فوبيا الأغذية الفاسدة.. ما الذي تغيّر خلال 700 عام!
|
المؤسف أن نجد أن الرقابة ومعايير الجودة في بلادنا قبل أكثر من 700 عام كانت أكثر صرامة، كما أن معظم كُتب "الحسبة" والرقابة على الأسواق لا تتحدث عن "غشوش" واضحة كالعثور على فواكه عفنة في محل كوكتيل أو صراصير في مطعم دجاج، فقد كان المُحتسب "مراقب الأسواق" مُنشغلًا بقضايا مثل استبدال العسل بالقصب أو خلط طعام بائت بالطري ومعايير النظافة بالعمل في المخابز. أما في القرن الواحد والعشرين في فلسطين، فلا يدور الحديث عن "غش" كما كان الحال في الماضي، بل جرائم ومُخالفات جنائية واضحة لا لُبس فيها.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الكشف عن أغذية فاسدة في الأسواق الفلسطينية |
من الفئران إلى الصراصير إلى وابلٍ من الأخبار حول الأغذية الفاسدة والتي وصلت خلال شهر رمضان الماضي وحده إلى حوالي 100 طن، كُل ذلك يضطرنا للعودة إلى التاريخ وتحديدًا إلى كُتب "الحسبة" ككتاب "ابن الاخوة" و"الشيزري" لفهم هذه الظاهرة، والمؤسف أن نجد أن الرقابة ومعايير الجودة في بلادنا قبل أكثر من 700 عام كانت أكثر صرامة، كما أن معظم كُتب "الحسبة" والرقابة على الأسواق لا تتحدث عن "غشوش" واضحة كالعثور على فواكه عفنة في محل كوكتيل أو صراصير في مطعم دجاج، فقد كان المُحتسب "مراقب الأسواق" مُنشغلًا بقضايا مثل استبدال العسل بالقصب أو خلط طعام بائت بالطري ومعايير النظافة بالعمل في المخابز.
لماذا يجب أن "نختم" على الخبز ؟
لا شك أن العثور على "صرصور" في قطعة من الخُبز هو أمرٌ مُقرف، ولا شك أن هذا خطأ فادح لا يجب أن يقع في أي مخبز في القرن الحادي والعشرين، كما أن العثور على كميّة من السوس في دقيق أحد المخابز هو كارثة من الكوارث التي تتكرر في أيامنا هذه، كما تتحفنا الصحافة المحليّة كُل حين وآخر، من خلال نشر أخبار "مُختصرة جدًا" ليس فيها معلومات واضحة إلا "وزن الدقيق الفاسد" أو "كميّة الأرغفة الفاسدة"، أما تفاصيل الحادث ومعايير الرقابة والتوصيات فتبقى مُبهمة.
عندما نُفتش في كُتب "الحسبة"، لا نجد حديثًا عن وُجود حشرة أو "سوسة" في الدقيق باعتبارها غش، فالمسألة واضحة وضوح الشمس، بل نجد تفاصيل دقيقة لطُرق الغش التي كان يتفنن بها الخبازون قديمًا، كخلط الدقيق الرديء بدقيق أفضل، أو بخلطه مع الكركم والزعفران ودقيق الحمص ودقيق الأرز كي يصبح أثقل في الميزان، وإضافة مواد مثل "الجلبان والبيسار" التي تورّد وجه الخبز فيبدو أفضل.
في كتاب "معالم القُربة في احكام الحسبة" لم يكتف "ابن الاخوة" بالإشارة إلى حيل الخبازين، بل نجد معايير صارمة جدًا في الجودة والنظافة فيقول: " وَيَكُونُ –العجّان- مُلَثَّمًا أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا عَطَسَ أَوْ تَكَلَّمَ، فَقَطَرَ شَيْءٌ مِنْ بُصَاقِهِ أَوْ مُخَاطِهِ فِي الْعَجِينِ، وَيَشُدُّ عَلَى جَبِينِهِ عِصَابَةً بَيْضَاءَ، لِئَلَّا يَعْرَقَ فَيَقْطُرُ مِنْهُ شَيْءٌ -فِي الْعَجِينِ- ، وَيَحْلِقُ شَعْرَ ذِرَاعَيْهِ لِئَلَّا يَسْقُطَ مِنْهُ شَيْءٌ فِي الْعَجِينِ، وَإِذَا عَجَنَ فِي النَّهَارِ فَلْيَكُنْ عِنْدَهُ إنْسَانٌ فِي يَدِهِ مَذَبَّةٌ يَطْرُدُ عَنْهُ الذُّبَابَ."
هذه الأفكار التي كُتبت قبل 700 عام لا نجدها تُطبق في مخابزنا اليوم، تمامًا كما أن هناك أفكار لا تزال بعيدة كُل البعد عن واقعنا مثل فكرة "ختم الخبز" والتي تشبه فكرة الختم على البيض في أيامنا، وقد تحدث عنها العلامة ميارة الفاسي في مخطوطه "تقييد في الحسبة" فقال: "ويأمر عملة الخبز أن يصنع كل واحد منهم طابعا ينقش فيه اسمه، ويطبع به على خبزه ليتميز خبز كل أحد بطابعه، وتقوم الحجة به عليه" وفي موضع آخر يُشير إلى فكرة جليلة أخرى بأن المُحتسب لا ينبغي أن يعلم رجاله بخروجه لأمر معين من أمور الحسبة، كي لا يسبق أحدهم لصاحب المُخالفة لإخفاء أثر الغش.
