|
على مدار سبع سنوات فقدت بلدة دير غسانة ما يقارب الـ ٤ آلاف شجرة، منها شجر الزيتون الرومي والبلوط وغيره، بسبب سرقتها من قبل الحطابين، والمشكلة تتفاقم لديهم كل عام دون حل. البلدة تخسر مئات الأشجار سنويا بفعل التحطيب. وتحدث عملية قطع الأشجار عادة في الليل وفي ساعات الصباح الباكر خفية، وبعيدا عن أعين الناس، وتزيد عمليات القطع في فصل الشتاء بسبب استخدام الحطب في التدفئة. ونظرا لعدم وجود ردع وعقوبة لهؤلاء السارقين، أصبحت الأرض مباحة لهم، فيتمادون أكثر لسرقة الزيتون الرومي وبيعه حطبا. ويوجد في الضفة وغزة ما يزيد عن ١٢ مليون شجرة زيتون. وكشفت نتائج التقرير الوطني الفلسطيني الأول المقدم لسكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر أن مؤشرات التصحر تظهر في أكثر من ٥٠٪ من الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967، وما يقارب الـ ١٥٪ منها في تدهور.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| قطع أشجار الزيتون المعمرة في قرية قراوة بني زيد قضاء رام الله |
يتفقد "محمد أحمد" أشجار زيتونه الرومي المزروعة في الأرض التي ورثها عن أجداده، ففي فصل الشتاء تحديداً، تتعرض أشجاره الواقعة في جبل الظهر غرب أراضي قرية دير غسانة؛ شمال غرب مدينة رام الله، للقطع من قبل تجار الحطب.
فعلى مدار سبع سنوات؛ فقدت بلدة دير غسانة ما يقارب الـ ٤ آلاف شجرة، منها شجر الزيتون الرومي والبلوط وغيره، بسبب سرقتها من قبل الحطابين، والمشكلة تتفاقم لديهم كل عام دون حلٍّ.
أحمد المالكُ لأكثر من قطعة أرض مزروعة بالزيتون الرومي؛ يعرف أشجاره جيدا ويحفظ مكان كل شجرة حتى شكل عروقها، فهو منذ طفولته قبل خمسين عاما، وهو يرعى الأرض مع أهله، وأي تغيير يحدث فيها يلاحظه بسرعة.
يقول أحمد: "منذ أربع سنوات يُسرق لي ما يقارب العشر أشجار من الزيتون الرومي في كل عام، أجد الشجرة مقطوعة من العرق ومحفورٌ بجانبها ومحروقة، ويتم طمر باقي جذعها بالتراب؛ لإخفاء جريمة السرقة.
يتابع الرجل وفي صوته مرارة لفقدان عددٍ من أشجاره المعمرة: "تاريخ العائلة موجود على الشجر، واحفظ مكان الأشجار جيدا واعرف كم لدي منها، واتحسر كثيرا عند اكتشافي لشجرة مسروقة، إنهم لا يقطعون الشجر فقط، بل التاريخ والتراث أيضاً لغرض التكسب المادي".
ويشير أحمد إلى التقصير من قبل المؤسسات الرسمية مثل البلدية والشرطة والجمعيات الزراعية، لمحاربة هذه السرقات التي تتم دون أي رادع.
محمد سهيل الذي يعيش خارج البلاد لم تسلم أرضه أيضا من القطع، فقد قام الحطابون بقطع أشجار زيتونه؛ ما جعله يشعر بأنه يخسر أرضه تدريجيا.
يقول سهيل: "لا يوجد فائدة من الشكوى في ظل عدم وجود قانون يردع الحطابين من المتاجرة بأشجارنا، ولا نعرف من يقوم بالتقطيع والسرقة للشكوى عليه، وبالتالي الشكوى بلا جدوى".
ولا يسمح القانون للمتضرر بالشكوى الا بنفسه، ما يمنع الكثير من الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج وتتعرض أشجارهم للسرقة من تقديم شكوى.
