|
السؤال المطروح من قبل العديد من الناس: ما هو الوقود الحيوي؟ وهل من المجدي حقا إنتاج أنواع مختلفة من الوقود ذات الأصل النباتي؟ وهل بإمكان المزارعين الحلول، مستقبلا، مكان أمراء النفط في دول الخليج؟ أو أن الأمر لا يعدو كونه قصصا غير واقعية حول عالم يتحرك بطاقة الذرة وقصب السكر؟ أم إن الطاقة المستخرجة من النبات مجرد مرحلة انتقالية في الطريق نحو ثورة عالمية في الطاقة؟ هذه الأسئلة وغيرها يحاول هذا المقال الإجابة عليها.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| محطة وقود حيوي للسيارات |
ازداد، في السنوات الأخيرة، عدد رجال السياسة الذين يتبنون رؤية حقول الطاقة الخضراء، وبالتالي يستثمرون رأسمال كبير في الأبحاث المتصلة بالوقود الحيوي. والسؤال المطروح من قبل العديد من الناس: ما هو الوقود الحيوي؟ وهل من المجدي حقا إنتاج أنواع مختلفة من الوقود ذات الأصل النباتي؟ وهل بإمكان المزارعين الحلول، مستقبلا، مكان أمراء النفط في دول الخليج؟ أو أن الأمر لا يعدو كونه قصصا غير واقعية حول عالم يتحرك بطاقة الذرة وقصب السكر؟ أم إن الطاقة المستخرجة من النبات مجرد مرحلة انتقالية في الطريق نحو ثورة عالمية في الطاقة؟
إثر تفاقم أزمة النفط العالمية ومشاكل تلوث الهواء المتصلة باستعمالات النفط، أخذت بعض الحكومات تشجع التوجه نحو استخدام بدائل للنفط يتم استخراجها من زيوت نباتية ومنتجات طبيعية. ومن بين أهم هذه البدائل، تلك التي يتم إنتاجها من الذرة (الولايات المتحدة وكندا وغيرهما)، والفستق، وقصب السكر (البرازيل)، والصويا، بل وحتى القمح (كندا وغيرها). وتعد الولايات المتحدة أول دولة شجعت استعمال الوقود الحيوي. وقد تسبب قرار الحكومة الأميركية بتحويل بعض أصناف المحاصيل الغذائية نحو إنتاج الوقود، في ارتفاع كبير بأسعارها.
سمات الوقود الحيوي
يمكننا القول إن الوقود الحيوي (البيولوجي) عبارة عن الطاقة الناتجة من أي استخدام ممكن للمادة الحيوية. إلا أن تعريف الوقود الحيوي، من المنظور الاقتصادي، يختلف بعض الشيء؛ حيث يدور الحديث عن الوقود القادر على استبدال النفط الذي يتسبب بتلوث بيئي كبير، ويتعلق سعره بمدى الاستقرار السياسي في مناطق مختلفة من العالم.
وبشكل عام، يوجد حاليا نوعان من الوقود الحيوي يستطيعان تشغيل جميع أنواع المحركات الشائعة: الديزل الحيوي والإيثانول الحيوي. النوع الأول يرتكز على الزيوت، أما الثاني فيرتكز على الكحول. ويتم إنتاجهما، غالبا، من المواد النباتية. وتكمن ميزتهما الأساسية في أن استعمالهما يشبه الاستخدام الحالي للنفط؛ إلا أن عيوبا كثيرة تكتنف استخدامهما.
الإيثانول الحيوي عبارة عن كحول يتم إنتاجه بطريقة مشابهة لعملية إنتاج أي مشروب كحولي؛ فمشروب الفودكا يمكن اعتباره إيثانول حيوي أيضا إذا ما ارتفعت فيه نسبة الكحول إلى مستوى كاف. وحاليا، يعد استخدام الإيثانول الحيوي الحل الأكثر تطبيقا. فالبرازيل، على سبيل المثال، تشغل سياراتها، منذ بضع سنوات، باستخدام الكحول المستخرج من قصب السكر.
أما الديزل الحيوي فيستخرج ويكرر من الزيوت التي مصدرها أجزاء معينة من النبات. وكما الزيت المستخرج من عصر الزيتون، يوجد حاليا توجهات لتزويد المركبات بزيت الصويا أو زيت القطن. ويتمثل أحد الحلول الحديثة التي تكتسب باستمرار مزيدا من المؤيدين والمستثمرين، في استخراج الزيت من الطحالب وحيدة الخلية؛ إذ تبين أن لتلك الكائنات المجهرية المائلة إلى الاخضرار، قدرة عالية على إنتاج الزيت.
