خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
يُعرف عن معظم الشعوب الأصلية أو الثقافات التقليدية بأن لديهم طرقهم الخاصة في معالجة الأمراض المختلفة ومنهم ما زال يعتمد اعتماداً كلياً عليها، وبالأخص من يعيش في قبائل بعيداً عن تأثير العالم المعاصر والطب الغربي. نحن نعيش في عصر تواجه فيه البشرية تحديات صعبة جراء ظهور فيروسات عديدة معدية والتي تهدد بقاء البشرية في حال عدم تواجد علاج لها، وبالأخص تلك الفيروسات التي تمس الجهاز المناعي لدى الإنسان. لحسن الحظ، هناك العديد من النباتات التي أعطت أملاً في معالجة بعض هذه الأمراض الفيروسية. تستعرض هذه المقالة بشكل مبسط بعض أفضل النباتات التي أثبتت نجاحها في علاج العديد من الأمراض الفيروسية والميكروبية، مثل عرق السوس، الزعتر، إكليل الجبل والمورينجا وغيرها من النباتات.
|
 |
منذ آلاف السنين وقبل ظهور الطب الغربي، كانت البشرية تعتمد اعتماداً شبه كلّي على استخدام النباتات والأعشاب في الوقاية من/ أو علاج الأمراض العديدة التي كانت تواجههم. بالطبع، لم يكن التقدم العلمي بعد متطوراً لجعل تجاربهم العملية أكثر دقة ولكن تدريجياً ومن خلال التجارب المتعددة أصبح هناك فهم أعمق لطبيعة التداوي بالأعشاب والنباتات المتواجدة حولنا. واليوم، مع التواجد السهل لجميع وسائل المعرفة بين أيدينا، أصبح فهم التداوي بالأعشاب أكثر مرونة من ذي قبل.
عامنا الحالي ٢٠٢٠ فاجأ البشرية أجمع بما أصبح هاجساً ملازماً لكل إنسان في أغلب الأوقات وأحدث تغييراً كبيراً في الأسس الاقتصادية والاجتماعية في معظم البلدان التي شهدت انتشاراً كبيراً لهذا الفيروس، ألا وهو فيروس كوفيد١٩- الكورونا.
فعلاً، منذ بدء هذا العام فإن هذا الفيروس شكل رعباً لعددٍ كبير من الناس بسبب سرعة انتقاله ونسب العدوى العالية الخاصة به، وتأثيره على الأشخاص ذوي المناعة الضعيفة أو أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة أخرى. مع مرور الوقت، أصبح فهمنا لهذا الفيروس أعمق، وأصبحنا ندرك أن هناك طرق وقاية عديدة مثل التباعد الإجتماعي والحجر الصحي للمصابين والمخالطين على حد سواء، بالإضافة إلى وجود طرق لتقوية مناعة الجسم الطبيعية أو علاج الأعراض التي قد تنتج عن هذا الفيروس في حال الإصابة به، مثل تناول أعشاب معينة لها خصائص مضادة للفيروسات أو الميكروبات.
يُعرف عن معظم الشعوب الأصلية أو الثقافات التقليدية بأن لديهم طرقهم الخاصة في معالجة الأمراض المختلفة ومنهم ما زال يعتمد اعتماداً كلياً عليها وبالأخص من يعيش في قبائل بعيداً عن تأثير العالم المعاصر والطب الغربي. سكان أمريكا الأصليين على سبيل المثال، كانوا يعتمدون على آلاف الأنواع من النباتات الوعائية كأدوية علاجية. هناك أكثر من ٢٥٠٠ صنف من النباتات الطبية التي كانت تستخدم من قبل السكان الأصليين في أمريكا، وهناك لائحة مكونة من ١٠ فئات أو أقسام توضح طبيعة استخدام هذه النباتات وعلاقتها أو دورها في معالجة أمراض معينة (مورمان، ٢٠٠٩).
قيمة النباتات
إنه لمن المثير للاهتمام التعرف على سبب كون النباتات ذات قيمة طبية كبيرة بالنسبة للعديد من الشعوب. هناك نطاق واسع من المواد الكيميائية التي تنتجها النباتات والتي تخدم هدفاً معيناً في كل نبتة. علماء الكيمياء النباتية صنفوا هذه المواد الكيميائية الناتجة عن النباتات إلى صنفين؛ أولية وثانوية. المواد الكيميائية الأولية هي التي تشارك بشكل أساسي في الدورة الحيوية لحياة النبات، أما المواد الكيميائية الثانوية فهي كل ما تبقى. الأدوية المستخلصة بالعادة تنتمي للصنف الثاني، مع أن هذه المواد الكيميائية الثانوية في الماضي لم تكن بنفس أهميتها اليوم وكان يتم اعتبارها كمواد ثانوية وفقط نتاج للمواد الأولية أو مكونات عشوائية. لكن مع تطور العلم وازدياد اهتمام العلماء بكيميائية النبات من منظور إيكولوجي، تم اكتشاف أن النباتات تنتج العديد من المواد الكيميائية النشطة حيوياً لتعزز من إمكانيات بقائها على قيد الحياة. مثلاً، بإمكان النبات إنتاج مواد كيميائية تقوم بمفعول مبيدات الأعشاب من أجل منع نمو النباتات المنافسة (مورمان، ٢٠٠٩).