ويؤكد سهيل أنه نظرا لعدم وجود ردع وعقوبة لهؤلاء السارقين، فقد أضحت أراضيهم مباحة للصوص الأشجار.
 |
 |
| اجتثاث أشجار الزيتون في دير غسانة لتسويقه حطبا |
اجتثاث الأشجار من قبل الحطابين في قضاء رام الله آخذة في التفاقم |
البلدة خسرت مئات الأشجار وقُدمت عشرات الشكاوي
من جانبه، يقول يزن الريماوي رئيس بلدية تجمع بني زيد الغربية الذي يضم بلدة دير غسانة، أن البلدة تخسر مئات الأشجار سنويا بفعل التحطيب، وأن هناك عشرات الشكاوي التي تقدم لهم خلال العام الواحد، لكن لا يوجد أي شكوى تحمل اتهاماً لأحد، ما يصعب متابعتها.
ويضيف؛ انهم يحاربون المشكلة بكل قوة ممكنة لديهم ويأخذونها على محمل الجد، كما يوجهون المتضررين إلى جهات الاختصاص لمتابعة شكواهم.
وتحدث عملية قطع الأشجار عادةً في الليل وفي ساعات الصباح الباكر خفية، وبعيدا عن أعين الناس، وتزيد عمليات القطع في فصل الشتاء بسبب استخدام الحطب في التدفئة.
ويؤكد الريماوي أن كل من يريد قطع شجرة يجب ان يحصل على تصريح، لكن ليس الجميع يتقيد بذلك، وتعتزم البلدية على رفع أسماء الحطابين المعروفين بالبلدة لتوقيعهم على تعهدات بعدم قطع الأشجار دون إذن.
يقول مدير عام الغابات والمراعي حسام طليب، أن لديهم في وزارة الزراعة ٤٥ طوافاً، مهمتهم الحفاظ على التعديات في الأحراش العامة وليس الأراضي الخاصة، لكن الأولوية تكون في توزيع أعدادهم على الأراضي الحكومية.
ويرى طليب ان التعديات على الأشجار بحدها الأدنى، مشيراً إلى وجود نظام ينظم عملية القطع بشكل كامل، لكن ما يحصل هو مخالفٌ للقانون في الأراضي الخاصة التي يتم فيها سرقة الأشجار دون علم أصحابها.
وتعطي الزراعة حسب القانون تصريحاً لقطع الأشجار الحرجية الا اذا كانت مهددة بالانقراض، لكن شجرة الزيتون الرومي، وفق طليب هي شجرة وطنية يمنع قلعها ويوجد ما ينظم عملية نقلها.
 |
 |
| أيادي فلسطينية تساهم في تدمير الثروة الشجرية الزيتونية في أراضي دير غسانة |
بقايا أشجار الزيتون المدمرة في قرية دير غسانة |
طليب: التصريح لا يمنع التعدي على الأشجار
وتقوم وزارة الزراعة بعملية قطع منظم للأحراش، للحفاظ على الحراج بما معدله ٤٠٠- ٥٠٠ شجرة خلال الموسم، تكون مصابة بالأمراض أو جافة.
وحسب طليب يوجد تنسيق كامل مع وزارة الزراعة والضابطة الجمركية على نقل الأحطاب سواء من القرى او المدن، ويحصل كل مواطن على تصريح من قبل بلديته بمصدر الأشجار، حتى يتم ضبط التعديات، وعدم السرقة، لكن هذا لا يمنع التعدي على أراضي المواطنين وعمليات التهريب.
وكشفت نتائج التقرير الوطني الأول المقدم لسكرتارية اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر؛ أن مؤشرات التصحر تظهر في أكثر من ٥٠٪ من الأرض الفلسطينية، وما يقارب الـ ١٥٪ منها في تدهور.
من جهته استنكر المهندس احمد لافي مدير عام مديرية زراعة رام الله والبيرة في منشور على الفيسبوك ظاهرة سرقة وقطع أشجار الزيتون الرومي. (صورة المنشور)
وأكد بعد أن قام احد المواطنين بسرقة وقطع أشجار زيتون في بلدة قراوة بني زيد قضاء رام الله، أن وزارة الزراعة فرضت قوانين رادعة تحمي الطبيعة من كل من تسول له نفسه قطع شجرة زيتون واحدة، باستثناء من يحصل على تصريح خطي من قبل مديرية الزراعة .
كما وأكد أن الهدف من وراء ذلك، هو حماية شجرة الزيتون وقطع الطريق على من أسماهم ضعاف النفوس، الذين يريدون العبث بمقدرات الشعب الزراعية وبيعها بأثمان رخيصة.
