"الوعي التنويري" لسلام داخلي وفكر مستدام...لماذا يكون المتأمل دائماً صديقاً للبيئة؟
|
تتساءل مجلة آفاق البيئة والتنمية من خلال هذا التقرير عن سر العلاقة المتناغمة بين المتأمل والواعي بعلوم اليوغا والطاقة وبين الحفاظ على البيئة، لماذا يستحيل أن نرى ناسكاً متأملاً مؤذياً للطبيعة أو عنيفاً على كائناتها؟ للإجابة التقت المجلة بثلاث شخصيات فلسطينية روحانية هم: زياد زريقات، سعد داغر، وفراس عبيد.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
مع تراكم الضغوطات وفي وسط اللهاث وراء الانسياق للجموع والتكبل بقيود الروتين، يبرز في آخر النفق المظلم ضوء خافت يحُثنا على الوقوف مع أنفسنا والغوص في أعماق الذات، ويدعونا لطرقِ أبواب جديدة لم نتعلمها أو نسمع عنها من قبل، هي *علوم لم يوليها العلم الحديث الاهتمام الكبير لكنه لم ينكر فوائدها كعلاج نفسي وجسدي من شأنه أن يحسن دور الإنسان اجتماعياً على هذه الأرض ويجعله أكثر تناغماً مع البيئة والكون.
تتساءل مجلة آفاق البيئة والتنمية من خلال هذا التقرير عن سر العلاقة المتناغمة بين المتأمل والواعي بعلوم اليوغا والطاقة وبين الحفاظ على البيئة، لماذا يستحيل أن نرى ناسكاً متأملاً مؤذياً للطبيعة أو عنيفاً على كائناتها؟ للإجابة التقت المجلة بثلاث شخصيات فلسطينية روحانية هم: زياد زريقات، سعد داغر، وفراس عبيد.
 |
 |
| زياد زريقات يتأمل أمام كنيسة المهد في بيت لحم |
زياد زريقات يستكشف المعنى الروحي لأن يكون الإنسان متأملا |
زياد ورحلة البحث عن الذات
في قمة نجاحه المهني في مجال التنمية والتسويق على مستوى العالم، قرّر زياد زريقات أن يعود للأرض المقدسة في فلسطين حيث ولد في القدس وعاش طفولته في مدينة بيت لحم مسقط رأس والده، قبل أن يستقر لاحقاً مع عائلته في نصف العالم متنقلاً بين أمريكا و أوروبا لأكثر من 30 سنة.
لماذا اختار زياد العودة تاركاً حياة الرفاهية والمجتمع المخملي التي كان يحياها وسط كبار الشخصيات العربية والدولية، حيث عمل على تطوير وهيكلة شركات عالمية وتأهيل كوادر بشرية؟ وما الرسالة التي أراد إيصالها في بلد يغرق بالهموم والضغوطات كفلسطين، وكيف ينظر للبيئة؟ وما هي مخططاته المستقبلية لتغيير المشهد الحضري ليصبح أكثر استدامة؟
الجواب قد لا يقنع الكثيرين...فقد تلقى زياد إشارة روحية للبحث عن حالة اتحاد بين الأرض والسماء، وبين العقل والقلب والروح، قادته لطريق لا رجعة عنه، درب التأمل واليقظة الكونية كما يسميها، حين أحس أن له رسالة هامة أعظم من ماديات الحياة اللامتناهية التي قدّسها يوماً فسيطرت عليه كما الكثيرون، فبدأ ينظم لقاءات "اليقظة" الشبيهة بالتأمل واليوغا في مركزٍ ثقافي في بيت جالا، كما التقى بمجموعة من محبي الأرض والبيئة لوضع خطط ٍلمشاريع بيئية مستقبلية ستقلل من التلوث والأذى المتراكم على البيئة.
