فقه العمران.. قبسات في التقاء الفِكر بالهندسة!
|
د. خالد عزب درس العلاقة بين الفقه والعُمران وكانت ثمرة هذه المعارف المُتراكمة كتاب "فقه العمران" الذي نُشر عام 2012 وحاز على جائزة أفضل كتاب من مؤسسة الفِكر العربي عام 2014 لتميّزه في طرح هذه المسألة التي نادرًا ما تُطرح بشكل مهني وخلّاق. ويحتوي الكتاب على الكثير من اللفتات التي تدعو إلى الربط بين الفِكر والهندسة بما يتلائم مع العمل على عُمران الأرض بشكل مُستدام لا ضرر فيه ولا ضرار. نجد ابن خلدون، كما تبين لنا الدراسة، يتدخل في مسائل قد يعتبرها البعض مسائل هندسية بحتة، بينما هي مسائل عُمرانيّة تستدعي تضافر الجهود من أهل الهندسة وعلم الاجتماع وحتى الفقه، فنجد هذا العالم يدوّن رأيه في العُمران وهندسة تخطيط المُدن.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية

في عام 1984 التحق د. خالد عزب بكليّة الآثار في جامعة القاهرة ومُنذ ذلك الحين وهو يُعنى بالعلاقة بين الدين والآثار، ثم ليتحول إلى دراسة العلاقة بين الفقه والعُمران وكانت ثمرة هذه المعارف المُتراكمة كتاب "فقه العمران" الذي نُشر عام 2012 وحاز على جائزة أفضل كتاب من مؤسسة الفِكر العربي عام 2014 لتميّزه في طرح هذه المسألة التي نادرًا ما تُطرح بشكل مهني وخلّاق، فالكتاب يتألف من 580 صفحة من القطع الكبير وفيه عدد كبير من الصور التوضيحية واللوحات الفنيّة المُعبرة، والأهم أنه يحتوي على الكثير من اللفتات التي تدعو إلى الربط بين الفِكر والهندسة بما يتلائم مع العمل على عُمران الأرض بشكل مُستدام لا ضرر فيه ولا ضرار.
لا ضرر ولا ضرار
إن كانت هناك قاعدة فقهية تتكرر بشكل لا يُمكن تجاهله في "فقه العمران" بل ويستحيل أن تُنسى بعد هكذا كتاب هي "لا ضرر ولا ضرار" فهي تتكرر مع كُل مسألة تقريبًا، سواء في قضايا البناء أو الصراع حول المياه أو حتى تصميم الأسواق. هذه القاعدة هي عبارة عن حديث نبوي وهو أحد الأحاديث الخمسة التي يقوم عليها الفقه الإسلامي كما يذكر الكتاب، ويُضيف أن أحكامًا لا حصر لها في فقه العمارة الإسلامية قامت عليها، كما أنها أثّرت على حركة العمران في مدينتي القاهرة ورشيد شرق الاسكندرية.
بالنسبة لتفسير هذه القاعدة، يذكر الكاتب: "الضرر والضرار كلمتان بمعنى واحد وردتا لتأكيد المنع، وعند إعرابهما يتضح أن: الضرر الاسم، والضرار الفعل. وقول الرسول محمد – صلى الله عليه وسلم – لا ضرر أي لا يدخل على أحد ضرر وإن لم يتعمده، وقوله لا ضرار أي لا يضر أحداً بأحد. ويقول ابن الرامي في كتابه "الإعلان بأحكام البنيان": "أن الضرار ما قصد الإنسان به منفعة نفسه فكان فيه ضرر على غيره، وأن الضرر ما قصد الإضرار بغيره".

نص من كتاب فقه العمران
ابن خلدون وشروط اختيار موقع المُدن
ومن الفقه إلى علم الاجتماع حيث نجد ابن خلدون يتدخل في مسائل قد يعتبرها البعض مسائل هندسية بحتة، بينما هي مسائل عُمرانيّة تستدعي تضافر الجهود من أهل الهندسة وعلم الاجتماع وحتى الفقه، فنجد هذا العالم يدوّن رأيه في العُمران وهندسة تخطيط المُدن، كما ورد في مقدمته أن هناك شروطًا لا بُد من مراعاتها في اختيار مواضع المُدن وهي:
- أن تُحاط بسور يدفع المضار عنها.
- مراعاة الموقف الذي يتمتع بطيب الهواء للسلامة من الأمراض.
- جلب الماء بأن يكون البلد على نهر أو بإزائه عيون عذبة.