عيوب الوقود الحيوي
يتطلب الكحول المستخرج من النباتات المرور بعملية تكرير؛ حيث تتضمن هذه العملية حرق بعض المواد بهدف التسخين، أي أن الحرق يتطلب وقودا، ما يؤدي إلى تلويث الهواء وانبعاث غازات الدفيئة.
ويجب ألا ننسى بأن النباتات التي تستخدم في استخراج الوقود هي غالبا محاصيل زراعية تستعمل في الصناعات الغذائية، ويرتبط سعرها بمدى الطلب عليها. فلو تم تخصيص كل محصول الذرة في الحقول الزراعية لغرض إنتاج الوقود؛ فستكون النتيجة كمية ذرة أقل للاستعمالات الأخرى، فضلا عن ارتفاع سعرها، كما سيرتفع أيضا سعر معظم المنتجات الغذائية التي نتناولها.
يضاف إلى ذلك سعر الأرض الزراعية؛ إذ كلما تم تحويل المزيد من الأراضي الزراعية إلى حقول "النفط الأخضر"، كلما تناقصت مساحات الأراضي المخصصة للزراعة. وفي الواقع، بينت الحسابات الأخيرة أنه لا يوجد في العالم ما يكفي من الأراضي الزراعية لاستبدال النفط (الوقود الأحفوري). ومع ذلك لا يتورع العديد من أصحاب الأراضي الزراعية من تحويل أراضيهم لزراعة المحاصيل التي يمكن أن يستخرج منها الوقود؛ وبالتالي بيع المحاصيل لشركات الوقود الحيوي، بدلا من شركات الأغذية. وبالطبع، الاعتبار الوحيد هنا هو اقتصادي؛ إذ إن شركات الوقود تدفع أكثر، لأن من يقف خلفها سوق أقوى من سوق الأغذية. هذا، علاوة على أن طلبات شركات الوقود الحيوي، من ناحية جودة المحصول، أقل، لأن الشكل الخارجي الجميل للذرة ليس هاما؛ فالذرة المعوجة تصلح أيضا لعمل الوقود. كما لا توجد قيود على كميات المبيدات المرشوشة، لأن المحصول غير معد للغذاء. بمعنى أن المزارع غير ملزم باستعمال المبيدات الأكثر دقة والأقل سمية والأغلى ثمنا.
وتستند جميع المشاكل السابقة على تقديرات وحسابات لم تأخذ في الاعتبار التطور التكنولوجي المستقبلي؛ إذ إن طرقا متقدمة في الهندسة الكيماوية يمكنها تسهيل عملية تكرير الكحول، وبالتالي تخفيض مستوى التلوث. كما أن معالجات زراعية معينة يمكنها إنتاج محاصيل تحوي كميات زيوت أكبر. إلا أن الزراعة التقليدية لا تكفي لرؤية مثل هذه التغيرات قريبا. فتقنيات الهندسة الوراثية تعد الطريق الأسرع لإكساب النباتات صفات معينة مرغوبا بها في صناعة الوقود، إلا أن لهذه التقنيات مساوئ وعيوب بيئية وصحية خطيرة. ويعتقد العديد من الخبراء أنه لا يمكننا، في القرن القادم، استبدال نصف كمية النفط المستعملة بالوقود الحيوي؛ دون استخدام الهندسة الوراثية. إلا أن خلافات علمية وأخلاقية كبيرة تحاصر الهندسة الوراثية التي يمكنها حل مشكلتي الغذاء والوقود، من ناحية، ولكنها تتضمن تدخلا خطيرا في الطبيعة، لا نستطيع التنبؤ بعواقبه المستقبلية، من ناحية أخرى.

مزارع الوقود الحيوي
حسابات تجارية - سياسية
بالنسبة للعديد من أنصار البيئة، يعد تحويل المحاصيل الغذائية إلى وقود "لعنة" بيئية أكثر منها حلا لمشكلة بيئية. إذ إن بعض الدول، كالولايات المتحدة الأميركية التي لها باع طويل في تخريب البيئة على المستوى المحلي والعالمي، اندفعت نحو صناعة الوقود الحيوي لأسباب اقتصادية ربحية وسياسية بالدرجة الأولى، وليس بيئية؛ وأخذت تظهر بمظهر المهتم بالوضع البيئي، وشجعت منتجا معيبا بيئيا واجتماعيا وإنسانيا. فالدور الأميركي المعادي للبيئة غني عن التعريف، ابتداء من المساهمة الكبيرة للصناعات والمَرْكَبات الأميركية في تفاقم الاحتباس الحراري، حيث إنها مسئولة عن ربع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم، وانتهاءً بتدمير ملايين الهكتارات من المساحات الخضراء والغابات في الدول التي احتلتها وعاثت آلتها العسكرية فيها فسادا وتدميرا، مثل فيتنام، والعراق، وأفغانستان وغيرها.
