عندما تصبح "البيئة" غلافا للتماهي مع جرائم المحتل...
|
الأمر المخجل والمعيب هو مشاركة بعض الفلسطينيين في مؤتمرات وفعاليات "بيئية"-سياسية إسرائيلية هدفها الاستعماري الفاضح هو صبغ التوسع الاستيطاني ونهب أراضي وموارد أبناء شعبنا في الضفة بعامة، وفي الأغوار والقدس بخاصة- صبغهما بالصبغة الأكاديمية العلمية والبيئية! المشاركون الصهاينة في هكذا فعاليات هم أنفسهم الذين يعكفون بشكل مباشر ومنظم على إحباط ومنع أي عمل فلسطيني لتطوير البنى التحتية المناسبة والمؤهلة لمعالجة التدمير البيئي الذي يتسبب به الاحتلال ومستوطنوه بشكل أساسي. كما أن الإسرائيليين المشاركين في هكذا فعاليات يعملون على تعطيش الفلسطينيين في العديد من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وحرمانهم من شبكات الكهرباء والعلاج الطبي ومجرد وجودهم وعيشهم بعزة نفس وكرامة على أرضهم. منصات هذه الفعاليات تحوي رجال الجيش الإسرائيلي ومن في معيتهم الذين خلخلوا وأفسدوا النظام الإيكولوجي في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ورغم ذلك يقدمون، بعنجهية استعمارية، رؤية مثالية حالمة "لأرض إسرائيل اليهودية الصديقة للبيئة" والنظيفة من الفلسطينيين.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| المؤتمر الإسرائيلي السنوي في الجامعة العبرية الخاص بالوضع البيئي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 |
عُقد في تموز الماضي بالجامعة العبرية في القدس، المؤتمر الإسرائيلي السنوي الخاص بالوضع البيئي في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967. الإسرائيليون القائمون على المؤتمر يزعمون بأنه علمي ومهني، يتم فيه عرض ومناقشة المشاكل البيئية الخطيرة في المنطقة وطرق التعامل معها. المشهد الغالب في هذا المؤتمر هو مشاركة المستوطنين المتطرفين الذين يسوقون أنفسهم بأنهم حماة البيئة. ومن المثير للاشمئزاز رؤية بعض الهوامش الفلسطينية المشاركة في المؤتمر، وبخاصة "ناشطين" في منظمة بيئية من قرية حوسان (قضاء بيت لحم) فضلا عدم الكشف عن اسميهما.
منظمو المؤتمر هم أساسا مستوطنون من مستعمرة "كفار عتصيون" وبعض المنظمات البيئية الإسرائيلية. وحضر المؤتمر عتاة المستوطنين المقيمين في الضفة الغربية، أمثال "زئيف ألكين" وزير البيئة الإسرائيلي، و"شاؤول غولدشطاين" المدير العام لهيئة الطبيعة والحدائق (الإسرائيلية)؛ بالإضافة إلى ممثلين عن الحكومة الإسرائيلية، بمن فيهم من يسمى "رئيس الإدارة المدنية" وموظفين من وزارة البيئة الإسرائيلية، وأيضا ممثلي "الصندوق القومي اليهودي" و"جمعية حماية الطبيعة" في إسرائيل؛ علما أن المؤسستين الأخيرتين ضالعتان في عمليات التوسع الاستيطاني المتعاظم، بما في ذلك سيطرة المستوطنين بالقوة على ينابيع المياه وطرد الفلسطينيين منها، والسيطرة المنهجية على مساحات كبيرة من الأراضي الفلسطينية بزعم أنها محميات طبيعية واقتلاع الرعاة الفلسطينيين منها. والمثير للسخرية أن "جمعية حماية الطبيعة" عرضت في المؤتمر مشروعا لتحويل الجزء الجنوبي من نهر الأردن إلى محمية طبيعية "لمنفعة جميع المواطنين"؛ وبالطبع المقصود هنا جميع الإسرائيليين تحديدا. كما شارك في المؤتمر باحثان اسرائيليان يعملان مع بعض الفلسطينيين في مجالي المياه ومعالجة النفايات الإلكترونية.