لماذا يجب أن تكون مصانع النقانق قريبة من "الرقابة"؟
لا شك أن الغش لم يكن منُحصرًا في الخبازين، وكُتب "الحسبة" لم تترك صنعة إلا وتحدثت عن أساليب الغُش فيها بل وتذكر كيفيّة الغُش، ولكن المثير أن "ابن الاخوة" يرى أن أكثر الغش يكون عند أصحاب هذه الصنعة، وهذا لا يختلف كثيرًا عمّا يحصل في أسواقنا اليوم، وبالعودة إلى نشاط الضابطة الجمركية في فلسطين سنجد أن أكثر ما يضبط هو اللحوم، ولكن كيف تعامل المُحتسب مع هؤلاء قبل مئات السنين؟
يقول "ابن الاخوة": "الأولى أن تكون مواضعهم التي يصنعون فيها النقانق بقرب دكة المحتسب، ويلزمهم المحتسب أن لا يعملوا إلا بين يديه فإن غشهم فيها كثير" وهذا لربما يؤكد أن الرقابة على هذه الصناعات لا تكون من خلال "البلاغات" والزيارات المُباغتة، بل لا بُد من أن تكون بشكل يومي وفي هذا يقول: "ولا يخلطوا معه من السميد، ولا الفلفل، ولا شيئا من الأدهان إلا بحضور المحتسب، أو نائبه، أو أمين يثق به المحتسب"، وهنا نجد الكاتب يعترف بأن المُشكلة تكمن في أن النقانق إذا وضعت في المقلاة لا يُمكن تمييز الغش فيها، كما يرى أن "كل مدقوق مجهول" ولكنه يعود ويؤكد أن المحتسب الذكي "لا يخفاه شيء من غشوشهم".
إلى جانب النقانقيين هُناك "الكبوديين" وهم طباخو كبود المعز والبقر والضأن وهؤلاء يلزمهم المحتسب بألا يخلطوا الطعام البائت مع الطري، ويلزمهم بيع البائت على حدة. ومن الجدير بالذكر أن المُحتسب لم يكن يتدخل في جودة الطعام فقط، بل حتى في تصميم "المطعم" فكان يفرض على الشوائين ألا يطينوا التنور إلا بطين طاهر، ويمنعهم منعًا باتًا بأن يستخدموا الطين المختلط بالدم والروث لأن هذا قد "يُنجس" الشواء، تمامًا كما كان يأمر الخبازين برفع أسقف المخابز ويجعل في سقفها منافس واسعة للدخان.

الكشف عن لحوم فاسدة في الأسواق الفلسطينية
كيف نكشف غشوش الحلوى؟
عندما كتب "الشيزري" عن صناعة الحلويات في زمانه والرقابة عليها، لم يتطرق لموضوع وُجود الفئران في محلات "الشرابيين" وهي محلات شبيهة بمحلات "الكوكتيل" المنتشرة في أيامنا، وهي مسألة أخرى مفهومة وواضحة لكل إنسان سوي، ولكنه كان يأخذ عليهم مزج العسل بـ"رُب الكرم" أو بالقصب وكذلك الغش باستخدام دقيق الأرز وقشر السمسم والنشا.
المهم أن الشيزري لم يكتف بذكر الحيل، ولكنه دوّن للمحتسب أولًا والمستهلك ثانيًا كيفية كشف الغش وهي مسألة تستحق منّا الكثير من التأمل، فيقول الشيزري مثلًا: أن علامة كشف العسل بالُرب تكون عند ظهور رائحة الرُب وأما خلطه بالقصب "الدبس" فعلامته أنه يركد أسفل الإناء وقشر السمسم يطفو على وجه الماء إذا وُضع فيه، ثم إن الغش بالنشا يُعرف في حلوى "الصابونية" بأنها تتفتت، ويؤكد "الشيزري" أن كشف غشوش الحلوى "لا تخفى في منظرها وذوقها".
بالعودة إلى الصُحف الفلسطينية سنجد أن ما يصلها من حالات لا يُمكن مقارنته أبدًا بمستوى الغُش الذي كان يحصل في الماضي، والذي كان يتطلب كشفه شيئاً من الخبرة، بينما اليوم يتم الحديث عن " اتلاف 380 كرتونة بوظة منتهية الصلاحية في رام الله" أو " 300 كغم حلويات وسكاكر غير صالحة للاستهلاك الآدمي في الخليل" والحادثة الأبرز " ضبط فواكه عفنة والعثور على فئران في أحد محلات الكوكتيل برام الله"، وكأننا لا نتحدث عن "غش" كما كان الحال في الماضي، بل جريمة ومُخالفة جنائية واضحة لا لُبس فيها.