باختصار، هناك معرفة بشرية هائلة حول عالم النباتات واستخداماتها الطبية، بحيث أن أقدم دليل على استخدام البشر للنباتات كوسيلة علاج هو منذ العصر الحجري القديم الأوسط في موقع شانيدار في شمال العراق قبل تقريباً ٦٠ ألف سنة. منذ ذلك الحين وعلى الأغلب حتى من قبل ذلك، فإن البشر يقومون بتجارب عديدة مع الطبيعة. هذه المعرفة التي كانت شائعة بين معظم الناس في الماضي، أصبحت في عصرنا هذا اختصاص قليل من الناس مثل علماء الأنثروبولوجيا أو علماء النبات. بالطبع في الماضي كان هناك أشخاص أكثر اهتماماً من غيرهم في هذه الأمور، وبالتالي أكثر اختصاصاً بتفاصيل هذا العلم، ولكن بشكل عام فإن هذه المعرفة كانت معرفة بشرية طبيعية إلى حد ما وجزءاً من الحياة اليومية. ولكن في عالم يستطيع الشخص فيه شراء علبة أسبرين من أي صيدلية وبسعر مناسب، أصبحت الحاجة لمعرفة أن الصفصاف أو نبات عنب الأرض على سبيل المثال هي مسكنات طبيعية للألم هو أمر غير ضروري ولا حاجة لمعرفة الناس به (مورمان، ٢٠٠٩).
الفيروسات والنباتات
نحن نعيش في عصر تواجه فيه البشرية تحديات صعبة جراء ظهور فيروسات عديدة معدية والتي تهدد بقاء البشرية في حال عدم تواجد علاج لها، وبالأخص تلك الفيروسات التي تمس الجهاز المناعي لدى الإنسان. لحسن الحظ، هناك العديد من النباتات التي أعطت أملاً في معالجة بعض هذه الأمراض الفيروسية. على سبيل المثال، هناك العديد من الأبحاث والاختبارات التي يتم إجراؤها على نبتة عرق السوس، بحيث أنه يعتقد أن المكون النشط حيوياً Glycyrrhizin في هذه النبتة له القدرة على التصدي لفيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة. هناك سلسلة واسعة من التأثيرات المتواجدة في العديد من النباتات التي بالإمكان فحصها وفحص فاعليتها في محاربة الفيروسات الناشئة المقاومة (مختار وآخرون، ٢٠٠٨).
في هذه المقالة سنقوم بعرض مبسط لبعض من أفضل النباتات التي أثبتت نجاحها في علاج العديد من الأمراض الفيروسية والميكروبية، مثل عرق السوس، الزعتر، إكليل الجبل والمورينجا وغيرها من النباتات.
عرق السوس Licorice
عرق السوس هو من النباتات الطبية التي لها استخدامات في المطبخ أيضاً، وموطنه الأصلي هو أوروبا وجنوب غرب آسيا. لعرق السوس طعم ورائحة تشبه رائحة الشومر واليانسون، وهذا يعود لتشارك هذه النباتات بمكون الأنيثول. جذر عرق السوس هو من الأجزاء شائعة الإستخدام لهذه النبتة، له مذاق حلو وهذا يعزى لوجود السابونينات وهي مكون ذو طعم حلاوته تتراوح ما بين ٥٠ إلى ١٥٠ مرة أكثر من السكر. تم استخدام جذر عرق السوس تاريخياً لعلاج مشاكل الأسنان و كمنعش لرائحة الفم عند مضغه. طبياً، تم استخدام أصناف عديدة قيّمة من عرق السوس في أوروبا وآسيا وأمريكا الشمالية كمسكن وطارد للبلغم ومضاد للإلتهاب ولمعالجة مشاكل تنفسية عديدة، بالإضافة إلى دوره في معالجة التهاب المفاصل، وكان يتم تناوله عن طريق قطرات أو كشراب مركّز. حالياً تتم دراسة فاعلية عرق السوس كعلاج لالتهاب الكبد، التليف الكبدي، الهربس، الإيدز والإنفلونزا. ليس فقط ذلك، بل تظهر الدراسات تقدم واعد في فعاليته كمضاد للفيروسات، وبالتحديد فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع (أورر، ٢٠١٤).