 |
| زياد زريقات يتعلم كيفية التأمل في تايلاند |
زياد واليقظة لتحقيق الرسالة الكونية
حول سبب تنظيمه للقاءات في "اليقظة" أو التأمل يقول زياد: "الفكرة أننا نحتاج إلى اليقظة في حياتنا بالمعنى العميق، ومع أن الكثيرين يعتقدون أنهم يقظون لأنهم يمارسون حياتهم اليومية الروتينية بانتظام، لكنهم في الحقيقة ليسوا كذلك، بل هم لم يعرفوا أنفسهم حق المعرفة، ولم يواجهوا عيوبهم أو يقدّروا محاسنهم، فإدراك الذات لا يأتي إلا من خلال التأمل الذي يجعلنا نتحول من أحرار إلى المفهوم الأكبر بأن نصبح "الحرية" ذاتها، من أن نحب إلى "محبة"، من أن نكون شخصاً إلى شخصية".
وحول أهمية اليقظة يشير زياد إلى أن الإنسان غير اليقظ يتأثر بسرعة بما حوله ويصبح فريسة لما يعرف بغسيل الدماغ، لأنه لا يعرف نفسه وبالتالي لن يعرف غيره أو يقدرَ على فهم الأمور بعمق. ووفق زياد، تختلف حياتنا ما بعد اليقظة، فالكون عبارة عن ذبذبات على الإنسان أن يفتح قلبه وروحه لاستقبالها، بحيث ستساعده على فهم ذاته والتحلي بالإرادة لتحقيق الحلم الكوني.
وحول أهمية الطبيعة، قال زياد أنها حلقة وصل بينا وبين الطبقات العليا، لأن الشجرة لا تؤذي بل هي رمز العطاء والرحمة، وهذه الصفة إلهية على الإنسان أن يحافظ عليها، ولكن ما يحدث من تلوث وتدمير للبيئة ستقابله الأرض بالثورة التي من بعدها ستنتفض الإنسانية، وتتلاشى الفروقات والأحقاد.
التصالح مع الذات والطبيعة
يقدرّ المتأمل "الأرض" لأنها العطاء وفق زياد، لكن الإنسان أساء كثيراً لها ولم يكن وفياً لنعمة الحياة عليها، بالنسبة لزياد فهو يبدأ من ذاته ويكون التغيير الذي يريده في العالم، فهو لا يأكل اللحوم منذ سنين طويلة، ولا يشرب الحليب لان طريقة الحصول عليه فيها تعذيب للبقرة والتي ينزع منها صغارها الرضّع ويتم استبدالهم بماكينات شفط الحليب المؤلمة، كما أنه لا يشتري إلا من مزارع عضوية في بيت لحم، ولا يستخدم البلاستيك، وحين يذهب لمحل الحمص يحضر طبقه معه، وعندما يشتري لوازم بيته يضعها في كيس قماشي.
وفي ذات السياق يحزن زياد لواقع النظام التعليمي في فلسطين والدول العربية والذي لا يعزز القيم البيئية لدى النشء الصغير، ويتساءل عن سبب عدم تخصيص حصة أو اثنتان يوميا ليتجول الطالب في الطبيعة ويلعب بالتراب ويزرع النبات! ويضيف: "إن لم نقرب الأطفال من بيئتهم لن يحبوها وسيؤذونها". وشدد على ضرورة زراعة نبتة في أي ركن متاح في المنزل، سواء الحديقة، الشرفة، الأسطح، أو على النوافذ.
"الطاقة العظيمة التي اكتشفتها في ذاتي تجاه الكون والبيئة، كان صعباً علي أن أتجاهلها، اعمل حالياً على مشاريع طاقة مستدامة في بيت لحم، اخترت المدينة لطاقتها الايجابية كمدينة سلام، وأي تغيير فيها سينعكس ليس فقط على فلسطين بل العالم بأسره". ختم زياد
 |
 |
| سعد داغر في مزرعته الإنسانية |
سعد داغر في مزرعته بقرية مزارع النوباني |
سعد داغر "المتأمل الأخضر"
يمارس سعد داغر اليوغا والعلاج بالطاقة "الريكي" منذ 16 عاماً، بيئته الريفية التي نشأ فيها وسط حقول الزيتون في قرية مزارع النوباني غربي رام الله، وشغفه في البحث عن أمور خارج المألوف ساعدته على الاندماج أكثر بالطبيعة والتأمل.