ونظريا، تعد النباتات مصدرا أنظف للوقود من النفط، باعتبار أنها لا تزيد نسبة ثاني أكسيد الكربون في الهواء. لكن، من الناحية الواقعية والإنسانية، يعد الوقود الحيوي كارثة، وبخاصة أن هذا الوقود، ساهم بمدى كبير في ارتفاع الأسعار العالمية لبعض الحبوب الإستراتيجية للشعوب الفقيرة، مثل الذرة والأرز والقمح وغيرها، التي ارتفع سعرها أضعافا خلال السنوات الأخيرة؛ ما تسبب في تفاقم المجاعة واندلاع هبات شعبية للمُجَوَّعين في العديد من الدول الأسيوية والإفريقية.
ثم إن الحوافز الاقتصادية – التجارية الكامنة وراء تصنيع الوقود الحيوي من الحبوب، تدفع الشركات الاحتكارية إلى تدمير أو حرق الأراضي العشبية الخضراء والغابات المطيرة، بهدف زيادة المساحات المزروعة بحبوب الوقود الحيوي؛ ما يؤدي إلى انبعاث مزيد من غازات الدفيئة بسبب التعرية والحرائق. يضاف إلى ذلك، أن الأسمدة النيتروجينية المستعملة في زراعة الحبوب تنتج أكسيد النيتروز الذي يعد من غازات الدفيئة، وهو أكثر خطورة بكثير من ثاني أكسيد الكربون. كما أن الإنتاج التجاري الكبير للوقود الحيوي يتطلب زراعات أحادية ضخمة للذرة والصويا وقصب السكر وغيره، مما يعني استبدال المحاصيل البلدية والمحلية، وتشديد الخناق على الأراضي الزراعية، وضرب المنتجين الصغار، وتهديد التنوع البيولوجي الزراعي والمعارف الزراعية التقليدية الغنية عبر الأجيال.
وبالرغم من أن ارتفاع أسعار الطاقة وزيادة استهلاك الأغذية في بعض الدول الأسيوية مثل الصين، والكوارث المناخية، لعبت أيضا دورا هاما في مسألة الأسعار، إلا أن الاندفاع المتسارع نحو إنتاج الإيثانول مسئول أيضا، وإلى حد كبير، عن اندفاع الأسعار نحو الأعلى، علما بأن الدوافع الأساسية الكامنة وراء هذه الصناعة، هي اقتصادية سياسية بالدرجة الأولى، وليست بيئية.
ومع ذلك، يدّعي منتجو الإيثانول من الحبوب، بأنهم الضحية في مسألة تضخم الأسعار العالمية للغذاء. ويقولون إن ارتفاع الأسعار مرتبط ارتباطا ضعيفا بتكلفة الحبوب، وارتباطا وثيقا بتكلفة الطاقة التي زادت تكلفتها كثيرا خلال السنوات الأخيرة.
لكن بيت القصيد هنا، أن الإدارة الأميركية تتعامل مع مسألة تلوث الغلاف الجوي والتغيرات المناخية من منظور مصالحها المالية والتجارية؛ ما دفعها إلى اتخاذ قرار بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. وهي تؤكد بأن الإيثانول الذي ينتج من الذرة والمستخدم كبديل للبنزين، يساهم في التقليل من الاعتماد الأميركي على استيراد النفط من دول غير مستقرة سياسيا، علما بأنه يتم حاليا تحويل أكثر من ربع محصول الذرة الأميركي إلى وقود حيوي. يضاف إلى ذلك، أن استخرج النفط الصخري في الولايات المتحدة حول الأخيرة من مستوردة للنفط إلى مصدرة له؛ ومن المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة عام 2020 أكبر منتج عالمي للنفط.
الحل
بالرغم مما ورد، تبقى الأسئلة المطروحة هي: لماذا لا يتم تغيير مفهوم الطاقة كليا؟ لماذا التقيد بأن تكون طاقة المستقبل بصورة وقود سائل؟ لماذا لا يتم كسر أنماط التفكير القديمة؟
يعتقد البعض أن الهيدروجين يعد أحد النماذج الأكثر نظافة من الناحية البيئية؛ إذ يمكن إنتاج هذا الغاز بطريقة صناعية من خلال التحليل الكهربائي للماء. كما يمكن إنتاجه بيولوجيا من خلال تفاعل بعض الإنزيمات مع أنواع معينة من البكتيريا والطحالب. ومن المرجح أن يكون استعمال الهيدروجين كوقود للمحركات أكثر سهولة من استخدام الوقود النفطي. وبالرغم من كونه قابلا للانفجار، إلا أن طرقا آمنة جدا لتخزينه واستعماله قد طورت في السنوات الأخيرة.
