| اختيرت بتير ضمن قائمة التراث العالمي قبل سنوات حفاظاً عليها باعتبار الموقع مهدداً بالخطر، وذلك بسبب التحولات الاجتماعية والثقافية والجغرافية السياسية وفق ما ورد على لسان اليونسكو، تلك التهديدات التي أصبح يراها أهلها قائمة بالفعل هي نتيجة سياحة اعترفت كل محاور هذا التقرير أنها ما زالت غير منظمة، سياحة جديدة وتحوّلٌ يحتفي به البعض وينظر إليه البعض الآخر بتوجس وقلق. العديد من أصوات المجتمع المحلي تخرج عن صمتها وتتحدث عن الجانب غير المشرق في سياحة بتير. |
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| بركة بتير التاريخية |
بعد إدراج بتير في قائمة التراث العالمي "اليونسكو" قبل أربع سنوات لما تحتويه من آثار لتاريخ عبِق مهدد بالخطر جرّاء عوامل عدّة، بدأت القرية تتحول إلى منطقة سياحية من الطراز الأول، يؤمها الفلسطينيون من مختلف أنحاء الوطن، كما يضعها الزوار الأجانب في قائمة المناطق التي يرغبون برؤيتها حين يأتون لفلسطين. بوادر مبشرة لسياحة مزدهرة في القرية، لكن في ذات الوقت، سبقت "فورة السياحة" تنفيذ بنية تحتية وفوقية مناسبة لتأمين أجواء سياحية منظمة، ما جعل العديد من أصوات المجتمع المحلي تخرج عن صمتها وتتحدث عن الجانب غير المشرق في سياحة بتير.

المجتمع المحلي في بلدة بتير يناقش الخطة الاستراتيجية
لماذا بتير بالذات؟
يعيش في بتير -التي تعني كنعانياً "بيت الطير"- القرية المتجانسة والتي ما زالت تحتفظ بطابع الريف من حيث النمط العمراني والزراعي 5 آلاف نسمة على مساحة 7 آلاف دونم، تتميز بوجود مدرّج الجنان الزراعي وعيون الماء التي توزع على الأراضي الزراعية وفق نظام مجتمعي تعاوني. لبتير أيضاً قيمة تاريخية ووطنية حيث انتزع رائد بتير "حسن مصطفى" بالمفاوضات عام 1949 "بعيد اتفاق رودوس" بموافقة من مجلس الأمن حق الوصول للأراضي الزراعية والتي كان من المفترض مصادرتها بفعل القطار الذي ألغيت محطته، ولكنه أحتفظ بحق المرور على أراضي القرية.
أُدرجت بتير ومناطق من قرى (المخرور، الخضر وحوسان) في قائمة التراث العالمي المهدد بالخطر عام 2014 باعتبار الموقع معرّضاً للضرر بسبب التحولات الاجتماعية والثقافية والجغرافية السياسية التي من شأنها أن تصيب الموقع بأضرار جسيمة غير قابلة للتصحيح.
يتضمّن المنظر الطبيعي لتلال بتير- نقلاً عن صفحة اليونسكو الإلكترونية- الواقع على بعد بضع كيلومترات جنوب غرب القدس، سلسلة أودية زراعية تعرف باسم "وديان" وتتميّز بمدرّجات حجرية يُروَى بعضها لإنتاج البقوليات، في حين يزرع بعضها الآخر بكروم العنب وأشجار الزيتون.
واستند تطوّر هذه المدرّجات المزروعة، في إطار بيئة جبلية للغاية، على شبكة من قنوات الريّ تغذيها مصادر المياه الجوفية. والمياه التي يتم جمعها بفضل هذه الشبكة، بحيث تُوَزَّع بموجب نظام توزيع تقليدي منصف يعرف بـ"المعدود" وذلك بين عائلات قرية بتير الثمانية لري أراضيهم الزراعية الممتدة على المدرجات.

