|
أهالي منطقة العشارين في بلدة طمون بمحافظة طوباس، كما العديد من القرى والبلدات الأخرى، محرومون من استنشاق هواء نقي طبيعي، بسبب مزارع الحبش والدواجن، ويعيشون في ثكنة مغلقة النوافذ والأبواب، حيث أصبح قضاء بعض الوقت في فناء منازلهم مدعاةً للتذمر، وكذلك أطفالهم ابتعدوا عن اللعب واللهو كأقرانهم خارج البيوت. وقد نظم أهالي العشارين مؤخرا، عدة مظاهرات سلمية طالبوا فيها بازالة مزارع الحبش التي تُسبب الرائحة والأمراض. أبراج مراقبة داخل المزرعة تراقب 24 ساعة ما يدور حولها لحمايتها، إضافة إلى الكاميرات، وهذا ينتهك حرمة المنازل التي تبعد مسافة صفر عن مزرعة الحبش.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| مزارع الحبش في بلدة طمون |
يُحرم أهالي منطقة العشارين في بلدة طمون بمحافظة طوباس، من استنشاق هواء نقي طبيعي، ويعيشون في ثكنة مغلقة النوافذ والأبواب، حيث أصبح قضاء بعض الوقت في فناء منازلهم مدعاةً للتذمر، وكذلك أطفالهم ابتعدوا عن اللعب واللهو كأقرانهم خارج البيوت.
الشاب فهد جمال الذي يملك منزلا في العشارين، هو عريس جديد تزوج قبل بضعة أشهر، لكن سعادته بحياته الجديدة كأي زوج شابها بعض التوتر، حيث أصيبت زوجته بحساسية صدرية جرّاء الروائح الكريهة التي يستنشقها أهالي المنطقة.
ويقابل منزل جمال على بعد عدة أمتار فقط مزرعة حبش، يصدر عنها روائح كريهة قوية تسببت ببعض الأمراض لعدد من السكان المحيطين.
يقول جمال وهو يشير إلى بركسات الحبش: "نعاني معاناة شديدة من الروائح التي لا تطاق، والتي تزيد في الليل، الوضع مزري هنا، كما أن الضيوف لا يحبذون المجيء الينا وان أتوا فهم يمتنعون عن الجلوس في ساحة المنزل،أنهم ببساطة يقرفون".

طفل يقطن بمحاذاة مزارع الحبش في بلدة طمون يعاني من أزمة صدرية ويتناول الأدوية الكيميائية
مواطن: "المال ليس أهم من صحتنا"
ويتابع جمال وهو يقف على بعد أمتار قليلة من المزرعة: "المال ليس أهم من المواطن، فحياة البشر وصحتهم أهم من النمو الاقتصادي الذي من الممكن أن تحققه مزرعة الحبش... نحن نريد استنشاق هواء نقي خال من الأمراض والغبار والروائح".
ويضيف: "اغلقنا الشبابيك وركبنا مكيفاً لتخفيف دخول الرائحة الى وسط المنزل، لكن كل هذه التكاليف لم تكن مجدية في منع الروائح والحشرات والناموس.. انه لمن الظلم أن يبقى الوضع قائما هكذا، لقد تعبنا".
وقد نظم أهالي العشارين مؤخرا، عدة مظاهرات سلمية طالبوا فيها بازالة مزارع الحبش التي تُسبب الرائحة والأمراض.
جمال ليس الوحيد المتضرر، الحاجة شفاء سعيد "أم رافت" تقف أمام شباك منزلها متحسرة على تعبها يوم أمس في تنظيف شبابيك المنزل من ريش طيور الحبش، قائلة: "كل يوم تنظيف، نعاني معاناة كبيرة منذ سنوات من الزغب والريش، وقد اتجهنا للبلدية والمحافظة والصحة لحلِّ المشكلة".
وتشير أيضاً إلى وجود أبراج مراقبة داخل المزرعة تراقب 24 ساعة ما يدور حولها لحمايتها، إضافة إلى الكاميرات، وهذا ينتهك حرمة منازلنا التي تبعد مسافة صفر عن مزرعة الحبش".
وتشير أم رافت، وهي تهز حفيدها ابن الأشهر في سريره، الى ان ابنها أصبح يعاني من الجيوب الأنفية وقد أجرى عملية مؤخرا، موضحة أن ابنتها قبل عامين قرصتها حشرة "البق" وتسببت بورم في قدمها، ما اضطرهم الى نقلها الى المشفى لتلقي العلاج.

