خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
بينما ترتفع أصوات الانفجارات، ويعلو صراخ الضحايا وبكاء المكلومين، ثمة أصوات أخرى، فالأجساد تأنّ أيضًا، تتألم لكثرة ما حلّ بها، ومن ذلك آلام المعدة التي انتشرت انتشاراً واضحًا في الآونة الأخيرة، فأغلب المواطنين في قطاع غزة يشتكون منها، ولا أحد يستغربها، حتى أن كثيرًا منهم يهملون علاجها، كونهم يتوقعون السبب ويرون أن لا خلاص منه طالما الحال على هو عليه، مياه شرب غير نقية كما يجب، وطعام أقل من الحاجة، وعناصر غذائية أساسية مفقودة، وطهو بطرق بدائية فيها من الضرر ما يكفي ويزيد، وأكثر من هذا نفسيةٌ أنهكتها الحرب.
|
 |
| أطفال غزة لا يجدون للشرب سوى بعض المياه الملوثة |
بينما ترتفع أصوات الانفجارات، ويعلو صراخ الضحايا وبكاء المكلومين، ثمة أصوات أخرى، فالأجساد تأنّ أيضًا، تتألم لكثرة ما حلّ بها، ومن ذلك آلام المعدة التي انتشرت انتشاراً واضحًا في الآونة الأخيرة، فأغلب المواطنين في قطاع غزة يشتكون منها، ولا أحد يستغربها، حتى إن كثيرًا منهم يُهملون علاجها، كونهم يتوقعون السبب ويرون أن لا خلاص منه طالما الحال على هو عليه، مياه شرب غير نقية كما يجب، وطعام أقل من الحاجة، وعناصر غذائية أساسية مفقودة، وطهو بطرق بدائية فيها من الضرر ما يكفي ويزيد، وأكثر من هذا نفسيةٌ أنهكتها الحرب.
لا علاج
إيناس عزام، شابة في الثانية والعشرين من العمر، لم تشكُ يومًا من أي ألم في المعدة ولا في الجهاز الهضمي كاملاً، حتى خلال الحرب، لكنها في الشهرين الأخيرين بدأت تعاني آلامًا حادة.
تقول: "كنت أسمع عن تأثر المعدة بالطعام والحالة النفسية، ولكن لم أعانِ رغم مرورنا بمجاعة من قبل، ومع كل الخوف والخطر والمشاعر الصعبة التي مررنا بها منذ اندلاع الحرب، أما الآن فأنا أتألم مع كل لقمة أتناولها، وكثيرًا ما أمتنع عن الأكل خوفًا من الألم".
وتضيف: "لم أفكر في استشارة طبيب ولا في تناول دواء، فأنا أرى الكل من حولي يشكو شكواي، وأعرف أن السبب مرتبط بالتلوث وسوء التغذية، ما يعني عدم وجود حل".
وبخلافها، يعاني محمد النجار مشاكل في المعدة منذ سنوات، وتفاقمت حالته أخيرًا، جرَّب البحث عن حل فلم يجد، فاستسلم للواقع.
يقول: "منذ سنوات لدي مشكلة في القولون، لكن قبل الحرب بنحو سنة ظهرت آلام جديدة في المعدة، جعلتني أطوف بين الأطباء وأجري عمليات منظار وأتناول كثيرًا من الأدوية، وبدأت حالتي تتحسن، لكنها عادت لتتراجع في الأشهر الأولى من الحرب حين بدأت تظهر مشاكل التغذية".
لقد عادت آلام المعدة للنجار بقوة، بل أكثر شراسة، لا سيما أنه مضطر لتناول أطعمة ممنوعة لمثل حالته، كالبقوليات والمعلبات، ولا يجد طعامًا صحيًا يناسبه، كما يقول.
فضلاً عن نوعية الطعام، لم يجد محمد الأدوية التي كان يتناولها سابقًا، وتكلفة المتوفر منها تفوق قدرته على شرائها، ما جعله يترك نفسه للمعاناة رغم خوفه من تبعات صحية خطرة قد تلحق به، إذا استمرت المشكلة.

أهالي غزة مرغمون على تناول الطحين الفاسد إن توفر أصلا
واقع الطعام والشراب
وبإلقاء نظرة سريعة على العوامل المرتبطة بهذا النوع من المشكلات الصحية فإن 470 ألف مواطن (نحو 20% من سكان القطاع) يعيشون حالة "جوع كارثي"، وهذه هي المرحلة الخامسة والأخطر من تصنيف الأمن الغذائي، ويعاني 93% من السكان انعدام الأمن الغذائي بدرجات تتفاوت بين "أزمة" و"طوارئ"، وفق تقرير "التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي" الذي أصدرته منظمات أممية أخيرًا، وقد توقّف عمل عديد من الجهات القائمة على توفير الغذاء في غزة، وأبرزها منظمة "المطبخ العالمي" التي كانت تقدم 133 ألف وجبة يوميًا، وفي الوقت ذاته فإن البضائع شحيحة للغاية في الأسواق، وأسعارها أكثر من باهظة، وأغلب المتوفر منها أطعمة معلبة وبقوليات، ومعظم دقيق القمح المتوفر منتهي الصلاحية ومنتشر فيه الدود، ويعاني القطاع نقصًا كبيرًا في الخضراوات، أما اللحوم فهي غائبة غياباً شبه تام.
وعن المياه التي هي من أهم ما يؤثر على صحة الإنسان، فإن التقارير تشير إلى أن حوالي 97% من المياه المستخرجة من الآبار في القطاع غير صالحة للشرب بسبب التلوث والملوحة العالية، وتتسرب كميات كبيرة من مياه الصرف الصحي غير المعالجة إلى الخزان الجوفي، ويزيد الأزمة الدمار الكبير الذي أحدثته الحرب في محطات معالجة المياه، ومنع الاحتلال إدخال مستلزمات أساسية لتنقية المياه.
ولطرق الطهي دور في هذه المشكلة، فالمواطنون يلجؤون إلى حرق الخشب والفحم والقماش والبلاستيك وغير ذلك، بسبب منع الاحتلال إدخال الغاز الطبيعي، وينتج عن عملية الحرق موادّ سامة تترسب على الطعام فتسبب مشاكل مختلفة.
وفي الوقت ذاته، وأمام هذا الواقع المزري، فإن القطاع الصحي مثقل وعلى وشك الانهيار، والأدوية لا تتوفر بسهولة.