يقول عضو مجلس إدارة جمعية دير غسانة الزراعية المحامي محمد الرابي، من سبع سنوات ظهرت مشكلة تحطيب اشجار الزيتون الرومي، لصالح بيعه حطبا دون طلب او علم أصحاب الأرض. مشيرا إلى أن من يقوم بقطع الأشجار هم معروفون لدى الناس، لكن ليس عليهم اثبات يدينهم ليتم الشكوى عليهم رسميا.

تخريب وسرقة الأشجار المعمرة من قبل الحطابين في قرية دير غسانة
الشجر الرومي هو الحامي من الاستيطان
ويقول رابي أن أهمية جبل الظهر الذي يحتوي على أشجار الزيتون المستهدفة من قبل الحطابين، تنبع من كونه مطل على الساحل الفلسطيني، حيث يبعد عنه ما بين خمسة الى عشرة كيلو متر هوائيا، كما انه مزروع بأشجار الزيتون الرومي المعمرة التي تكسو اغلب مساحته وهي الحامية للجبل من الاستيطان، وتبلغ أعمار أشجار الزيتون هناك على الأقل ٥٠٠ عام.
ويضيف أن إسرائيل تعتبر جزءاً من المنطقة المعرضة للتحطيب محمية طبيعية تقع تحت سيطرتها، لكنها لا تحرك ساكناً حيال ما يجري من قطع للأشجار، لأنها تريد لهذا الجبل ان يخلو من الأشجار لتسهيل السيطرة عليه، وبناء مستوطنة عليه مستقبلاً، لذلك تُطلق العنان للحطابين وتجار الحطب بتقطيع الشجر بلا عوائق.
وينوه الرابي أن بعض المساحات أصبحت جرداء من الزيتون والأشجار الحرجية التي اعتبرها القانون الفلسطيني أشجاراً محمية. وكل هذا مؤشر كارثي بعدم وجود آليات وأدوات لردع هؤلاء الحطابين.

مئات الأشجار المعمرة يتم اجتثاثها وتدميرها سنويا في أراضي دير غسانة قضاء رام الله
القانون عقيم وقديم ولا يجرم الجاني
ويوضح رابي أن هناك مشكلة حقيقية في عدم وجود نصوص قانونية رادعة للحطابين ولا إجراءات جنائية، فالقانون قديم وعقيم وغير واضح لتجريم المجرم، كما ان إجراءات التبليغ عن الجريمة طويلة وليست ذات قيمة قانونية.
"الحاجة ملحة لتعديل القوانين ومنح البلديات صلاحيات إجرائية للحد من المشكلة، ويجب أن تضع وزارة الزراعة ضابطة عدلية يسميها الوزير، تكون مسؤولة عن ضبط هذه الأمور. لكنه لم يفعل". يشير الرابي
وتنص المادة ٨١ من قانون الزراعة رقم ٢ لسنة ٢٠٠٣ على التالي: "يكفي لمفتشي الوزارة وحراس الطبيعة والأشخاص الذين يسميهم الوزير لنفس الغاية "صفة مأموري الضبطية القضائية".
ونصت المادة ٨٠ من ذات القانون على عقوبة شديدة للمعتدي على المزروعات بالقطع أو الاتلاف "مدة سنة واحدة أو بغرامة مالية لا تزيد على ألف دينار أردني أو ما يعادلها بالعملة المتداولة قانونياً، او بإحدى هاتين العقوبتين".
المتغرب المتضرر والحطاب السارق
وبخصوص المتضررين الذين يعيشون خارج البلاد غير القادرين على تقديم شكوى، يقول رابي أن الجرم يجب ان يستند الى شكوى، وهذه كارثة لأن المواطنين في الخارج لا يستطيعون المجيء لتقديمها، وبالتالي يسهل سرقة زيتونهم.
وأشار الى ضرورة أن تكون هذه المسألة من المسائل التي لا تحتمل الشكوى من المتضرر شخصياً، واعتبارها اعتداءً على التراث، والمتضرر هو الوطن والبلد لأن شجرة الزيتون شجرة معمرة.
وطالبَ رابي بإصدار لائحة تنفيذية لتنظيم القانون يصدرها مجلس الوزراء، تتضمن تعديلاً لقانون الزراعة وتفعيلاً لصفة الضابطة العدلية مع فرض العقوبات الرادعة للجناة. مع العلم أنه يوجد في فلسطين وفق تقديرات وزارة الزراعة ما يزيد عن ١٢ مليون شجرة زيتون.