- طيب المراعي لسائمتهم.
- مراعاة المزارع، فإن الزروع هي الأقوات.
ولو تأملنا هذه الشروط، لوجدناها تُسلط الضوء على القضايا البيئية بشكل مُلفت وتعتبرها "شروطًا" وليست مُجرد تنبيهات أو توصيات، وبالأخص ربط مسألة تلوّث الهواء وزيادة الأمراض والتأكيد على مسألة الزراعة لضمان الأمن الغذائي، والأهم أن هذه الأفكار العمرانية كُتبت قبل حوالي 500 عام.
 |
| محتويات كتاب فقه العمارة |
التلوث الصوتي في التراث العربي
إلى جانب هذه القضايا، نجد العُلماء وأهل الهندسة والعُمران ينشغلون بقضية التلوث الصوتي. وفي "فقه العمران" يشير الكاتب إلى مقالة بعنوان "التلوث الصوتي في التراث العربي والإسلامي" للكاتب "محمد الحساوي" كانت قد نشرت في مجلة فكر في المغرب تناولت أهمية الجدران في وقاية العمران من الضوضاء وكل عوامل الاهتزاز.
وللكشف عن ضرر الاهتزاز يذكر ابن الرامي في كتابه "الإعلان في أحكام البنيان" قضية رجل وضع في بيته "رحى" - أداة يُطحن بها – فاشتكى جاره الضرر مما لحق حيطان داره من هذا الرحي، وطُلب من أحد القضاة طريقة لكشف الاهتزازات التي تسبب بها الرحي فقال له:
"تأخذ طبقًا من كاغط (أي الورق)، وتربط أركانه بأربعة أخياط، في كل ركن خيط وتجمع أطراف الأخياط وتعلقه من السقف الذي على الحائط الفاعل بين الدار وبين الرحى من جهة الدار، وتعمل على الكاغط حبات من الكزبر يابس، وتقول لصاحب الرحى: هز رحالك، فإن اهتز الكزبر على الكاغط قيل لصاحب الرحى: اقلع رحاك لأنها تضر بالجار. وإن كان لا يهتز الكزبر على الكاغط قيل لصاحب الدار: اتراك صاحب الرحى يخدم رحاته لأنها لا تضرك".
ضرر الدخان والروائح
في فقه العمران نرى كذلك اهتمامًا مُلفتا لقضايا الدخان والروائح، فنجد أن العلماء قاموا بتقسيم ذلك إلى قسمين: "منه ما يُمنع، ومنه مالا يُمنع"، وعلى سبيل المثال:
- الذي يُمنع دخان الحمامات والأفران وما شابههما.
- الذي لا يُمنع دخان التنور والمطبخ مما لا بُد منه ولا يستغنى عنه.
بالتأكيد فإن هذه الأحكام مُتعلقة بالقدرات التقنية في ذلك الزمان، فنجد أهل الاختصاص ينصحون أصحاب الحمامات باستخدام حطب المشمش والقطن كوقود وعدم استخدام الوقود المصنع من "الزبل"، كما نجد أن الكثير من الصناعات التي تتسبب بالضرر والتلوث تضطر إلى إقامة مصانعها خارج حدود المدينة أو في مناطق بعيدة مثل صناعة الدباغة.
العُمران في بناء المساجد
في الفصل الثالث والمُسمى "فقه عمارة المساجد" نجد أمثلة كثيرة جدًا توضّح الفرق بين الهندسة المعمارية وفقه العمران، فالبنيان والعمران مسألة لا يُمكن فصلها عن الفِكر والفقه بحسب الكتاب والأمثلة الواردة فيه، سواء كُنا نتحدث عن بناء المآذن أو تصميم المسجد.
حيث يُشير الكتاب أن الكثير من المساجد مبنيه بشكل مُستطيل وهي مسألة ليست عشوائية بتاتًا، بل هي انعكاس للحديث النبوي الذي يُشير إلى أهمية الصلاة في الصف الأول. وفي هذا المضمار وضرورة تماسك صفوف المصلين دُون انقطاع، فيُشير الكاتب أن المعماريين العثمانيين استطاعوا توفير مساحة ممتدة من الفراغ المركزي، تسمح بامتداد صفوف جماعة المصلين بلا أية عوائق من الكتل المتمثلة في العمد والدعائم، وذلك من خلال الاعتماد على عدد قليل من الأعمدة التي تتميز بسماكتها ومتانتها بدلًا من الاعتماد على أعمدة كثيرة "صغيرة" كتلك الموجودة في الكثير من المساجد التقليدية حيث نرى الأعمدة تنتشر بشكل عشوائي دُون مراعاة هذه الشروط.