عرق السوس
الزعتر Thyme
يحتوي الزعتر على العديد من الزيوت العطرية أو المكونات المضادة للفيروسات مثل الثيمول، الفينول، الكافور، بورنيول، كارفاكرول، كايمين، تيربينول، وهذه الزيوت تعطي الزعتر صفة تطهيرية وتعقيمية. يمكن عمل رذاذ من الزعتر ويستخدم لطرد الحشرات. وبالتأكيد يمكن أيضاً عمل شاي من الزعتر والذي له فوائدة عديدة وبالتحديد تأثيره المهديء على عضلات الجهاز الهضمي، بحيث يساعد على تخفيف عسر الهضم والغازات (أورر، ٢٠١٤). يستخدم الزعتر كمستخلص في إنتاج دواء طبيعي على شكل قطرات والذي يستخدم لمعالجة الفيروس الأنفي (Rhinovirus serotype 1a (HRV1a، والإنفلونزا بحيث أن فاعليته أثبتت مخبرياً ولأول مرة كمستخلص نشط حيوياً بنسب مركزة غير سامة في معالجة أعراض هذه الأمراض الفيروسية السابق ذكرها، بحيث أن المرضى الذين يتم معالجتهم بهذا الدواء يستفيدون أيضاً من الخاصية العلاجية الإضافية للزعتر كطارد للبلغم (لينز وآخرون، ٢٠١٨).

زعتر بري
إكليل الجبل Rosemary والمورينجاMoringaOleifera
ينظر إلى إكليل الجبل والمورينجا كبدائل طبيعية آمنة للمضادات الحيوية، لأن الأغشية الحيوية (المكونة من مجتمع من الخلايا البكتيرية) تتسم بنسبة مقاومتها المرتفعة لمضادات الميكروبات مما يجعل القضاء عليها أمر صعب وتحدٍ كبير، وبالتالي فإن مضادات الميكروبات النباتية تكتسب شعبية في هذا المجال بسبب تاريخ استخدامها الطويل بالإضافة إلى كونها آمنة للإستخدام. والمورينجا تتميز بكونها مضادة للإلتهابات، مضادة للبكتيريا ومضادة للفطريات. أما بالنسبة لإكليل الجبل الذي يتصدر لائحة النباتات ذات الأهمية الطبية، فهو يتميز بكونه مضاد للأكسدة ومضاد للميكروبات وبالأخص عند استخدامه كمستخلص (ناصر الدين وآخرون، ٢٠١٧).
 |
 |
| إكليل الجبل |
المورينجا |
أظهرت مستخلصات النباتات المشتقة من البذور والأوراق والجذور والثمار فعاليتها الطبية كمضادات فيروسية وبالأخص اتجاه فيروس الحمض النووي الريبوزيRNA virus وفيروس الحمض النووي الريبوزي منقوص الأكسجين DNA virus. بالإضافة إلى ذلك، فإن عدداً كبيراً من مكونات النباتات النشطة بيولوجياً مثل الفينول والفلافونيدات الموجودة في الأوراق أثبتت فعاليتها كمضادات للهربس. فيروسات الهربس البسيطة هي فيروسات مزدوجة مغلفة من الحمض النووي منقوص الأكسجين، وهذه العائلة من الفيروسات تسبب موجات متكررة من مرض مزمن يتمثل بالتهابات تكون معظمها من دون أعراض ولكن من الممكن أن تسبب تقرحات مؤلمة في موقع الإصابة سواء في الجهاز العصبي حول الفم، أو في العين أو في الغشاء المخاطي لتجويف الفم، بالإضافة إلى الأعضاء التناسلية. يوجد هناك أدوية تجارية لمعالجة هذه الأعراض ولكن مقاومة الفيروس المتصاعدة لها أصبحت تشكل مشكلة في معالجة هذا النوع من الفيروسات وبالأخص في المرضى ذوي المناعة الضعيفة (ناصر الدين وآخرون، ٢٠١٧).
من الممكن أيضاً استخدام الأعشاب كمضادات فيروسية من خلال دمج مستخلصات أكثر من نوع نبتة أو عشبة لإعطاء مفعول أقوى في محاربة الفيروسات. من الأمثلة على ذلك منتج مكون من أربع مستخلصات وهي فاكهة الخرفيش الجافة، جذر الميرمية الصينية، فاكهة الشزندرة الصينية وأخيراً مستخلص جذر نبتة القتاد. بعد إجراء بحث علمي مكثف، تم اكتشاف أن مستخلص القتاد هو بالأساس المسؤول عن الفعل المضاد لفيروس التهاب الكبد سي، بحيث أثبت نشاطه وفعاليته في هذا الدور، وبالأخص لعدم وجود أثر لسموم خلوية في هذا المستخلص (جانجو وآخرون، ٢٠١٥).
