|
البعض ممن ينتج، أو يدعو لإنتاج غذاء مسمم يبرر ذلك بالحاجة لإطعام البشر والأعداد المتزايدة من الناس! لكن نصفُ ما يتم إنتاجه من محاصيل -باستعمال تلك السموم- يجري إلقاءه في البحر، فإذا كان المبرر لاستعمال السموم الكيماوية هو إنتاج ما يكفي لإطعام البشر ومحاربة المجاعة، لماذا يتم إلقاء نصف الكمية في البحر أو حرقها، بدل أن تذهب للجوعى البالغ عددهم في العالم نحو مليار شخص؟! قيمتنا في أن نعي ذاك التناقض بين أخلاقياتنا الإنسانية ومعتقداتنا الإيمانية وبين سلوكنا تجاه مكونات الطبيعة، قيمتنا كبشر أن نرتقي بوعينا لنصل إلى حالة الإنسجام مع الذات في المعتقد والسلوك. وما ذاك التناقض بين الأمرين إلا مؤشر على جهلٍ بدورنا، وجوهر رسالتنا على الأرض، القائم على الإرتقاء بالوعي، وعندها سنرى في كل كائنٍ قدسية، فللتراب قدسية، وللماء قدسية، وللنبات والغزال والفراشة. والقدسية هنا لا يُقصد بها البعد الديني، وإنما احترام الحياة بكافة أشكالها.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
سنهرب من صخب الحياة والضغط النفسي والروتين الممل القاتل إلى هناك، إلى حيث الطائر والبلوطة والقُنديل والنتش، نستظل بظل شجرة صنوبر، إلى حيث نبع ماء تتدفق منه المياه بلطف وبلا جهد، تمارس رحلتها الأزلية وتؤدي دورها بلا مِنَّة، مياه تتعرج بين الحجارة وتبتلع الشمس. هناك في الطبيعة نشق الطريق في رحلة شفاء الروح والنفس والجسد - نرقص، نغني، نلعب، نستلقي على العشب ونُخرج من داخلنا الطفل الكامن، نلاعبه بلا تكلف كما طفولتنا البريئة، "نمرمغ" ثيابنا بتراب الأرض ونقوم بجمع الزعتر والمريمية، نوقد الحطب ونُحَضِّر الشاي على النار.
سنراقب الفراشة تطير بلا جهد وتحط على زهرة هناك أو ورقة عشبٍ ما، على ساق شجرة ثم تحرك جناحيها بلا تكلف ثم تطير سابحةً في الهواء بلا عناء، متوازنة مع ذاتها لا تخشى من طيران أو هبوط، نطاردها لالتقاط صورة في أجمل وضع، يدفعنا طفلنا الداخلي نحو الاستمتاع بتناسق ألوانها ويطاردها أولادنا للإمساك بها. ننبهر لرؤية سحلية هنا، صرصور هناك وطائر على شجرة، وإذا رأينا طائر الشُنار تهفو نحوه روحنا، أما رؤية الغزال منتصباً شامخاً يقفز ويجري، فلحظات سنتحدث عنها بكل الشغف ومع كل قفزة يؤديها يقفز قلبنا بهجةً لرؤيته. لقد قتلتنا "المدنية" وجعلتنا نبحث عن فسحة من راحة البال وتوازن النفس وراحة العقل وسمو الروح. غمسنا أنفسنا بذاك الروتين اليومي الممل المتعب الممرض ولا نجد لأنفسنا شفاءً، إلا فسحة من وقت نقضيه في أحضان طبيعةٍ لا تبخل علينا بمدٍ من التوازن المتواصل، وحين نهجرها تملؤنا الكآبة.
ليس من واحدٍ لا يشعر بشيء مما ورد حين يكون في الطبيعة، الطفل والشاب والشيخ، مهندس نظافة الشارع وسائق التكسي، حارس الباب والمدير العام، شرطي المرور والرئيس، الملحد ورجل الدين والواعظ واللاديني، المزارع وبائع المواد الزراعية الكيماوية، الكل تفعل الطبيعة فيه فعلها الإيجابي ولكن ….

