غزة/ خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
في جنوب القطاع –منطقة الشوكة– تكبد المزارعون خسائر فادحة من جراء ندرة المياه؛ عقب محاربة الاحتلال الإسرائيلي لها، الأمر الذي حال دون توفرها في المنطقة منذ حرب ( 2008-2009)؛ ما جعل المنطقة تقترب من التصحر رويدًا رويدًا، واليوم وبعد 12 عامًا، بات جزء كبير من المنطقة يتمتع بوفرة المياه وبأسعار تناسب المزارعين؛ لتدفعهم نحو المزيد من زراعة أراضيهم مهما بلغت المساحة، بيْد أن مزارعي شرق مدينة غزة وتحديدًا حي الشجاعية تكبدوا خسائر فادحة جراء المنخفض الأخير، بفعل مياه السدود التي فتحها الاحتلال على أراضي المواطنين، ليغمرها بالمياه دون رحمة. التقرير التالي يرصد مشاهد تجمع بين الأمل والألم لمزارعي القطاع.
|
 |
| أراض زراعية شرق غزة دمرها الاحتلال من خلال إغراقها بالمياه |
ما بين شُحِّ المياه ووفرتها يواجه "مزارعو قطاع غزة" كل يوم حربًا مع الاحتلال الإسرائيلي على حدود القطاع الشرقية، وأيًا كان حال الماء؛ العنوان واحد لكل الحكايات: "البقاء على الأرض مهما تكالبت الصعاب".
ففي جنوب القطاع –منطقة الشوكة– تكبد المزارعون خسائر فادحة من جراء ندرة المياه؛ عقب محاربة الاحتلال لها، الأمر الذي حال دون توفرها في المنطقة منذ حرب ( 2008-2009)؛ ما جعل المنطقة تقترب من التصحر رويدًا رويدًا.
واليوم وبعد 12 عامًا، بات جزء كبير من المنطقة يتمتع بوفرة المياه وبأسعار تناسب المزارعين؛ لتدفعهم نحو المزيد من زراعة أراضيهم مهما بلغت المساحة، بيْد أن مزارعي شرق مدينة غزة وتحديدًا حي الشجاعية تكبّدوا خسائر فادحة جراء المنخفض الأخير، بفعل مياه السدود التي فتحها الاحتلال على أراضي المواطنين، ليغمرها بالمياه دون رحمة.
في التقرير التالي؛ "آفاق البيئة والتنمية" ترصد مشاهد تجمع بين الأمل والألم في حكايات هؤلاء المزارعين.
يقول المزارع همام أبو بريك ( أبو عبد الله): "وأخيرًا زرعت دونماتي الثماني بدون أن أشتكى قلة المياه، منذ سنوات مضت لم أرَ هذا اللون الأخضر بكامل تفاصيله، أما اليوم تغيرت المعادلة كليًا وأصبحت أعمل على مدار الساعة، حيث تدرجت في عملية الزراعة من ثلاث دونمات وصولًا إلى الثمانية بمساعدة عائلتي".
وبحسب ما رصدته تقارير زراعية، تعاني منطقة الشوكة من شح في مياه الخزان الجوفي، وأفادت أن ارتفاع منسوب المياه الجوفية فيها لا يتجاوز (10-120م)، وإن وجدت فهي غير صالحة للاستخدام الآدمي والزراعي على حدٍّ سواء وتصل نسبة الملوحة لـ (10000PPM).
ويشير المزارع الخمسيني إلى أن إشكالية نقص المياه وجدت سبيلًا إلى الحل؛ بإنشاء خزان مياه أرضى وآخر علوي بارتفاع يصل لنحو 20 مترًا عن سطح الأرض وبسعة إجمالية (500 كوب).
ويوضح أن مياه الخزان ذات جودة عالية، ودليل ذلك بحسب أبو عبد الله تنوع المحاصيل الزراعية لاسيما المزروعات التي تحتاج مياه ذات جودة تنخفض فيها الملوحة مثل الخيار والبطيخ والشمام والكوسا وغيرها الكثير.

ازدهار الأارضي الزراعية في منطقة الشوكة جنوب قطاع غزة
يُذكر أن منطقة الشوكة (جنوبًا) تضم خزاني مياه علوية خاصة للمستثمرين لبيع المياه للمزارعين، كما تمتلك البلدية 4 محطات تحلية لتغذية البيوت فقط.
ويضيف صاحب البشرة السمراء و-هو يجنى محصول البازيلاء- "أروي المزروعات من الخزان كلما احتجت لذلك، وثمن الكوب الواحد يناسب المزارعين في المنطقة".
ويلفت إلى أن نحو ألفي دونم يتم ريهم من الخزان إضافة إلى وجود عشرات المزارعين الذين تقدموا بطلبات لري أراضيهم بعد النتائج الملموسة للمزروعات وتوفر المياه على مدار الساعة.
ويشعر بالارتياح بعد تمكن معظم مزارعي المنطقة الشرقية – في إشارة الى تواجد أرضه- من الحصول على المياه؛ إذ كانت المنطقة تقترب من التصحر عقب منع المياه سابقًا من قبل الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى تجريفه للأراضي الزراعية إذا ما نشبت الحرب.

