكثيرِ من أجناسِها وأنواعِها مؤشراتٍ حيوية على تلوثِ الهواء؛ وبالتالي يستعين بها العلماء عند إجراء الأبحاثِ ذات الصلة بحل مشكلات تلوث البيئة.

أشنات نمت على جذع شجرة برية في جبال الطيبة في محافظة جنين
فوائد متنوعة
يلخص الباحثون البيئيون فوائد الأشنات في النقاط الآتية:
- تعد من أهم المصادر للعديدِ من المركّبات الكيميائية والروائح، وتستخدمُ في صناعةِ الأدوية والصابون، وسبق أن استخدمت في صبغ الأقمشة التي تمّ من خلالها خياطةُ التنانير الأسكتلندية.
- لها دورٌ كبيرٌ وملموسٌ في توازنِ النظام البيئي.
- تقومُ الأشنات بتفتيتِ الكثير من أنواعِ الصخور وتحويلِها لتربةٍ صالحة للاستخدام، كما تزيدُ من معدّلات خصوبةِ التربة.
- تُستخدم كغذاءٍ للإنسان وبعضِ الحيوانات مثل القواقعِ والفئران والسناجبِ والقرود؛ وتعد مصدرًا مهمًا لغذاءِ الرنّة.
- أنواع عدة من فطرِ الأشنات يُدرج في البهارات مما يضفي مذاقاً مميزاً للطعام.
- لها القدرةُ على إنتاجِ بعض المركبات التي تستخدمُ في علاجِ كثيرٍ في الأمراض مثل الأورامِ الخبيثة والجروح والأمراضِ الجلدية.
وبحسب ما يخبرنا به الباحثُ البيئي أحمد العمري فإن بعضِ الطيور تتغذى على الأشنات وتستخدمها لبناءِ الأعشاش، إضافةً إلى بعضِ الحشراتِ التي تجد فيها ملاذًا لتعتاش عليها.
ويعتقد العمري أن الأشجارَ المغطاة بالطحلب أو الأشنة لا تعاني من الصقيع وحروقِ الشمس، وهي في حقيقة الأمر منقٍ رائعٍ للهواء من الملوثاتِ المختلفة.

أشنات نمت على شجرة اجاص بري في محمية وادي قانا في محافظة سلفيت
وفي المقابل؛ وعلى الرَغم من الأهمية البيئية للأشنات، يرى بعضٌ أنّ أضرارًا تنجم عنها، ومنها مثلًا أنّها تحجبُ الشمسَ والهواء عن النبات، ونظراً لأنّ الأشنات تظهر في صورةِ قشورٍ ملونة ذات أشكالٍ مختلفة، فإنّها تأوي العديدَ من الحشراتِ وما يسبب الأمراض، كما تهيئُ الظروفَ لتكاثرِ الفطريات، الأمرَ الذي يؤدي إلى ضعفِ الأشجار وموتِها، كما تؤدي الأشنة إلى جفافِ الأفرع المصابة بواسطة الضرر الميكانيكي الناتج من منعِ التبادل الغازي بين المناطقِ المصابة والوسطِ الخارجي وحجْبِ الضوء.
وعلى صعيد آخر؛ إذا ما نظرنا في الموروثِ الشعبي الفلسطيني فإن الأشناتُ استخدمت في صناعةِ "الحنّاء.

توثيق الأشنات التي نمت على شجرة اجاص بري في محمية وادي قانا
وها هي عائشة أبو راس من قرية كفر زيباد في محافظة طولكرم؛ واحدة ممن توارثوا هذه العادة عن الجيل الذي سبقها: "أتذكر رحلاتنا في الهواء الطلق عندما كنّا صغاراً بصحبة بناتِ الجيران والأقارب، وكنّا نصادفُ في طريقِنا هذه الصخور المزركشة، لنسارع إلى التقاط حجارةٍ صغيرة ونبللُ طرفَها بمياهِ الحُفر ثم ندعكُها بالأشنات ونبدأُ بالنقشِ على أيدينا؛ كنا ننسى أنفسنا عندما نندمج مع هذه اللوحاتِ الفنّية الممتعة".

طحالب نمت على الصخور في جبال عانين في محافظة جنين