"الصندوق القومي اليهودي" يعتبر من أبرز الداعمين المنهجيين للتوسع الاستيطاني في الضفة الغربية، ومؤخرا زار "داني عتر" رئيس الصندوق الأغوار وأعلن عن التزام منظمته بتطوير الاستيطان هناك باعتبار أن الأغوار جزء من دولة إسرائيل.
ما رشح في الإعلام الإسرائيلي حول المؤتمر يؤكد بأن الكثير من المتحدثين في المؤتمر هم مستعمرون مشاركون في حملات سرقة أراضي الفلسطينيين بالقوة العسكرية ونهب مواردهم الطبيعية والمائية. والأمر المخجل والمعيب هو مشاركة بعض الفلسطينيين في هكذا مؤتمر هدفه الاستعماري الفاضح هو صبغ التوسع الاستيطاني ونهب أراضي وموارد أبناء شعبنا في الضفة بعامة، وفي الأغوار والقدس بخاصة- صبغهما بالصبغة الأكاديمية العلمية والبيئية! المشاركون الصهاينة في هكذا مؤتمر هم أنفسهم الذين يعكفون بشكل مباشر ومنظم على إحباط ومنع أي عمل فلسطيني لتطوير البنى التحتية المناسبة والمؤهلة لمعالجة التدمير البيئي الذي يتسبب به الاحتلال ومستوطنوه بشكل أساسي. كما أن الإسرائيليين المشاركين في المؤتمر يعملون على تعطيش الفلسطينيين في العديد من القرى والبلدات والمدن الفلسطينية، وحرمانهم من شبكات الكهرباء والعلاج الطبي ومجرد وجودهم وعيشهم بعزة نفس وكرامة على أرضهم.
منصة المؤتمر البيئي الصهيوني في الجامعة العبرية حوت رجال الجيش الإسرائيلي ومن في معيتهم الذين خلخلوا وأفسدوا النظام الإيكولوجي في الضفة الغربية وقطاع غزة؛ ورغم ذلك قدموا، بعنجهية استعمارية، رؤية مثالية حالمة "لأرض إسرائيل اليهودية الصديقة للبيئة" والنظيفة من الفلسطينيين. وكل هذا جرى تحت ستار مؤتمر بيئي مهني وشرعية أكاديمية برعاية كلية الدراسات البيئية في الجامعة العبرية، وبأجندة استيطانية صارخة ومكشوفة.
البشاعة العنصرية تجلت ليس فقط في هذا المؤتمر، بل في مؤتمرات شبيهة عُقدت في السنوات الأخيرة، بمشاركة بعض الفلسطينيين.

مزارعون إسرائيليون وفلسطينيون في دورة تدريب إسرائيلية هذا العام في كيبوتس مزراع بالجليل
التسلل الإسرائيلي
في الواقع، التطبيع السياسي المغلف بأغلفة بيئية يتسلل غالبا من ثغرة تخلف أو انعدام البنى التحتية المائية والبيئية في بعض القرى الفلسطينية بشكل عام، وتجمعات الأغوار بشكل خاص، والقصور الفلسطيني في معالجة هذا التخلف. فعلى سبيل المثال، قرية العوجا الفلسطينية الواقعة قرب مدينة أريحا، على الشارع الرئيسي الذي يخترق الأغوار (شارع 90)، عانى مواطنوها من غياب البنى التحتية الأساسية للمياه والكهرباء؛ وذلك رغم موقعها المركزي ومرور عدد كبير من الناس في محيطها يوميا. وبالطبع، تفتقر القرية إلى شبكة أنابيب للمياه العادمة أو منشأة تنقية، بل إن مياه المجاري تتدفق في حفر أرضية غير صماء ومن ثم تتسرب إلى المياه الجوفية وتلوثها. وفي أحيانٍ كثيرة تطفح مياه المجاري من الحفر، ما يرغم المواطنين على إنفاق مبالغ كبيرة لإيقاف الفيضانات. وفي الواقع، معظم القرى الفلسطينية تفتقر لأنظمة جمع وتنقية المياه العادمة.