دمار الأاراضي الزراعية شرق غزة بسبب إغراقها بالمياه من قبل الاحتلال
ويصف الوضع الحالي بأنه الأفضل منذ سنوات، وهو ما أكدته المزارعة سارة الملالحة بأن الوضع مستقر والمياه متوفرة.
وتشير إلى بركة مياه على جانب الأرض تُعبأ من الخزان ومن ثم تُروى المزروعات كلما احتاجت إليها، وتضيف مبتسمة: "قلة الكهرباء وندرة المياه ذبحت الأرض ونشفتها، أما اليوم الحمد لله الأرض خضراء والمحصول وفير وها نحن نعمل طيلة النهار؛ وفي طريقنا لزراعة أشتال مختلفة ".
وتعقد الملالحة (38عامًا) مقارنة بقولها "قبل إنشاء خزان المياه (حاووز) كانت المزروعات شبه منعدمة جراء شح المياه، ولولاه ما تمكنا من زراعة الأرض، ورغم بعد المسافة إلا أن المياه تصلنا في الوقت الذي نحدده مع الجمعية الزراعية المشرفة عليه".
وعن كيفية الحصول على المياه سابقًا، تذكر أن المنطقة كانت شبه صحراوية ولطالما استمرت معاناتها في النقص الحاد للمياه، حتى أن ثمن الكوب الواحد حينها بلغ ـ3 شواقل أو أكثر، علاوة على استغراقها فترة زمنية لوصولها إلى الأرض.
ويبدو أن الجهود التي أثمرت نتائجها تستحق الثناء، تقول: "من أنشأ الخزان عمل على إيصال كافة المستلزمات للأراضي الزراعية في المنطقة".
تختم كلامها بابتسامة تنير وجهها، وعزمٍ جميل: "سأزرع خيار وبطيخ وشمام وملوخية؛ فالمياه بحمد الله توفرت وبجودة عالية".. ويكفي أن هذه المرأة برفقة أبنائها الثمانية وزوجها؛ لا تفارق الأرض إلا بعد مغيب الشمس.

الاحتلال الإسرائيلي أغرق ودمر أراض زراعية خصبة شرق مدينة غزة
المياه باتت في اليد
المزارعة "تمام بريك" في السابق كانت تشترى الخضروات لأسرتها، واليوم أصبحت تبيعها بعد أن توفرت المياه وتعددت أصناف المزروعات في أرضها، مضيفةً أنها منذ اللحظة الأولى لوصول المياه لأرضها عملت على زراعة أصنافًا متعددةً منها: البطاطا، والباذنجان، والخيار، والبازيلاء.
وتؤكد تمام (48) أنها لم ولن تترك أرضها؛ لأنها مصدر الدخل الوحيد لها، ولأسرتها المكونة من 11فردًا، لافتة إلى أن الفرق شاسع بين المياه التي كنا نشتريها سابقًا واليوم، ذلك أننا كنا نشترى 10 كوب ب120 شيقل أما اليوم فقط ب25 شيقل.
وواصلت قطف المحصول وهى تردد على مسمعنا: "المياه باتت في اليد."
ويقول عبد الله ابو سيف من جمعية مزارعي محافظة رفح الخيرية: "إنشاء الخزان جاء استجابةً لمعاناة مزارعي منطقة الشوكة بمحافظة رفح جنوب قطاع غزة من وصول المياه إلى مزارعهم، وهي مشكلة تركت آثارها على المزارعين وعلى نشاطهم الزراعي، وحدّت من خياراتهم في زراعة بعض الأصناف من المزروعات المجدية اقتصاديًّا والتي تحتاج إلى عمليات الري.
مضيفًا: "إنشاء خزان المياه في منطقة الشوكة والذي يخدم حوالي (250) مزارعًا في منطقة نائية قريبة من الحدود، من شأنه أن يعزز من صمود المزارع وتمسكه بالأرض، وارتباطه بالمياه، لكونها جزء أساسي من حياة الشعب الفلسطيني".

الأراضي الزراعية في منطقة الشوكة جنوب قطاع غزة انتعشت بفضل مشروع تخزين مياه الأمطار، وذلك بعد مواتها لسنين طويلة بفعل شح المياه وعدوان الاحتلال
ويشير إلى أن جمعيته تعمل كحلقة إشراف مع المزارعين وقريبًا سيتم تخفيض سعر الكوب، لافتًا إلى أنه حاليًّا تحت إدارة جمعية التنمية الزراعية.
جدير بالذكر أن الشوكة منطقة حدودية، وتعد من المناطق المهمشة، وهي ذات أهمية استراتيجية كبيرة جداً، إذ يمكن اعتبارها بوابة قطاع غزة إلى العالم الخارجي، حيث يقع فيها مطار غزة الدولي سابقًا، ومعبر كرم أبو سالم ومعبر رفح البري مع مصر ومعبر صوفا، وتعد سلة قطاع غزة الغذائية، كما ويبلغ عدد سكانها نحو 17 ألف نسمة، ومساحة الأراضي فيها 22 ألف دونم، وغالبيتهم يعتمدون في مهنتهم الأساسية على الزراعة وتمثل حوالي 80% من إجمالي الأعمال الأخرى للسكان.