مزارع الحبش وروائحها الكريهة بين المنازل في بلدة طمون
"ع التبخيرة عايشين"
مسافة الصفر بين منزل الشاب عاصم يونس الأب لثلاثة اطفال ومزرعة الحبش، يقول: "الوضع مزري وكأننا مربين حيوانات جوا الدار، وكل اسبوع واحد من عائلتي بمرض، وأصبحنا نعيش على البخاخات (..) مش ظايل غير نموت عشان الحبش".
ويعاني طفله البالغ ست سنوات من أزمة صدرية ويحتاج إلى تبخيرة بشكل مستمر، وأحيانا لا يستطيع التنفس ويفقد الوعي من الرائحة، ويحتاج الى أدوية.
سهى بني عودة التي يبعد منزلها حوالي 50 متراً عن مزرعة الحبش، أصابتها أزمة صدرية تضطرها الى الذهاب الى المشفى حوالي مرتين إلى ثلاث مرات شهرياً، وعليها أينما ذهبت أن تأخذ معها جهاز التبخيرة. تقول: "بطلت أتحمل من مرة، الوضع ما بنطاق".
وتضيف: "نستخدم المعطر بشكل رهيب للقضاء على الرائحة والحشرات والناموس، لكن دون جدوى، القحة ذبحتني، اضافة الى الغبار فأنا اقوم بغسل الملابس مرتين وثلاثة لأنها تتسخ من الريش، وهي على المنشر في الخارج". وتشير إلى أن أطفالها حُرموا من الجلوس في ساحة منزلهم، واللعب فيها.

مواطنة تراقب مزارع الحبش الملاصقة للمنازل في بلدة طمون
صاحب المزرعة يمتنع عن التعليق
صاحب مزرعة الحبش الذي رفض إعطاء أي تصريح للإعلام، بدأ مشروعه بتربية طيور الحبش قبل عشر سنوات تقريبا، ووفق سكان المنطقة فلم يكن في محيطه هذه الأبنية السكنية، ولكن مع التوسع العمراني لبلدة طمون وزيادة عدد السكان، أضحت مزرعته محاطة بعددٍ من المنازل السكنية.
ويجمع المواطنون على أن البركسات كانت قليلة وعلى مساحة صغيرة ولم يكن لها الضرر الكبير على صحتهم، لكنها مؤخرا توسعت وكبر المشروع وبدأت روائح طيور الحبش تخرج بكثافة نتيجة أعدادها الكبيرة، وتسببت بالعديد من الأمراض لسكان العشارين.
ويشير المواطنون إلى أن الرجل غير مرخصٍ لمزرعته جميعها، بل جزءٌ منها والجزء الآخر يقع ضمن نطاق البلدية، وهذا مخالف للقانون الذي ينص على عدم تربية المواشي داخل مخططات القرية.
وقد أبرمت محافظة طوباس وبلدية طمون والمزارع اتفاقا بينهم لإزالة مرزعته أو التوقف عن تربية الحبش، في حدود عامين تنتهي المهلة في 25/11/2018 نتيجةً لما سببته من امراض وتلوث في المنطقة.
ظاهرة شائعة، والسكان: "نعاني ولم نشتكِ"
يفضل الناس خاصة في القرى نتيجة الجيرة والعشرة تحملَّ الأضرار الصحية والبيئية على الشكوى ضد مربي الثروة الحيوانية، وتغليب مصلحته الخاصة على مصالحهم العامة، مما يلحق بهم الأذى كالأمراض التنفسية والربو والجيوب والأزمات الصدرية.
أنسام أبو عيشة التي تسكن قرية عسلة قضاء مدينة قلقيلية، لا تقل معاناتها عن سابقيها في منطقة العشارين، يحيط بمنزلها أيضاً حظائر لتربية المواشي من كل الجهات.
تقول: "أصبحنا نعيش نحن والمواشي تقريبا مع بعض، فالمواشي محيطة بنا من كل الجهات، وهنا الناس يعتمدون على تربية المواشي كمصدر رزق لهم، ويتاجرون بها".