وفي ظل هذا الواقع المائي والبيئي البائس، دخل إلى العوجا معهد عربة الإسرائيلي للدراسات البيئية، بالتعاون مع بعض الرموز الفلسطينية، بهدف إنشاء بنى تحتية أساسية، وذلك بدعم من المنظمة الأميركية: Build Israel Palestine (لنبني إسرائيل وفلسطين) التي تضم في عضويتها يهوداً وفلسطينيين تحت شعار تنفيذ مشاريع مشتركة لكلا الشعبين! والحديث هنا يدور عن نظام فني شكلي في أحد منازل القرية، لغرض المشاهدات والتدريب. فكرة النظام التي طبقت سابقا في مواقع فلسطينية أخرى بعيدا عن التطبيع و"التعايش" الإسرائيلي الفلسطيني، تتلخص في بئر امتصاصي يعمل في بيئة "لا هوائية" تحفز نمو البكتيريا التي تعمل على تنقية مياه المجاري. نفس الفكرة تطبق أيضا على المياه الرمادية ( الناتجة عن مياه المطبخ والاستحمام) التي يعاد استخدامها في ري أشجار الفاكهة. وبدعم من وكالة USAID الحكومية الأميركية أنشأت أنظمة تدريبية مشابهة في مواقع فلسطينية أخرى، مثل مدينة حلحول.
منظمة Build الأميركية-الإسرائيلية-الفلسطينية أقامت سنة 2015 نظاما صغيرا (للمشاهدات) من الألواح الشمسية لتوليد الكهرباء. منظمة اسرائيلية-فلسطينية أخرى تدعى Comet-ME تنشط سياسيا بغلاف بيئي في جنوب الخليل.
برمجة العقل الفلسطيني
الاحتلال المتمثل بما يسمى "الإدارة المدنية" ومنظمات إسرائيلية يستغلون مشاريع بيئية شكلية، مثل إنشاء محطات معالجة المياه العادمة، كأداة للتطبيع السياسي بين الفلسطينيين والمحتلين ولشرعنة الوجود الكولونيالي الاستيطاني، وبالتالي تكريس "التعايش" بين المحتل والرازح تحت الاحتلال، وتثبيت الاستيطان ونهب الأراضي والموارد الفلسطينية، تحت عباءة "حل المشاكل البيئية المشتركة ومنع التلوث". وقد تجسد مخطط تثبيت التعايش بين المحتلين وضحايا الاحتلال وبالتالي شرعنة الأخير، في محاولة المستعمرين الإسرائيليين استدراج رموز فلسطينية لما يسمى "العمل البيئي المشترك"، بذريعة أن المشاكل البيئية "لا تعرف الحدود السياسية".
وبالرغم من هيمنتهم المطلقة على الموارد المائية وحوض نهر الأردن ونهبهم للمياه الجوفية والسطحية، وتعطيشهم للفلسطينيين والأردنيين، يعمد الإسرائيليون إلى ترويج أكاذيب من قبيل أن جميع مواطني المنطقة (عرب وإسرائيليين) يعانون من أزمة المياه بشكل متساوٍ. لذا، وتحت مظلة هذه الأكاذيب عملت وتعمل إسرائيل عبر منظماتها البيئية والسياسية المختلفة، على تجنيد متواطئين فلسطينيين وأردنيين "للتعاون المشترك" لحل هذه المسألة الحساسة التي افتعلها الإسرائيليون أنفسهم.
وفي سياق البرمجة الإسرائيلية للعقل الفلسطيني، لم تنس المنظمات الإسرائيلية الناشطة في مجال "التعايش" أن تنظم أمسيات "ترفيهية" احتفالية تطبيعية، كما حدث، على سبيل المثال، قبل نحو ثلاث سنوات في مسرح "الأوبرا" الواقع على سفح جبل مسعدة (مسادا) المطل على منخفض البحر الميت، حين شارك في إحدى الأمسيات نحو خمسين ناشطا بيئيا و"باحثا" وطالبا، إسرائيليين وفلسطينيين وأردنيين، وذلك في إطار مشروع بحثي يسمّى (Deserve) حول البحر الميت تنفذه بشكل أساسي مجموعة من الباحثين والناشطين البيئيين الإسرائيليين. واللافت، في هذا السياق، أن الباحثين والسياسيين الإسرائيليين وبعض الفلسطينيين والعرب المتعاونين معهم، يتجاهلون مسؤولية الاستعمار الاستيطاني الإسرائيلي عن خراب البحر الميت، وبخاصة الهبوط المتواصل في مستوى سطحه. فحتى أواسط الستينيات، كان نحو مليار و300 مليون متر مكعب من المياه يصب سنويا على طول الجزء الجنوبي من النهر، في جريان سريع، علما بأن عرض النهر كان يتراوح بين 40-60 متراً. أما اليوم، وبسبب النهب الإسرائيلي أساساً لروافد البحر الميت (نهر الأردن وبحيرة طبريا والآبار الجوفية المحيطة به)، فلا يصب في ذلك الجزء من النهر سوى كميات هزيلة جدا من المياه، لا تتجاوز 20 – 40 مليون متر مكعب، بينما يتراوح عرض النهر بين نصف متر إلى ستة أمتار فقط! أي أن كميات المياه التي كانت تجري تاريخيا في النهر انخفضت بنحو 98%. وحاليا، لا تتجاوز المياه الطبيعية التي تصب في الجزء الجنوبي من النهر 2% من المياه التي كانت تصب فيه في الماضي.