" لطالما جلستُ في مرحلة الصبا على صخرة التلال، والسلاسل ومجرى الوادي، كنت أتماهى مع الطبيعة لدرجة قررت فيها دراسة الهندسة الزراعية، وكان ذلك في روسيا أواخر الثمانينيات، وعدت لأطبق الأساليب الطبيعية في الزراعة والتعامل معها بشكل متوازن". يقول سعد صاحب المزرعة الإنسانية المكرسة لفكر التنمية المستدامة والنهج العضوي في قريته، والمشرف على العديد من المشاريع الزراعية في الوطن.
الإنسان الروحاني، وفق سعد هو نتاج مسألة تتعلق بالنظرة للحياة وسر الوجود، فالكون للمتأمل هو نتيجة عملية الخلق وبالتالي أي شيء ينتج عن الخالق له مغزىً ومعنى. لذلك، يقدر الروحاني أي قيمة على هذه الأرض، لأنها تدفق لوعي الخالق المتجسد في كل شيء طبيعي، وبالتالي لا يمكن أن يؤذيها.
بيئة متوازنة
وحول أهمية الحفاظ على بيئة سليمة، يقول سعد: "كل ما تواجد الإنسان في مكان طبيعي، يكون في حالة توازن عالية تنعكس على عملية التأمل، فالأشجار متوازنة لأنها كما ذكرنا تدفق لحالة من حالات وعي الخالق، ما يؤثر على توازن طاقة الإنسان المتأمل، حتى لو كان في صحراء قاحلة ولكنها بعيدة عن الضجيج والدخان فذاك جو متوازن، وعند النهر بطبيعته المتعرجة التي لم يعرقل مجراها سد أو قناة صناعية، فهناك حالة توازن أيضاً.
يتأمل سعد في الريف، وان اضطر لذلك في المدن فيختار مكاناً هادئاً مريحاً، ويزعجه كانسان متأمل أذى الناس المتكرر لطبيعتهم، وكمية البلاستيك الهائلة الملقاة في كل مكان، وكم يمتعض حين يزور مكانا طبيعياً قصده الناس وحولوه إلى "مزبلة"
الإنسان المتدين وفق سعد يفهم معنى الاستخلاف في الأرض بالمعنى الصحيح من حيث العناية بها والحفاظ عليها ولا يلقي النفايات على الأرض أو يحرق أو يقطع شجرة، مستغربا من رجال دين وآخرين متعلمين وبشهادات عليا رآهم يمارسون سلوكيات بيئية سيئة.
يرى داغر أن هناك ازدياداً في الإقبال على الممارسات الروحانية التأملية وتحديداً من قبل النساء على المستوى العالمي وليس فقط المحلي، مؤمنا أن المرأة قادرة على التغيير لأنها الأكثر إحساسا بالأرض والطبيعة.
وتمنى أخيراً من كل إنسان أن يفكر جيداً بأي عمل قبل القيام به من منظور الحفاظ على الطبيعة وانسجامها مع التوازن الروحي الذي أوجده الله سبحانه على هذه الأرض.
 |
 |
| فراس عبيد بين الأشجار |
فراس عبيد في إحدى حلقاته المتلفزة التي سجلها لفضائية فلسطين حول التامل الواعي وستبث قريبا |
فراس عبيد والوعي السابع
يشغل منصب مدير دائرة المهرجانات في وزارة الثقافة منذ 18 سنة، نشأ فراس عبيد في كنف أسرة مثقفة لوالدين تربويين في بيت لحم، شجعاه على القراءة وحب الطبيعة والحفاظ عليها. في سن المراهقة بدأ ينهل من الكتب المختلفة بحثاً عن إجابات لكثيرٍ من التساؤلات الحياتية والكونية، ساعده في ذلك طبيعة فترة المراهقة التي تتسم بالشغف للتعلم.