وتعاني ابو عيشة التي تسكن منذ 22 عاما في المنطقة، إضافة للرائحة الكريهة التي سببت لها ازمة صدرية، من حشرة البرغوث التي تنتشر بمنزلها والتي تنتقل من الأغنام الى فراشهم.
الغريب أنها لم تشتكِ على أحد من مربي الثروة الحيوانية الذين أضروا بصحتها، وتبرر ذلك بقولها: "نحن جيران وللجار على الجار حق، ونحن نصون ذلك، فلم نشتكِ على احد لإزالة حظيرته، كما ان الكثير هنا بالقرية يربون الأغنام وسط البيوت".
في قرية سالم، شرق مدينة نابلس يربي البعض أيضا الأغنام وسط المنازل، ما يضر بجيرانهم. مواطن فضّل عدم ذكر اسمه يقول في بلدتنا توجد مزرعة لتربية الدواجن وتؤثر عليه صحياً، كما أن بجانبها مدرسة ما جعل الطلبة –وفق كلامه- يتذمرون مراراً من الرائحة والبعوض، لكنه عاجز عن الشكوى لأن صاحب المزرعة من أقاربه، في ذات الوقت، هذا المواطن يؤيد الشكوى الجماعية وهو مستعد للانضمام.

هكذا تبدو أوساخ مزارع الحبش من منازل المواطنين في منطقة العشارين في بلدة طمون بمحافظة طوباس
البلدية تتحرك
نجاح صبحي نائب رئيس بلدية طمون التابعة لها منطقة العشارين يقول: "نتيجة الأضرار الصحية التي لحقت بأهالي العشارين من هذه المزرعة لكبر حجمها ولكثرة أعداد الحبش فيها، وبعد تدخل جميع الأطراف والجهات الرسمية والمظاهرات السلمية المطالبة برحيل المزرعة قرر محافظ طوباس المرحوم ربيح الخندقجي تشكيل لجنة السلامة والصحة العامة، من أجل دراسة وضع بركسات الحبش، وبعد دراسة الحالة أصدر الخندقجي قراراً بضرورة ترحيل المزرعة حتى نوفمبر 2018.
وتعتبر مزرعة الحبش هذه من ثاني أكبر المزارع في الضفة الغربية، ونقلها إلى مكان آخر سيسببُ أضرارا اقتصادية لصاحبها، لذلك اقترحت بلدية طمون عليه إقامة مشروع آخر في البركسات.
وتقول صبحي، يصنفُ جزء آخر من الأرض التي تقع عليها بركسات الحبش ضمن مخططات البلدية والجزء الآخر خارجها ويتبع الحكم المحلي، وقدمت بلدية طمون طلبا بضم هذه الأرض للبلدية، وخاصة أنها مناسبة للعمران.
وهذه ليست المزرعة الوحيدة في بلدة طمون التي تعتبر منطقة ريفية بامتياز يمتهن أهاليها بالدرجة الأولى مهنة الزراعة وتربية الثروة الحيوانية.
تقول أم علي: "أي مزرعة اقيمت داخل حدود البلدية وسببت أضرارا للناس تم إيقافها، وقد أغلقنا أربع مزارع قبل ذلك بعد احتجاج السكان".
القانون يمنع تربية الثروة الحيوانية داخل مخططات البلدية
من جانبه، يقول سامي دراغمة رئيس لجنة الصحة والسلامة العامة: " القانون الزراعي يمنع تربية الثروة الحيوانية داخل مخططات البلدية، ويجب ان تكون خارجها وعلى مسافة 500 متر عن حدودها، تجنبا للأضرار الصحية على الناس".
ويضيف ان المزرعة خارج حدود المخطط الهيكلي لبلدة طمون ونتيجة التوسع العمراني ودخول جزء من المنطقة حدود البلدية فأصبحت غير قانونية".
ويوضح دراغمة أن اللجنة المكونة من وزارة الصحة والحكم المحلي والبلدية والمحافظة، أجمعت في تقريرها على أن البركسات تشكل ضرراً صحيا وبيئيا على المواطنين في المنطقة، وبالتالي يوجد قرار بإغلاقها أو نقلها خلال مدة حددها المحافظ أواخر نوفمبر حسب اتفاقية وقع عليها جميع الاطراف بمن فيهم صاحب المزرعة.