نشاط المنظمة الإسرائيلية الفلسطينية Comet-ME في جنوب الخليل
تشعب تطبيعي كبير
التطبيع الإسرائيلي-الفلسطيني الذي يتم تزيينه بشعارات بيئية ومائية وزراعية، تَعَمَّقَ وتَشَعَّبَ كثيرا في السنوات القليلة الماضية؛ فبتنا نشهد مشاركة سنوية لمئات المزارعين الفلسطينيين في المعرض الإسرائيلي الدولي السنوي (بتل أبيب) لإنتاج وتسويق المنتجات الزراعية Agromashov” “Fresh، وذلك بتنسيق من "الإدارة المدنية" التابعة للاحتلال ودعم وكالة USAID، تحت ستار تعريف الفلسطينيين بالتحديثات التكنولوجية الزراعية؛ علما أن إدارة الاحتلال "المدنية" تزعم بأنها تعمد سنويا إلى تأهيل أكثر من ألف مزارع فلسطيني من خلال دمجهم في ندوات ودورات تدريبية ومعارض زراعية إسرائيلية!
الدورات التدريبية الإسرائيلية المصممة خصيصا لمزارعين فلسطينيين وعاملين في القطاع الزراعي من الضفة الغربية وقطاع غزة، هي الأكثر طرافة؛ إذ من اللافت، بحسب ما أفادنا بعض المشاركين (التائبين!) في هكذا دورات، أن الأفكار العلمية والتقنية التي طرحها "المدربون" الإسرائيليون على "المتدربين" الفلسطينيين بديهية وبسيطة جدا ولا تحتاج إلى تدريب خارجي، وتحديدا إسرائيلي، ويمكن تمريرها بسهولة لمزارعينا من خلال خبرائنا وجامعاتنا ومعاهدنا وكلياتنا!
هذه الدورات هدفها الإسرائيلي المعلن هو "التعايش السلمي المشترك" و"تعزيز ديمقراطية المؤسسات المجتمعية" و"تدعيم العملية السياسية بشكل متسامح وحر وجماعي". وفي ظل الحصار الاسرائيلي المشدد على أبناء شعبنا الذين يحرمون من العمل ولقمة العيش، فإن المؤسسات الإسرائيلية المنظمة لهكذا دورات تحرص على توفير "تصاريح السفر" اللازمة للمشاركين الفلسطينيين في هذه الدورات والذين ينتمون الى مؤسسات ومنظمات حكومية وغير حكومية.
بعض فلسطينيي الضفة والقطاع انخرط في الماضي ولا يزال ينخرط في برامج "إرشادية" و"تدريبية" تصممها وزارة الزراعة الإسرائيلية "خصيصا" للفلسطينيين، علما بأن الوزارة الأخيرة غير معنية ولا مصلحة لها إطلاقا في منح أي شكل من أشكال "التسهيلات" لمزارعينا أو "تطويرهم"، لأن ذلك يتناقض تماما مع أهم دور وظيفي منوط بها، والمتمثل في التوسع الاستعماري الاستيطاني وتغذية المستعمرات القائمة. لهذا فان نسبة مرتفعة من موازنة وزارة الزراعة الإسرائيلية مخصصة أصلا لإقامة مستعمرات جديدة في الضفة الغربية والجولان.