بازار لدعم إنتاج نساء بتير
بتير السياحية بلسان أهلها
ترى ابنة المفكر التنموي والاجتماعي والناشط الوطني "حسن مصطفى" "السيدة ناديا البطمة" والتي تدير مركزاً ثقافياً يحمل اسم أبيها، بأن هذه السياحة التجارية ستؤثر على العلاقات الأسرية والمجتمعية ومستقبلها.
وأوضحت بالقول: "الكل يروج للسياحة في بتير ويبالغ في جمالها، ولا أحد يتنبه إلى التغيرات على المجتمع الذي كوّن في الماضي والحاضر نموذجاً من التنمية ليس له مثيلٌ حتى الآن".
وتتخوف البطمة من توجه جديدٍ ظهر لدى أهالي القرية بعد تزايد الحركة السياحية يتمثل في الرغبة ببيع الأرض والمنازل للأغراب، فوفق البطمة، ستتحول البيوت العتيقة الجميلة إلى مشاريع استثمارية سياحية ولو على حساب الجيران أو الأهل.
وتضيف: "أصبحنا -على سبيل المثال- نرى الأخ يرغب ببيع حصته في بيت العائلة الذي يفصل بينه وبين أخيه حائطٌ ومدخل مشترك، وذلك بسبب ارتفاع سعر العقار والأرض كنتيجة لتحوّل بتير لمنطقة سياحية، ما يهددُ البنية الاجتماعية المتماسكة للقرية".
وانتقدت البطمة المهتمة بتوثيق التراث المطبخي وعادات الريف الفلسطيني ما يجري حالياً ببتير كونها –من وجهة نظرها - غير مؤهلة لاستقبال السياحة من حيث الاستعدادات لأماكن عامة فيها خدمات.
وعبرت عن غضبها بالقول: "الجميع يسير بدون نظام أو تخطيط وفي أي مكان فهم يشوون اللحم تحت الزيتون، ويدخلون الأراضي الزراعية الخاصة ويقطفون ثماراً انتظرها أصحابها موسماً كاملاً".
وأشارت إلى دور بعضٍ من أهالي القرية في الاحتجاج على مكان موقف حافلات كان سيقام ملاصقاً لبيوت بتير، الأمر الذي دفع "بلدية بتير" إلى تغيير موقعه إلى آخر أكثر قبولاً من قبل السكان.
ووجهت البطمة اعتراضها على بعض المغالطات التاريخية التي وقعت فيها البلدية فيما يتعلق بمعلم بتير الأساسي "بركة المياه" ونسبها للزمن الروماني، واصفةً الموقع بأنه نظام فلسطيني مجتمعي محلي، وأن الرومان هم مستعمرون وجباة ضرائب برعوا في فتح الطرق للتجار، وليسوا مؤسسين لأنظمة مائية زراعية، كما انتقدت ترميم شوارع حارة السبع أرامل بالبلاط الحجري بدلاً من الإسفلت، وحين استفسرت عن السبب تم إجابتها بأن هذا النمط روماني، الأمر الذي تراه البطمة إلصاقاً للحضارة الرومانية على معالم بتير.

تيسير قطوش في مطعم ببلدة بتير يملكه أحد المواطنين هناك
بعضٌ من العابثين... لكن التوازن مطلوب
"وسام عوينة" مزارع يملك مع عائلته 15 دونماً، منها دونم يقع في منطقة الجنان السياحية، يقول أنه لاحظ أضراراً بأرضه من بعض العابثين، لكن الجزء الأكبر من الوفود السياحية غير مؤذيين ويحافظون على المواقع السياحية والزراعية. وشدّد على أن الحركة السياحية يجب أن تكون متوازنة بين طرفين: المستفيد الذي يعمل بالقطاع السياحي من مكاتب سياحية ومرشدين ومستثمرين، وبين والفلاح الذي يتم دعمه بتأمين بيع منتوجه بسعر أفضل من السوق دون أن يضطر أيضاً للتوجه إلى المدينة.
ويضيف عوينة: "بعض الزوار يعتقدون أن بتير أرض مشاع متاحة للاستجمام والتنزه طول النهار وممارسة "الشواء" ولو على حساب الأرض الزراعية".