وينص الاتفاق بالتزام صاحب المزرعة بالامتناع عن تربية الثروة الحيوانية في هذه البركسات، بعد هذه الدورة والتي تنتهي بالفترة المذكورة، ومن ثم تشكيل لجنة فنية لدراسة وضع البركسات فإما حلهن وإزالتهن أو إقامة مشروع آخر لا علاقة له بالثروة الحيوانية.
الزراعة: "لا نريد القضاء على الاستثمار"
رئيسة قسم الدواجن بوزارة الزراعة، ريم مصطفى، اكدت على انه حسب القانون لا يجوز انشاء مزارع الدواجن داخل مخططات الابنية والقرى بل يجب ان تبعد حوالي 300 – 500 متر وذلك حسب نوع الثروة الحيوانية.
وتشير مصطفى الى انه يوجد العديد من مزارع التربية الحيوانية وسط المنازل وهذا مخالف للقانون، وقالت ان صاحب مزرعة الحبش في بلدة طمون يبحث عن أرض اخرى لنقل مشروعه، رغم انه يقع خارج مخططات البلدية وهو الوحيد المرخص. مع العلم، وفق مصطفى، إنه من اكبر مربي الحبش في الضفة الغربية، ويشكل استثماراً اقتصادياً يشغل الأيدي العاملة.
وتضيف مصطفى: "لا نريد القضاء على الاستثمار وخاصة انه في مناطق ريفية تعتمد على تربية المواشي والزراعة، وأيضاً المزرعة قائمة على النظام الحديث ومحاطة بجدار عال، ومن غير السهل أن يغلقها صاحبها بليلة وضحاها. وتشير الى ان الريش والزغب والروائح تنتشر بفترة معينة خلال دورة التربية وليس على مدار العام.
الخطر قائم
بدوره، قال رئيس قسم صحة البيئة في محافظة طوباس محمود بشارات، أن أي مزرعة تربية حيوانية وخاصة الدواجن تسبب أضراراً صحية للمواطن، وتطايراً للريش وأصواتاً مزعجة.
ويوضح بشارات أن الروائح الكريهة الصادرة عن تربية الثروة الحيوانية تعمل أزمة صدرية عند المواطن وحساسية للروائح وضيق في التنفس وتنتشر الحشرات والبعوض والذباب وهي تعتبر نواقلَ أمراض، تسبب اسهالات، ووجعاً بالبطن والرأس، ومن الممكن بسببها انتشار انفلونزا الطيور بين الناس.
وينوه بشارات، الى ان فترة تربية الحبش هي فترة طويلة تمتد الى تسعة شهور، ويجب خلال تلك الفترة عدم تنظيف المزرعة، لأنه من ناحية صحية كبيئة طبيعية أفضل للحبش ويقيها من الأمراض.
ويشير الى انهم بوزارة الصحة واثناء عملية تجوالهم في القرى، في حال اكتشفوا أي أضرار لبركسات أو مزارع تربية حيوانية يقومون بالتفتيش وتحرير إخطار له بأنفسهم ويتحول إلى محكمة.
ويوضح بشارات ان المجتمع الريفي يوجد فيه احيانا اناس يربون بعضا من الحيوانات للمنفعة المنزلية وليس التجارة، ويقومون بالرش والتنظيف باستمرار ولا يوجد عليهم شكاوٍ فلا يتم قطع رزقهم.
من جانبه، أكد مدير صحة طوباس الدكتور جميل دراغمة، انه بعد دراسة حالة مزرعة الحبش في طمون، تبين ان المزرعة تسبب اضراراً من كل النواحي البيئية والصحية، لافتاً بالقول: "من يريد تربية الثروة الحيوانية للتجارة وبكميات كبيرة فعليه الابتعاد عن المناطق السكنية كي لا تقع الرأس في الفأس، وتلحق الأمراض بالناس، ويجب تغليب المصلحة العامة على الخاصة، فلا يستفيد شخص على حساب الالاف.
وينتظر سكان منطقة العشارين انتهاء المهلة التي اعطيت لصاحب مزرعة الحبش لإزالة هذه "المكرهة الصحية" بفارغ الصبر لكي ينظف هواءهم ويتمتعون بنظافة بيوتهم، في الوقت الذي ما زالت فيه قرى ومناطق أخرى تعاني لعدم رغبتها في الشكوى بحكم الجيرة والقرابة.