إذن، ربما من غير المجدي الاستثمار في تطوير الوقود السائل من مصدر نباتي؛ إذ إن تلويث الهواء يتواصل أثناء استخراجه، والطاقة التي يولدها أقل، فضلا عن تأثيره على السوق الغذائية واستيلائه على الأراضي الزراعية. إلا أن المشكلة تكمن في السوق القوية للوقود. فللتأثير على قوى اقتصادية قوية مثل منظمة الدول المصدرة للنفط (الأوبك) والصناعات العالمية للسيارات، لا بد من امتلاك ما هو أكثر من مجرد الحقيقة العلمية.
وقد يتم التدقيق في نوع الوقود الذي يقترحه العلم استنادا إلى معيارين: الشكل والمحرك. فحالة النفط المستخدم حاليا هي السائلة، وتكلفة نقله رخيصة، وهو يشغل محركات الاحتراق الداخلي.
ولو نظرنا إلى ما هو أبعد من الهيدروجين، نجد أن مأزق الطاقة يتطلب تغييرا جذريا في طريقة إنتاج ونقل الوقود، فضلا عن ابتكار سيارات من نوع جديد كليا. وقد تشكل هذه المسألة مادة للتفكير، وبخاصة أولئك الذين اعتقدوا أن الكهرباء ستحل قريبا محل الوقود، إثر إنتاج السيارات المهجنة. ولو توفرت الظروف المواتية لتعاظم هذا النهج الإنتاجي البديل للطاقة؛ فسيتضرر العديد من الناس الأقوياء الذين لن يتنازلوا بسهولة.
ويمكننا القول إن الميزة الأساسية للوقود الحيوي هي حالته السائلة؛ بحيث يمكن نقله من مكان لآخر دون مشكلة. كما أنه مناسب لمعظم المركبات المصنعة حاليا، وبالتالي لا حاجة للاستثمار في تطوير سيارات جديدة خاصة للوقود الحيوي؛ فشركات صناعة السيارات، مثل فولكسفاغن وبيجو وغيرها لا يهمها أن يشغل البرازيليون سياراتهم بالوقود الأحفوري أو بقصب السكر. وإزاء ذلك، لا تستطيع الدول النفطية عمل أي شيء. بل إن وضعا عالميا متحررا من الارتباط، ولو جزئيا، بالنفط الأسود، سيسهل عملية تسويق الحلول الأكثر تقدما.
الوقود من المخلفات النباتية
في سياق البحث عن مصادر للطاقة المتجددة، ولحسم الجدل حول استعمال الحبوب لصنع الإيثانول النباتي الذي يعد بنظر الكثيرين منتجا معيبا بيئيا واجتماعيا وإنسانيا، باعتباره يساهم في حرمان الملايين من غذائهم اليومي الحيوي، وبالتالي يفاقم الفقر والجوع – في سياق ذلك، ولحسم الجدل، بادرت بعض الجهات العلمية والبيئية إلى العمل على تحويل مواد منخفضة القيمة إلى إيثانول لتزويد السيارات بالوقود الذي بات يعرف بـ "الجيل الثاني" من الوقود الحيوي. وتتمثل هذه المواد أساسا بالمخلفات الزراعية، مثل التبن والدريس وقشر الذرة، فضلا عن الأعشاب والطحالب وروث الحيوانات والخشب وغيرها من المواد العضوية. إذ يعتقد بعض علماء وخبراء التكنولوجيا الحيوية، بأن هذه المواد يمكنها أن تحل مكان الذرة والقمح وغيرهما من الحبوب، كمادة خام للإيثانول، الأمر الذي سيخفف، بمدى كبير، الضغط على الأراضي الزراعية، علما بأن هذا الضغط لعب دورا كبيرا في ارتفاع أسعار الحبوب، وجعل سائقي السيارات ينافسون الجياع على الحبوب الغذائية. وفيما يتعلق بالفضلات الزراعية تحديدا، تكمن الفكرة الأساسية في استخدام المادة الخضراء المتمثلة بالأوراق والساق والقشور، لإنتاج الوقود الحيوي، واستعمال الحبوب نفسها كغذاء.
إلا أن تحويل المخلفات الزراعية إلى وقود يواجه صعوبات تقنية يعمل الخبراء على التغلب عليها. ذلك أن مادة السليولوز التي يستخرج منها الإيثانول، مغزولة على شكل شبكة محكمة، ما يعقد عملية استخراج الغلوكوز الضروري لتصنيع الإيثانول، ويرفع تكلفتها.
وحاليا، يوفر السليولوز طاقة أقل من الذرة. لكن، في حال تجاوز العلماء المشاكل التكنولوجية، فمن المتوقع أن تتراوح فعالية الإيثانول المنتج من السليولوز (من ناحية الطاقة) بين 3 – 8 مرات الإيثانول المنتج من الذرة.