وكحلٍ لاقتحام الأراضي الزراعية، يرفض عوينة وضع أسلاك شائكة حول الأراضي، بل يرى أن الحل من جذر المشكلة ويتأتى في إنشاء موقف خاص للحافلات، يشرف عليه موظف خدمات يزود المرشد والسياح بخارطة للموقع تشمل مناطق وتعليمات الزيارة، كما يسجلُّ الموظف اسم المرشد وعدد المجموعة السياحية لتسهيل عملية المتابعة والضبط.
ولا ينفي أن تصبح بتير يوماً ما غريبة عن أهلها على غرار مدن وقرى سياحية زارها في العالم وقد أصبحت بأقل عدد ممكن من السكان، ولكنه أكد أن الأمور قد لا تتجه إلى هذا المنحى في حال نُظّمت السياحة بشكل جيد من حيث توفير بنية تحية وفوقية مناسبة تستوعب هذا العدد من الزوار.
وختم بالقول: "أي أمر فيه حركة غير اعتيادية مع عدد كبير من الزوار لا بد أن يصنع إزعاجا، أنا مع دراسة تقييمية للوضع ورؤية الإيجابيات والسلبيات ومحاولة تطويرها".

تيسير قطوش مع أعضاء بلدية بتير في زيارة تفقدية للمنطقة
لن نرحل
نعمة قصقص، معلمة متقاعدة من سكان منطقة العين السياحية وسط البلد، ترى أن الايجابية الوحيدة هي في تشغيل الأيدي العاملة في بتير، ولكن تبقى نسبتهم ضئيلة لا تتعدى الـ5 %، ولا تندرج ضمن الدخل المستمر والوظيفة الدائمة بل حسب المواسم.
ورأت أن المشكلة الأساسية في الحجم الكبير للسياحة الذي سبب ضغطاً على البنية التحتية الغير مجهزة بعد. وقالت: "لا أنكر أن الشوارع صارت أنظف؛ ولكن كثيراً من المناطق لا يتم متابعتها بعد تلويثها من قبل السياح (خاصة السياحة المحلية الفردية) الذين يدخلون الأراضي الزراعية وكأنها ملكية عامة، ويقطفون ثمرها (تعب المزارع خلال الموسم) بلا رادع أو تأنيب ضمير. ودعت قصقص إلى ضرورة توفير أدلاء سياحيين معتمدين من وزارة السياحة والبلدية للتدقيق في الرواية التاريخية التي ينقلونها للسياح.
وانتقدت قصقص اتخاذ ارضِ الميدان التي كانت مدرسة "حسن مصطفى" تستخدمها للفعاليات والأنشطة الطلابية، حيث تم تحويلها لسوق شعبي يضم عدة أكشاك لبيع المزروعات والأشغال اليدوية، لكن وفق قصقص، فالسوق غير فاعل ولا يمثل إنتاج بتير إلا بما نسبته 5% حيث تباع فيه منتجات من قرى ومدن محيطة.
ونادت قصقص البلدية بضرورة الاستماع لوجهات نظر المجتمع المحلي، لأن السائح زائر سيبقى في المنطقة ساعة إلى ساعتين، ولكن قاطن المنطقة سيبقى فيها طوال العمر.
وختمت قولها: "رغم كل ما يزعجنا في سياحة بتير، لكننا لن نرحل".

ساحة الميدان في بلدة بتير قرب مدرسة حسن مصطفى تستخدم سوقا شعبيا أسبوعيا
من عقلية الريف الودودة إلى التجارية
فيما ترى المعلمة المتقاعدة إبنة بتير "فاطمة صالح" أن السياحة غيرت مجرى حياة الناس للأسوأ وليس الأفضل، فالبنية التحتية والفوقية غائبة، وكثرة الزيارات والعبور للطريق العسكري الفاصل بين القطار وأراضي المزارعين قد يجعل الاحتلال يتخذ إجراءات تصعيدية مستقبلاً تمنع السكان من الوصول لأراضيهم.
ورأت صالح أن طبيعة القرية على وشك التحول من قرية نموذجية بسيطة إلى منطقة تجارية استثمارية. وذكرت: "أهل بتير معروفون بالطيبة والكرم، لكن السياحة التجارية تحولهم إلى تجار يبحثون عن المال في أي زمان ومكان".