تم أيضاً إثبات فعالية المستخلصات النباتية التالية كمضادات فيروسية: الكينا (Eucalyptus)، العسلة اليابانية (Lonicera Japonica)، جينسينج (Ginseng) وبالتحديد فعاليتها ضد فيروس كورونا المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادة الشديدة النوع ١. تم فحص الكثير من الأعشاب الصينية وفعاليتها كمضادات فيروسية وتم اكتشاف فعالية أربعة مستخلصات من هذه الأعشاب بالتحديد التي كانت فعاليتها تفوق فعالية المكون الفعال Glycyrrhizin. من ضمن هذه المستخلصات الأربعة، كانت نبتة زنبق العنكبوت الأحمر أكثرها فاعلية ومرشح جيد كدواء مضاد للفيروسات. عملية تنقية المستخلص من هذه النبتة ساعد في اكتشاف المكون الكيميائي ليكورين كمرشح فعال ضد فيروس كورونا السابق ذكره. بالإضافة إلى فاعليته ضد فيروس كورونا، فإن الليكورين له خصائص تثبط من فيروس شلل الأطفال، وفيروس الهربس البسيط (لي وآخرون، ٢٠٠٥)
بسبب مقاومة مسببات الأمراض (فيروسات، بكتيريا) للعقاقير الكيميائية، أصبح البحث عن مستخلصات نباتية حيوية نشطة حاجة ملحة. عملية البحث عن نشاط مضاد للفيروسات في البعض من مستخلصات أوراق النباتات هو خطوة مهمة في سبيل إيجاد علاج بديل للأمراض الفيروسية، بحيث أن مستخلصات النباتات الخام هي مصدر واعد لحقل واسع من المضادات الفيروسية التي قد تسبب ضرراً أقل للخلايا المضيفة، مقارنة بالعقاقير الكيميائية الواسعة الإنتشار (ناصر الدين وآخرون، ٢٠١٧).
تقدر منظمة الصحة العالمية أن ٨٠٪ من سكان العالم يستطيعون تلبية احتياجاتهم الصحية من خلال مصادر نباتية. بالتالي، يجب تعزيز البرامج التي تهدف لإدخال النباتات الطبية في الأنظمة الصحية للشعوب التي تستخدم النباتات ومنتجات النباتات في العلاجات الطبية، ويجب على الدول التي تمتلك تاريخ قديم بالتعامل مع النباتات الطبية أن تدعم البحث العلمي الذي يهدف إلى اكتشافات حديثة في عالم الأدوية المستخلصة من النباتات. وأخيراً، فإنه من الذكاء استخدام النباتات في إنتاج لقاحات وعلاجات قائمة على البروتين، بحيث أن العديد من الأبحاث العلمية أكدت أن النباتات هي مصدر جيد لإنتاج الببتيدات/ البروتينات العلاجية وتم تأكيد سلامة هذه اللقاحات والعلاجات على البشر والحيوانات (مختار وآخرون، ٢٠٠٨).
المصادر:
Ganjhu, R., Mudgal, P., Maity, H., Dowarha, D., Devadija, S., Nag, S. Arunkumar, G. 2015.
Herbal plants and plant preparations as remedial approach for viral diseases. VirusDis (26), pp. 225-236.
Lenz, E., Muller, C., Mostafa, A., Dzieciolowski, J., Kanrai, P., Dam, S., Cwientzek, U., Prenner, L., Pleschka, S. 2018. Authorized medicinal product Aspecton oral drops containing thyme extract KMTv24497 shows antiviral activity against viruses which cause respiratory infections. Journal of herbal medicine (13), pp. 26-33.
Li, S., Chen, C., Zhang, H., Guo,H., Wang,H., Wang, L., Zhang, X., Hua, S., Yu, J., Xiao, P., Li, R. and Tan, X. 2005. Identification of natural compounds with antiviral activities against SARS- associated coronavirus. Elsevier public Health Emergency Collection.
Moerman, D. 2009. Native American medicinal plants: An Ethnobotanical dictionary. Timber Press. Portland. London.
Mukhtar, M., Arshad, M., Ahmad, M., Pomerantz, R., Wigdahl, B., Parveen, Z. 2008. Antiviral potentials of medicinal plants. Elsevier public Health Emergency 131 (2), pp. 111-120.
Nasr- Eldin, M., Abdelhamid, A., Baraka, D. 2017. Antibiofilm and antiviral potential of leaf extracts from moringaoleifera and Rosemary (Rosmarinusofficinalis Lam). Egypt. J. Microbiol. 52, pp. 129-139.
Orr, S. 2014. The new American herbal. Clarkson Potter.