غرق وتدمير مساحات زراعية واسعة شرق غزة بسبب فتح الاحتلال لسدوده المائية على طول الشريط الحدودي
الاحتلال يَتفنن
أما المشهد المؤلم الذي حل بالمزارعين رغم انتظارهم الطويل لهطول الأمطار، فهو فتح سدود تجمع مياه الأمطار من قبل الاحتلال الإسرائيلي نحو الأراضي الزراعية شرق مدينة غزة؛ ما أسفر عن غرق عشرات الدونمات الزراعية، ووصل ارتفاع منسوب المياه إلى أكثر من متر ونصف المتر.
وبنظراتٍ يملؤها الخيبة على ضياع محصوله الزراعي يقول المزارع فايز سكر: "إنها المرة الأولى التي تصل مياه السدود إلى مناطق جديدة لم تتضرر من قبل نتيجة فتح عبارات جديدة من الداخل المحتل من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي".
والمزارع سكر تضرر في يناير(2020) من نفس مياه السدود وتكبد آنذاك خسائر فادحة، وتم دعمه من مؤسسات عاملة في مجال الزراعة بمدخلات الإنتاج لتمكنه من الزراعة مرة ثانية، وإعادة دمجه في العملية الزراعية.
كما تضرر أشقاء سكر الثلاث من فتح السدود، ويقول: "الاحتلال يمنع المياه من خلال وضع مصائد تحول دون وصولها للخزان الجوفي داخل القطاع، وفي الوقت الذي تهطل الأمطار ونستبشر خيرًا يدمر الاحتلال مزروعاتنا بغمره الأرض بالمياه."
وكشفت وزارة الزراعة في غزة عن غرق 310 دونمًا بالكامل، وتضرر 217 دونمًا بصورة غير مباشرة بفعل فتح السدود من الداخل المحتل.
وتؤكد وزارة الزراعة في غزة أن الأراضي التي تعرضت للغرق جميعها أراضي مستثمرة زراعياً، ومزروعة بخضروات ومحاصيل مختلفة، إضافة لتضرر217 دونماً، بشكل غير مباشر، حيث تم غمر آبار، وشبكات تزودها بالمياه، إلى جانب عدم قدرة المواطنين على الوصول إليها؛ بسبب تشكل برك ضخمة من المياه.
ويقول مدير مديرية زراعة غزة أحمد فطاير: "الاحتلال يستهدف القطاع الزراعي ككل، ويستخدم سياسة تدمير كافة الأراضي شرق قطاع غزة، سواء من خلال غمرها بالمياه، أو رشها بالمبيدات، أو تجريفها، كونها تمد القطاع بالسلة الغذائية، موضحا أن هناك تعمد واضح من قبل الاحتلال لجهة إبقاء المناطق الشرقية لقطاع غزة فارغة".
بدوره يشير المزارع حماد الخيسي "60 عامًا" إلى أنها المرة الثانية التي تغرق فيها محاصيله بشكل كلي (كوسا - بامية - فقوس)؛ نتيجة فتح السدود وإغراق أرضه من قبل الاحتلال وتعرضه لخسائر جديدة، إضافة إلى الديون التي تراكمت عليه بفعل الانتهاكات الإسرائيلية المستمرة والرامية إلى تدمير البنية الزراعية، لافتًا إلى أن الاحتلال يتفنن في ارتكاب جرائمه من فتح للسدود ورش المزروعات بالمبيدات التي تعمل على إتلاف المحاصيل الزراعية.
ومنذ عام 2013، دأب الاحتلال طيلة السنوات الماضية على فتح السدود وعبارات المياه في أكثر من منطقة شرق القطاع، لاسيما شرق مدينة غزة؛ ما تسبب بأضرار كبيرة في قطاع الزراعة، إذ يجري فتحها بشكل مفاجئ، كلما هطلت أمطار غزيرة، وامتلأت أحواض التجميع في مناطق "غلاف غزة" ومدينة بئر السبع والمستعمرات المحيطة بها.
وبحسب متابعين في الشأن الزراعي؛ فإن قوات الاحتلال الإسرائيلي أقامت سدودًا على طول الشريط الحدودي لقطاع غزة؛ لمنع الانسياب الطبيعي لمياه الأمطار إلى الأراضي الفلسطينية، وتحويلها لتصب في الخزان الجوفي في الداخل المحتل، وبالتالي حرمان الفلسطينيين من أهم مصدر لتغذية الخزان الجوفي، في ظل تفاقم الوضع المعيشي للمزارعين والأزمات والكوارث التي يتعرض لها القطاع الزراعي تزامناً مع أزمة كورونا.