هذه الفكرة التي تضمن عدم انقطاع الصفوف وتضمن رؤية المحراب من أي اتجاه في الجامع، تضمن أيضًا توفير المواد الخام الثمينة كالرخام وغيرها.
فقه المياه وأول قانون للمياه مكتوب بإفريقيا!
يحتل "فقه المياه" أهمية كُبرى في "فقه العمران" وقد خصص الكاتب فصلًا كاملًا للحديث عن محاكم المياه والقوانين والقواعد المتعلقة بالخلافات في هذا المجال، وهو ما يؤكد على اهتمام الإسلام بالمياه كمورد طبيعي والدعوة إلى الاستفادة منه بشكل مستدام، فنجد المساجد في صنعاء كانت تحرص على إعادة استخدام مياه الوضوء مرة أخرى في ري البساتين والمزارع الموقوفة على المسجد عبر قنوات ممتدة من المطاهر لهذه المزارع.
وعلى سيرة الوضوء، نجد من الفقهاء من طالب بأن تكون المسافة بين موضع جلوس المتوضأ والآخر كافية، بحيث لا يصل إليه رشاش الماء سواء من استعماله او استعمال غيره، وتنفيذا لهذا الحكم الفقهي تمت المباعدة بين أماكن جلوس المتوضئين، هذا الاهتمام بهكذا تفاصيل دقيقة متعلقة بالمياه واستخداماتها نجدها في الحديث عن تصريف مياه الأمطار وملكيتها.
أحد الكتب المهمة في هذا المضمار هو كتاب "القسمة وأصول الأرضين" وفيه قانون المياه الذي يُمكن اعتباره أقدم قانون للمياه مكتوب بإفريقيا، وهو مبوّب في تسعة أبواب في الجزء الخامس من الكتاب مثل: باب ملكية ماء المطر والتصرف فيه، باب عمارة الأرض بماء المطر، باب الاشتراك وقسمة الماء والأرض، باب صرف الماء من الأودية وباب المساقي وغيرها.
في بلاد الأندلس – اسبانيا والبرتغال – نجد محاكم متخصصة في قضايا المياه من زمن عبد الرحمن الناصر – سنة 318 هجرية – التي كانت تبحث في قضايا مثل إلقاء مياه مضرة في الساقية وتسببها بتلف المحصول، أو استخدام مياه الساقية في غير الوقت المحدد للمزراع، أو حتى البناء في أرض الساقية بدون إذن أو تفويض.
مُنشآت الرفق بالحيوان
من المراجع المُلفتة التي يعتمد عليها الكتاب هي رسالة دكتوراة مُتخصصة بالبحث في مُنشآت الرفق بالحيوان في مدينة القاهرة في العصرين المملوكي والعثماني للباحث محمد الشيشتاوي، وعنها ينقل كيف كانت العناية بأحواض سقي الدواب، فيذكرُ كيف انتشرت هذه الأحواض في مصر وبلاد الشام انتشارًا كبيرًا في الأسواق وطرق الحج وطرق القوافل إلى الشام إما منفردة أو ملحقة بالخانات، وقد اتخذت هذه الأحواض موضعًا متميزًا ليسهل شرب الدواب منها.
وفي هذا الإطار، نجد الأوقاف الخيرية التي تم تخصصيها للحيوانات مثل وقف المرج الأخضر بدمشق للحيوانات المريضة العاجزة، حيث كانت ترعى الحيوانات حتى تموت. وكان وقف القطط في سوق ساروجة خاص بإيواء الحيوانات الأليفة.
ختامًا، إن هذا الكتاب يجعلنا نتأمل الكثير من المشاريع الهندسيّة في بلادنا والتي نجد أنها مستوردة بطريقة تؤدي في كثير من الأحيان إلى فشلها، لأنها لا تتلاءم مع البيئة التي نعيش فيها، فتصميم المساجد بما يتلاءم مع الفقه الإسلامي هي البداية فقط، كما أن تصميم البيوت ورعاية حق الجيرة من خلال الحد من الضوضاء والروائح كانت مسائل جوهريّة.. ومثلها مسائل ضرورة مراعاة قواعد الرفق بالحيوان وتخصيص الأوقاف الخيريّة لهذه الأغراض هي دلائل مهمة على ضرورة مُراعاة الخصائص الثقافية والفكريّة لبلادنا.. قبل الشروع في أي مشروع هندسي أو "عُمراني"!