صالح التي طالبت البلدية بضرورة الاستماع لشكاوي وملاحظات المجتمع المحلي، ترى أن الأجدى بالبلدية العمل على توفير دعم لمشاريع صرف صحي قبل البدء بالسياحة، مشيرة إلى أن التلوث طال المياه الجوفية ورائحة المجاري تملأ الأجواء.
ولم تتقبل صالح فكرة تحول بتير إلى قرية سياحية من الدرجة الأولى، وما تبع ذلك من ارتفاع مفاجئ في أسعار الأراضي من 3 آلاف دولار للدونم إلى 450 ألفاً، الأمر الذي شجع البعض على بيع أراضيهم البعيدة عن المنطقة السياحية، أما بيوت أهالي بتير القريبة منها فقد باءت محاولات بيعها من قبل بعض السكان بالفشل، بسبب تدخل البتيريين الحريصين على إبقائها كما كانت، وليس لفنادق ومطاعم ومقاهي.
"قبل السياحة، الأفضل أن تركز البلدية على إيجاد متنزهات لأهالي القرية، ملاعب للشباب، توسيع الشوارع وتحسين بنية المدارس". ختمت صالح.

قرية بتير
لا لتغيير نمط القرية الهادئ
وأيدت ما سبق، السيدة "مهى عوينة"، التي تقطن آخر البلد بالقرب من حي الجنان، والتي كانت من أوائل المحتجين على بناء موقف يتسع لعشرين حافلة قرب منزلها على مساحة 3 دونمات، حيث تحدثت مع أهالي الحي وتضامنوا جميعاً ضد مشروع سيسببُ تلوثاً وضوضاء متواصلة، الأمر الذي استطاعوا السيطرة عليه عبر إقناع البلدية بتغيير مكان الموقف.
"كنت أشاهد رجالاً بالقرب من بيتي ومعهم عدة قياس هندسية، في البداية لم أدرك الموقف، ولكن بعد مجيء الجرّافات فهمت ما يجري، احتججنا أنا ومجموعة للبلدية، وكان رد الأخيرة أن التلوث لن يصل البيوت حيث سيتم بناء جدارٍ عالٍ، فأخبرتهم أن الجدار المزمع انشاؤه سابقاً مرفوض لأنه لن يختلف عن الجدار الفاصل في شيء". قالت مهى.
مهى اعترضت أيضا على محاولة أقارب لها بيع منزل صغير وأثري لغرباء مقابل45 ألف دولار، وقد نجحت في إلغاء البيعة، مؤكدة أنها ستقف في وجه من يحاول تفتيت تماسك القرية وتغيير نمط حياتها.

ناشطات مجتمعيات في بلدة بتير
رئيس بلدية بتير يردُّ على اعتراضات المجتمع المحلي
يجيب رئيس بلدية بتير "تيسير قطوش" على معظم اعتراضات المجتمع المحلي موضحاً في البداية طبيعة وضع القرية نتيجة دخولها قائمة التراث العالمي، وما ترتب على ذلك من شهرة عالمية ومحلية حولت القرية في سنوات قليلة لنقطة جذب سياحية، ولكن في ذات الوقت؛ يعترف قطوش أن السياحة سبقت وجود بنية تحتية وفوقية.
"لا نستطيع أن نعيد الزمن للعصر الحجري ونلغي السياحة...الدنيا تغيرت ولا يجب أن نظلّ متقوقعين بالماضي، بل علينا أن نتأقلم مع الواقع الجديد ونرتب أمورنا بما يتناسب مع السياحة الجديدة". قال قطوش
واعترافاً بأهمية المجتمع المحلي كما يذكر قطوش، فقد تم إشراكه في "الخطة التنموية المحلية لبتير (2018-2021) التي تم إعدادها كمطلب من المكتب الاستشاري لصندوق البلديات التابع لوزارة الحكم المحلي، بهدف تطوير القرية خدماتياً وتراثياً وبيئياً وزراعياً وضمان توفير تمويل لها. وكان من ضمن الخطة تطوير الجانب السياحي عبر إنشاء مواقف حافلات، بنية تحتية، حمامات عامة، شوارع واسعة، منافذ للطرق، رافضاً فكرة إلغاء السياحة برمتها، واصفاً هذا الطلب بأنه غير صحيٍ أو صحيح.