النباتات والأعشاب البرية ضرورية للحفاظ على التوازن الطبيعي للحشرات والحيوانات
غياب الوعي وغسيل الدماغ
قالت لي إحدى الناشطات منذ أكثر من خمسين عاماً في مجال حماية البيئة، إن الكثير ممن يلحقون الأذى بهذه البيئة، ليس على وعي بما يسببون من أذى قد يصل أحياناً حدّ الجريمة. تقول: "التقيت برؤساء شركات التعديل الوراثي للبذور، بمدراء وأصحاب مزارع كبيرة يعتمدون على البذور المعدلة والكيماويات الزراعية، علماء في الجامعات يعملون على ما نعتبره غير بيئي، بل ويلحق الأذى بالبيئة، والشيء المشترك بينهم أنهم ليسوا على وعي بما يقومون به. إنهم مغيبون وقد جرى لهم ما يشبه غسيل الدماغ. لقد دخلوا في دوامة ولا يعرفون طريقاً للإنفكاك منها".
هؤلاء أيضاً يحبون الطبيعة، ويخرجون إليها لشفاء الروح، وأخذ قسطٍ من جرعات التوازن وتجديد الطاقة والإنسجام مع الذات، يستمتعون بعناصر الطبيعة، بالأشجار والحشرات والطيور ومجرى النهر، يراقبون العصافير والفراشات. فمن من البشر ليس على هذه السجية؟ مرة أخرى ولكن …
ألا تشكل هذه الحالة التي يعيشها الكثير من البشر نوعاً من التناقض العميق مع الذات؟! أليس هذا انفصام بين ما تهواه الروح الباحثة عن السلام الداخلي وبين السلوك اليومي؟ خاصةً لأولئك الذين يلحقون الأذى بأفعالهم بالطبيعة المقدسة؟ ألا يشكل إلحاق الأذى بهذه الطبيعة خروجاً عن الرسالات السماوية، الداعية لصون ما أوجد الخالق؟ كيف لمن يمارس الطقوس العبادية الإيمانية أن يلحق الأذى؟ كيف لمن يصلي للخالق أن ينتج غذاءً يعرف تماماً أنه يحوي في جوفه سموماً للبشر؟ هل يتوافق هذا مع ذلك الإيمان وتلك الطقوس التي يمارسها؟
بعضٌ من الناس هم ضحية عملية غسيل دماغ مورست علينا جميعاً طيلة عقود من الزمن، لكن ذلك لا يلغي مسؤوليتنا الأخلاقية والإنسانية في أن ننقب في سلوكنا ونحلله، قبل أن نُقدم عليه، ولا يلغي مسؤوليتنا في البحث وزيادة الوعي بأفعالنا وممارساتنا اليومية الفردية منها والجماعية. البعض ممن ينتج، أو يدعو لإنتاج غذاء مسمم يبرر ذلك بالحاجة لإطعام البشر والأعداد المتزايدة من الناس! لكن نصف ما يتم إنتاجه من محاصيل باستعمال تلك السموم يجري إلقاءه في البحر، فإذا كان المبرر لاستعمال السموم الكيماوية هو إنتاج ما يكفي لإطعام البشر ومحاربة المجاعة، لماذا يتم إلقاء نصف الكمية في البحر أو حرقها، بدل أن تذهب للجوعى البالغ عددهم في العالم نحو مليار شخص؟!

تنوع الحياة البرية في فلسطين
نحب الطبيعة ولكن!
نستمتع كثيراً بأكل العسل، وكل واحدٍ يتمنى لو بمقدوره دوماً أن يجعل العسل غذاءه اليومي، وفي ذات الوقت يقلقنا ظهور عشبةٍ هنا أو هناك، أو شجيرة غريبة على أطراف حقلنا، فلا نتركها لنحل يأتي ليرتشف رحيقها ويحوله لنا عسلاً طيباً مذاقه شافياً لمرضنا. أصبحت الأعشاب عدواً لنا نريد في كل عامٍ إبادتها بكل ذاك المخزون الهائل من الخوف منها والحقد عليها، فنأتي بمبيدات الأعشاب، التي تسمم تربتنا ومياهنا لنقضي على تلك الأعشاب. الأعشاب فيها ما ينفع كغذاء وفيها ما نأخذ منه الدواء وتحتاج منا فقط للتعامل معها بوعي يجعلنا قادرين على تعظيم الاستفادة منها، ولنتذكر أن هناك نحل جائع ينتظر تلك الأعشاب ليسد جوعنا لذاك الشراب الحلو المذاق.
قيمتنا في أن نعي ذاك التناقض بين أخلاقياتنا الإنسانية ومعتقداتنا الإيمانية وبين سلوكنا تجاه مكونات الطبيعة، قيمتنا كبشر أن نرتقي بوعينا لنصل إلى حالة الإنسجام مع الذات في المعتقد والسلوك. وما ذاك التناقض بين الأمرين إلا مؤشر على جهلٍ بدورنا، وجوهر رسالتنا على الأرض، القائم على الإرتقاء في الوعي وعندها سنرى في كل كائنٍ قدسية، فللتراب قدسية، وللماء قدسية، وللنبات والغزال والفراشة. والقدسية هنا لا يُقصد بها البعد الديني، وإنما احترام الحياة بكافة أشكالها.

محاربة الأعشاب بالمبيدات وتعرية التربة في الزراعة الكيميائية
نحب الطبيعة ونستمتع فيها ونشن حرباً بلا رحمة على مكونات تلك الطبيعة وعناصرها. نعبد الله ونحارب خلقه بلا رحمة. فإن ظهرت حشرة في حقلنا ذهبنا لنمتشق سلاحنا الكيماوي لنبدأ رحلة مطاردة لذلك المخلوق بهدف إبادته بالمبيد الذي يقع بين أيدينا. لا نكلف نفسنا بالبحث عن سبب ظهور ذلك الكائن وتحوله إلى آفة ومجرد ظهوره يعني لنا بدء حرب الإبادة بالكيماويات المسممة لكل أشكال الحياة على الأرض. نلعن كل يوم مرض السرطان المتفشي، والذي يكتوي بناره الجميع ونعيد السبب في كل أحاديثنا إلى الغذاء الذي ما عاد طبيعياً، لكننا مستمرون في إنتاج ذلك الغذاء، بل وندافع عن أساليب إنتاجه المسممة له ونتهم من يريد لنا غذاءً بلا سموم بالحالمين والمهرجين وغير الواقعيين، نحاربهم ونهزأ بهم وفي نفس الوقت نريد الغذاء الذي يتحدثون عنه، ندافع عن استعمال السموم وننصح بها ونبحث عن غذاء تم إنتاجه بطرق طبيعية، نلجأ للسموم في زراعتنا ونحن للمذاق القديم للخضار والفواكه و"الجاجة العُتقية"، التي كان الجد يربيها ثلاثة أشهر.
ننسى أننا حين نخرج للطبيعة نستمتع بظهور تلك الفراشة من حولنا، وجهلنا لا يساعدنا على معرفة أن تلك الفراشة ما هي إلا تلك الدودة، التي حملنا لها سلاحنا الكيماوي. نحب الفراشة ولكن !!! آن لنا أن نرتقي بالوعي ليس فقط بالعلم، فالعلم الذي لا يحترم ولا يحفظ قدسية الحياة على الأرض، لا قدسية له.