وقد كان سطح المنزل المطلِّ على مساحات من تلال الزيتون في بيت لحم فرصة لفراس للتأمل والتدبر وزيادة اليقين بوجود خالق للسماوات والأرض، وأن الوجود الإنساني على هذا الكوكب لهدف، وهناك قوى كونية أكبر من أن يدركها الإنسان العادي المنكب في حياته الروتينية والمدمن على الاستهلاك، فكانت بداية الاطلاع والقراءة والتجربة في مجال الطاقة والتأمل التي استمرت 15 عاماً قبل الممارسة الفعلية.
بدأ فراس يكثف قراءاته الماورائية وتحديداً في علم الطاقة، والشاكرات "نقاط الوعي في جسد الإنسان"، وتعلم اليوغا على يد مدربين فلسطينيين فتعمق في هذا المجال، وجمع من الأفكار التي اختبرها ما سمح له أن يصدر كتابا بعنوان "الوعي السابع... 20 مبدأً في التوازن الإنساني"، كما سجل 20 حلقة متلفزة عن التأمل الواعي لتبثَّ على فضائية فلسطين، ويقدم مؤخراً خواطر فلسفية على أثير إذاعة فلسطينية محلية.
حول سر عنوان كتابه الوعي السابع يقول: "الوعي رقم "7" ، هو للتدليل على المستويات السبعة التي تشكل وعي الإنسان، وهذا الرقم هو دلالة عن الوعي الروحي الأكثر عمقاً لأنه يمثل الإدراك الكوني الخالد، وهو الأهم كونه جسر العبور بين محطات الروح.
العلاقة بين التأمل والبيئة
يقول فراس حول العلاقة بين الوعي التنويري والبيئة أنهما كالجسد الواحد، بمعنى أن الأرض هي الطبيعة الترابية وحاضنة الروح.
"كنت محظوظاً أن نشأت في فترة السبعينات والثمانينات، حيث كان الناس أكثر تحضّراً ورقيّاً وأقل عنصرية وعنفاً، فكانت البيئة العامة تسمح لنا بالتفكير المختلف واحترام الآخر " يقول فراس.
"الأرض هي الحاضنة الكوكبية الترابية التي صنعتها المشيئة الإلهية حتى تقوم الأرواح بتنفيذ تجربتها ورحلتها " يقول فراس مؤكدا أن ذلك هو سببٌ كافٍ يدعونا للاهتمام بالأرض والحفاظ عليها وعلى عناصرها من ماء وهواء وتربة وغذاء حتى لا نضرها أو نتضرر.
وحول الوعي البيئي فلسطينياً أشار إلى أنه في تراجع كجزء من حالة عامة آخذة بالتردي تجاه كل شيء راقي ويعزز الانتماء للأرض، منتقداً أيضاً القوانين غير الصارمة مع غياب شرطة بيئية فلسطينية، والتي جعلت الناس تتمادى في إساءتها للبيئة.
على المستوى الشخصي، ففراس لا يتناول السكر المكرر منذ 13 عاماً ويستعيض عنه بالعسل والتمر والسكر الطبيعي في الفاكهة، ويتجنب أيضاً تناول المواد المصنعة أو الملونات. كما يحرص على أن يأخذ أولاده كل أسبوع للتأمل في الريف بعيداً عن التلوث وضجيج المدن، ويقلل في بيته استخدام البلاستيك قدر المستطاع.
"مشهد الغروب الساحر والذي تتجلى فيه عظمة الخالق ويضمحل عبره التفكير المادي، عند هذا المشهد يصل المتأمل إلى أقصى درجات العمق الروحي" يقول فراس.
فراس الذي يمارس التأمل بشكل يومي يتمنى إدخال "رياضة اليوغا" إلى المدارس كونها من الرياضات العظيمة التي تعمل على تحسين الجوانب النفسية والروحية والصحية للجسم. مشدداً أن الوعي والتأمل يجب أن يبدأ من سن صغير ليساعد في توازن الفرد على مدار مسيرته الحياتية.
*للاطلاع أكثر حول: ( اليوغا، التأمل والريكي) يرجى زيارة الروابط التالية:
اليوغا
https://goo.gl/oKf8uc
التأمل
https://goo.gl/SRnkWU
الريكي
https://goo.gl/tyv1U8