وحول موقف الحافلات المجاور للبيوت والذي تم تغيير موقعه بعد الاحتجاج المجتمعي، قال قطوش أن إنشاء موقف وسط حي سكني ليس بسابقة، بل نجده في كثير من المدن والقرى ولا يسبب تلوثاً أو إزعاجا، مؤكداً أن موقع الموقف سابقاً كان مناسباً من حيث خطة المسار السياحي من وادي المخرور حتى الخضر، حوسان فبتير ، أما الآن فموقعه متوسط وبعيد قليلاً، وبالرغم من إيجاد المكان، يوضح قطوش، إلّا أن خلافاتٍ بين الورثة حول تأجير الأرض ما زالت تعرقل المشروع.
ويرى أن تحسين البنية التحتية التي تشمل الصرف الصحي، أمر حاسم بالنسبة لبتير، ولكن المشكلة تتمثل في غياب مصادر تمويل دائمة للبلدية، وكل ما تحصل عليه هو من مؤسسات المجتمع المدني والحكم المحلي وصندوق البلديات.
وحول شكاوي السكان حول غياب الحمامات واضطرار السياح إلى دخول بيوت أهالي القرية لقضاء حاجتهم، فأكد أن هناك شيئاً من التهويل حول هذا الأمر، لافتاً إلى أن الخطة الإستراتيجية تتضمن إنشاء مراحيض عامة في موقعين: موقف الحافلات ومنطقة الجامع.
ولا يرى قطوش أن الاعتداء على الأراضي الزراعية هو من السياح سواء المحليين أم الأجانب، بل أبناء البلد أو بعض السياحة الفردية غير المنظمة، لافتاً إلى رغبة البلدية في السنوات القادمة استغلال وقت فراغ الشبان بدلاً من تركهم يتسكعون بالطرقات وتأهيلهم من خلال مشروع تنموي ليصبحوا مرشدين سياحيين ضمن مجموعات منظمة.
وقال: "يفترض بالسائح أن يلتزم بالنظافة ولا يؤذي المكان، والأغلبية لديها أخلاقيات التنزه، ما عدا فئة قليلة يصعب السيطرة عليها أحياناً".
 |
 |
| بازار بلدة بتير |
ناديا البطمة بصحبة نساء بتيريات في مركز حسن مصطفى الثقافي |
المجتمع المحلي المستفيد الأول
وشدّد قطوش على ضرورة تقبلنا للآخر كأهالي القرية، والنهوض سوياً لتطوير الأمور التنظيمية السياحية بهدف الارتقاء بها، مؤكداً أن البلدية غير مستفيدة من السياحة بقرش واحد، والإشراف على بتير هو تكليف وليس تشريف، والمستفيد الأول هو المجتمع المحلي فمعظم المستثمرين حالياً هم من أهالي القرية.
ودعماً للمزارعين، تنظم بلدية بتير يومي الجمعة والسبت بشكل موسمي "السوق الشعبي" في ساحة الميدان الذي يضم 14 كشكاً بدعم من مركز حفظ التراث التابع لوزارة السياحة، حيث يسوق من خلاله المزارعون منتجاتهم، كما تبيع نساء القرية والقرى المحيطة الأشغال اليدوية والمنتجات البيتية الغذائية بسعر أفضل بكثير من سعر السوق.
حول ساحة الميدان ورداً على حرمان مدرسة "حسن مصطفى" منها، يقول قطوش أنها لم تكن يوماً تابعة للمدرسة، بل هي وقف تستخدمه البلدية لتنظيم فعاليات ومهرجانات ثقافية عدا السوق الشعبي وهي مفتوحة للجميع، وفيها ملعب بسيط لكرة القدم والتنس، وليست حكراً على أي جهة، وكل ذلك لخدمة المجتمع المحلي.