تكيات الغذاء الشحيح في قطاع غزة نفذ مخزونها الغذائي
علاقة وطيدة
من جانبه، يؤكد طبيب الباطنة د. أحمد الربيعي في حديث لـ"آفاق البيئة والتنمية" وجود علاقة بين الواقع الذي يعيشه الغزيون حاليًا، وزيادة الشكاوى من مشاكل المعدة والجهاز الهضمي.
يوضح د. الربيعي أن من أهم أسباب هذه المشاكل تلوث مياه الشرب، ونوعية الطعام المتوفر حاليًا واعتماده على المعلبات والكربوهيدرات، إضافة إلى طرق الطهي البدائية، التي تُنتج سمومًا تنتقل للطعام في أثناء إعداده، ومن ثم يدخل المعدة ويبدأ تأثيره عليها، فالغاز الطبيعي هو المادة الوحيدة التي لا يتسرب منها الأذى للطعام.
ويضيف قائلاً: "يساهم الجو في هذه المشاكل، لسببين، أحدهما التلوث الكبير الذي أحدثته الحرب والأسلحة، والآخر يتمثل في درجات الحرارة التي تؤدي عند ارتفاعها إلى فساد الطعام، وأحيانًا يضطر المواطنون لتناوله بسبب غلائه ونقص الموجود منه، كما يفعلون في الخبز المتعفن، يكتفون بمسح العَفن لعدم قدرتهم على توفير الدقيق بسهولة".
ويلفت إلى "التكيات" التي قد تكون سببًا في بعض الأحيان، وذلك إن لم تتحقق النظافة في إعداد الطعام، سواء في المكونات أم الأواني.
العامل النفسي أيضًا له دور كبير في ظهور مشاكل المعدة وتفاقمها، بحسب حديث الربيعي، فالقلق والتوتر والخوف وغيرها من المشاعر التي يعيشها الناس في القطاع، كلها أسباب تزيد إفراز أحماض المعدة، ما ينتج عنه مشكلات عديدة مثل تقرحات المعدة والقولون العصبي.
ويبين أن من أبرز الأعراض التي يشكو منها الناس نتيجة هذا الواقع آلام في المعدة، وإصابتها بالقرحة والالتهاب والنزيف، وجرثومة المعدة، وعدوى طفيليات، والحموضة، والتلّبك المعوي، والمغص، واضطراب عمل القولون، والقيء، والنزلات المعوية.
ويشير إلى مشكلة أخرى تترتب على المشاكل آنفة الذكر، تتمثل في عدم قدرة المريض على تناول حاجته من الطعام بسبب شعوره بالألم، محذراً من تفاقم تبعات الحصار والتجويع المفروضين على الغزيين، وما نجم عنه من نقص زائد في الوزن وهزال وضعف وسوء تغذية يؤثر على الصحة العامة وباقي أعضاء الجسم.

لم يبق لأطفال غزة سوى المياه الملوثة
وفي حال الإصابة بأي مرض، ليس من السهل علاجه حاليًا، لعدم توفر الدواء، أو لارتفاع تكلفته، فيما يعزف بعضُ عن العلاج لمعرفتهم بالأسباب ويأسهم من تحسن الواقع المعيشي، وتغير مسببات المشكلة الصحية.
وعن ذلك يقول الربيعي: "صحيح أن الإمكانيات المتوفرة غير كافية، لكن على الإنسان أن يسعى للعلاج قدر المستطاع، وبكل السبل المُتاحة، لأن الإهمال في العلاج يؤدي لتطورات خطرة، منها ما يجبر المريض على التوجه للمستشفى والمكوث فيها لفترة، ومنها ما يظهر في المستقبل، على سبيل المثال، إهمال علاج جرثومة المعدة قد يتطور لأورام في المعدة والاثنى عشر".
وتبعاً لكلامه، من الممكن التحايل على الأسباب بعدة طرق تخفف الأزمة، مثل الاهتمام بالنظافة الشخصية، ونظافة الأواني، وتغطيتها في أثناء إعداد الطعام على نار الحطب والفحم وما شابه، وحفظ الطعام بطرق صحيحة وتقنين الكميات المُعدة منها لتجنب فسادها، والاعتماد على الطرق الصحية في الطبخ كتقليل البهارات والفلفل، إضافة إلى استخدام الأعشاب الطبيعية مثل الكمون والشمر.