وفي سياق ممارستهم فن التزوير والكذب، يساهم الفلسطينيون المشاركون في ما يسمى الدورات التدريبية" و"المشاريع البيئية والزراعية" المشتركة مع الصهاينة- يساهمون بحماس في تسويق الأكاذيب الصهيونية، مدعين أن لمشاركتهم أهداف "بحثية وتعليمية بحتة"، وليس من ورائها أية دلالات سياسية!
المسألة الأساسية هنا، أن العملية التدريبية الإسرائيلية لا تتضمن فقط الجانب المهني أو العلمي الصرف، سواء أكان في المجال الزراعي أو البيئي أو المائي أو الإداريأو أو الخدماتي أو غيره، بل تقف خلف العملية التدريبية جوانب تربوية وذهنية وقيمية ونفسية، بمعنى أن استراتيجية التدريب تتضمن قيما صهيونية وأنماط تفكير وسلوك إسرائيليين وثقافة ترويضية تستدخل الهزيمة. ناهيك عن عرض أفلام حول "التعايش السلمي" والزيارات الميدانية لـ"الكيبوتسات" والمستعمرات والمؤسسات الإسرائيلية في الجليل والمثلث، حيث تعرض الانجازات "الرائعة" التي "لا مثيل لها إلا في إسرائيل"، بينما يتم تجاهل القرى والبلدات العربية البائسة المحيطة. بالإضافة لعرض تاريخ إسرائيل بطريقة تعبث بالحقائق التاريخية وتنسفها من أساسها، بمعنى أن "التطبيع" الصهيوني – الفلسطيني في هذه الحالة ليس أكثر من "أسرلة" قسرية تجسد العلاقات غير المتكافئة والمشوهة بين القوي والضعيف أو بين المنتصر والمهزوم.
المُعْلَن والمستور
جوهر المشكلة أن التطبيع الإسرائيلي-الفلسطيني السياسي-الأمني بأغلفة بيئية-مائية-زراعية قائم منهجيا وبنيويا في المستوى الفلسطيني الرسمي؛ علما أن ما يعلن يتناقض غالبا مع المستور. فعلى سبيل المثال، صادقت الحكومة الفلسطينية في جلستها المنعقدة بتاريخ 18/2/2014 على مشروع إنشاء محطة معالجة إقليمية لمياه الصرف الصحي في الخليل، وذلك استنادا إلى توصيات لجنة البنية التحتية الوزارية الدائمة والتي أشارت إلى "عدم إثارة موضوع ربط المستوطنات الآن؟!"، بمعنى قد تعطى لاحقا موافقة فلسطينية غير معلنة لربط المستوطنات الإسرائيلية بمحطة المعالجة؛ علما أن هذا الربط يعد الشرط الإسرائيلي الأساسي لمنح السلطة ترخيصا لإقامة مشروع المحطة الذي تصل تكلفته إلى 55 مليون دولار، والممول من فرنسا، والوكالة الأميركية للتنمية الدولية، والبنك الدولي، والاتحاد الأوروبي. والمثير أن معالجة مياه المستوطنين في محطة فلسطينية يتناقض مع القانون الفلسطيني، حيث أصدر الرئيس محمود عباس، عام 2010، قرارا بقانون رقم (4) يحظر فيه التعامل مع المستوطنات وتقديم الخدمات لها.
وقبل ذلك، في العام 2000، أقيمت محطة تنقية تابعة لبلدية مدينة البيرة بترخيص إسرائيلي، مقابل تكرير مياه المستوطنات الملاصقة للمدينة، وذلك لمعالجة نحو 5 آلاف متر مكعب يومياً من المياه العادمة، ليس فقط للفلسطينيين بل أيضا للمستوطنين. المحطة تخدم حوالي 50 ألف فلسطيني ومستوطن، وتستقبل وتعالج يومياً، ومجاناً، مياه مجاري مستوطنتي "بساغوت" المقامة على أراضي جبل الطويل و"بير يعقوب" المقامة على أراضي سطح مرحبا المحاذية للمدينة. والأمر الفاضح، أنه في سنة 2007 رُفِعَت الضريبة على المواطنين الفلسطينيين لتغطية تكلفة تكرير مياه المستوطنات!
السؤال المطروح: أين تقف السلطة الفلسطينية، وبخاصة سلطتي المياه وجودة البيئة ووزارة الزراعة الفلسطينية من هذا المشهد التطبيعي السياسي-البيئي-الزراعي المريب؟