ونوه قطوش إلى نية البلدية وضمن الخطة الإستراتيجية افتتاح مكتب سياحي تابع لها، من شأنه تنظيم دخول وخروج الوفود والتنسيق مع الأدلاء السياحيين والمكاتب الأخرى لضمان تنظيم أفضل.
بتير لكل الفلسطينيين
ونفى قطوش شراء بيوت بتير من قبل غرباء، مع العلم انه لا يرى أي مانع من أن يتم الاستثمار في بتير من فلسطينيين من خارج القرية، لافتاً إلى أن دورهم كبلدية لا يتطلب نهائياً منهم الإشراف على عملية بيع وشراء البيوت والأراضي، بل هي مهمة دائرة الأراضي ووزارة المالية والحكم المحلي.
"بتير لكل الفلسطينيين، فما الذي يمنع أن يشتري كل الفلسطينيين في بتير، أنا كبلدية لا استطيع أن أمنع الاستثمار والمستثمرين في بتير، صحيح أن أسعار الأراضي ارتفعت بشدة ولكن هذه نتيجة طبيعية لتحول المنطقة إلى سياحية".
وعن إزعاجات مرور السياح من وسط الحي السكني، أشار قطوش إلى أن المسار السياحي يتطلب المرور من البلدة القديمة وتحديداً حارة السبع أرامل ولا يمكن استثناءها. وحول خدمة جمع النفايات فأكد أن البلدية حريصة على تنظيف بتير يومياً في المناطق التي تصلها شاحنة النفايات، أما المناطق الضيقة كدرج العين والمسارات فيتم تنظيف المكان من خلال عمال كل ثلاثة أيام.
وأمّا القطار وظاهرة تواجد السياح بكثرة في المنطقة وعبورهم من الطريق العسكري المخصص للجيش، فأكد أن ما سيهدد بإبقاء الطريق مفتوحة هو سوء تصرفنا في المنطقة، لافتاً إلى أن السياحة الفردية لا يمكن السيطرة عليها فلا يتوفر حراس لكل موقع طوال اليوم.
وحول المغالطة التاريخية المتعلقة ببركة المياه وهل هي رومانية أم لا، فأيد السيدة البطمة في وجهة نظرها، ولكن ما جرى أن التسمية درجت في بتير منذ قرون فبقيت على ما هي عليه.
وفي سؤال أخير حول "متى سيشعر أن السياحة ستشكل خطراً على بتير؟ أجاب قطوش أنها ستكون كذلك إن بقيت فوضى ولم تنظم، لكن تنظيمها وارد وضروري وعلى أجندة البلدية.
 |
| القطار الإسرائيلي الذي يمر من أراضي بلدة بتير |
وزارة السياحة: التسويات مطلوبة لتسير عجلة التغيير
اعترف "أحمد رجوب" مدير دائرة التراث العالمي في وزارة السياحة خلال حديثٍ مع "مجلة آفاق"، أن الفوضى السياحية في بتير ستحصل بلا شك، حيث أُختير الموقع ولم تكن القرية مهيأة بعد لاستقبال هذا الكم من السياحة، والتي في معظمها تتوزع كالتالي: (78% سياحة محلية، و 22% أجنبية)، وتتركز في فصلي الربيع والصيف وتقل في باقي الفصول.
ولفت رجوب إلى أن البنية التحتية والفوقية ليست جاهزة بعد، كما أن المجتمع الفلاحي المتجانس وقليل الكثافة غير مستعد بعد لهذا الانكشاف الكبير على السياحة، مع العلم، وفق رجوب، أن للسياحة فوائد عظيمة فهي تعني اقتصاد، استثمار، تطوير الزراعة وتسويقها، تبادل ثقافي، وأرباح ستعود على المجتمع المحلي.
المجتمع المحلي شركاءنا في تنمية بتير
وحول دخول بتير ومناطق مجاورة في قائمة التراث العالمي، فقال رجوب أن ذلك يعني أنها ليست فقط مهمة للفلسطينيين بل لكل العالم، مشددا على أن المجتمع المحلي هم شركاء لوزارة السياحة والبلدية ولا يمكن استثناءهم، بدليل وجود نصوص واضحة تتعلق بإشراكهم ضمن الخطة الإستراتجية والحصادية التي تعمل عليها الوزارة وهي بالمراحل النهائية للإعلان عنها، وسيتم تنفيذها بعد إقرارها من اليونسكو.
تشجع وزارة السياحة وفق رجوب الاستثمار لدعم القرية والسياحة، وطالما لا يتوفر رأس مال محلي كافٍ فيجب أن يتقبل أهالي القرية دخول القطاع الخاص من خارج القرية لتحسين خدماتها.
"أدرك أن هناك من هم مع السياحة وهناك ضدُها من المجتمع المحلي، لذلك ضمن الخطة، حاولنا الموازنة بين مصالح جميع الفئات: التجار وأصحاب المصالح، المزارعين، السكان المعنيين بالحفاظ على أصالة بتير وتراثها" قال رجوب.
بتير قيمة عالمية تتجاوز المحلية
يرى رجوب أن التوازن بين تطوير البنى والحفاظ على الثقافة المحلية أمر بحاجة إلى خلق حالة توازن، ولذلك يجب عمل تسويات بين الحفاظ على الطبيعة والتراث؛ والسماح لأي أحد في العالم بزيارة بتير.
"بتير أصبحت قيمة عالمية استثنائية تتجاوز القيمة المحلية والوطنية". يقول رجوب مؤكداً أن الثقافة الفلسطينية ليست ضعيفة ومهددة بل راسخة بعمق القضية ولا يمكن أن تتأثر بالحركة السياحية. في ذات الوقت؛ يدرك رجوب أن بتير قرية صغيرة محافظة تحتاج وقتاً لتتقبل هذه التغيرات.
"قضية بتير ليست سياحة تجارية بل هي سياسية وطنية وإعلانها بقائمة التراث العالمي يحميها من الاستيطان ومصادرة الأراضي، والمطلوب نظرة شمولية وطنية والسؤال هنا: هل بتير أهم من فلسطين؟"
ويرى رجوب أن مشكلة بتير تحديداً في السياحة الداخلية، حيث لا يعي الفلسطيني بعد ثقافة السياحة، فالسائح المحلي لا يتصرف دائماً بمسؤولية، مشيراً إلى أن الوضع لا يمكن أن يتغير في يوم وليلة، بل يجب البدء بالتوعية في المدارس والجامعات والتي هي جزء من الخطة الإستراتيجية الحصادية لبتير.
استحداث منصب مدير موقع لبتير
مسؤولية وزارة السياحة أن تحافظ على منطقة التراث العالمي وتمنع أي تجاوزات فيها يسبب تغييراً في معالم المنطقة السياحية سواء بناء أو بيع أراضي أو حفر آبار، مشدداً على أن مسؤولية متابعة بتير لا تقع فقط على عاتق وزارة السياحة التي يكون دورها تنسيقي بل تتوزع المسؤوليات أيضاً على وزارتي الزراعة والحكم المحلي وسلطتي البيئة والمياه.
وحول تنظيم السياحة بما يخدم المنطقة ويلبي مطالب المجتمع المحلي، فأشار رجوب إلى أن الخطة ستشمل استحداث منصب "مدير موقع التراث العالمي لبتير" والذي ينتظر موافقة اليونسكو وسيبدأ العمل بداية العام المقبل 2019 وسيشرف على إدارة السياحة في بتير.
وحول مغالطة البركة الرومانية أشار إلى عدم وجود أي دليل تاريخي يثبت أن البركة فعلاً رومانية، وما حدث هو نسب البركة لهذه الحضارة التي اتسمت بأنها عسكرية من قبل أهل بتير وليس وزارة السياحة، مؤكداً أن وزارته لم تصدر أي كتيب حول بتير، وما ينشر ويكتب هو من قبل المؤسسات المهتمة والبلدية، مؤكداً أن ملف الترشيح في اليونسكو لم ينسب البركة للزمن الروماني.