|
بحسب إحصائيات حديثة نشرها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الذي يتخذ من جنيف مقرًا له، فإن نحو 70% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام أو سوء الأمن الغذائي، حيث انخفضت المساعدات بعد العدوان الإسرائيلي صيف 2014م، وأصبح معظم السكان عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء. ونتيجة استفحال الفقر وندرة فرص العمل، لجأ الكثير من الأفراد إلى صناعة المنظفات بمواد خام بسيطة داخل بيوتهم ومن ثم يقومون بتسويقها في الوسط المحيط بأسعار زهيدة لقاء عائد مادي بسيط يغنيهم عن سؤال الناس. وغالبًا لا تخضع هذه المهن الصغيرة لرقابة الجهات الرسمية في قطاع غزة ومع تجاوز مستويات الفقر والبطالة حاجز الخمسين في المائة في قطاع غزة، يتحول الحديث إلى الاهتمام بالنظافة لمجرد ترف.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية / غزة
 |
| مواد تنظيف عشوائية تباع في أحياء قطاع غزة دون رقابة |
تصطف على مدخل بيت أرملة خمسينية بمخيم الشاطئ غرب مدينة غزة ثلاثة جالونات سعة كل واحدة منهاٍ 20 لترًا، معبأة بمواد تنظيف محلية الصنع من خامات أولية بسيطة يستخدمها ستة ساكنين لأغراض الاستحمام وجلي الأواني وشطف أرضية البيت، المسقوف بألواح الإسبست.
واعتادت السيّدة أم فرج عبد الباري على اقتناء "الكلور" و"سائل غسول اليدين" و"شامبو الجسم" من أحد الباعة المتجولين على عربة يجرها حمار تتردد على منطقة سكناها مرتين في الشهر، وتبتاع تلك السيدة الجالون الواحد لقاء 7 إلى 10 شواكل فقط.
وميزة هذه المنظفات بالنسبة لـ"أم فرج" أنها زهيدة الثمن لكن من دون فعالية أو أداء واضح في التنظيف، مقارنة بتلك التي تباع جاهزة في الأسواق والمحلات التجارية وتكون في معظمها مستوردة من الخارج وذات كفاءة.
ورغم أهمية المنظفات إلا أنها باتت تحتل درجة ثانية وثالثة في حياة الكثير من الأسر الفلسطينية في غزة، بحسب استطلاع رأي أجرته "آفاق البيئة والتنمية" مع مجموعة من المواطنين كان من بينهم ربة المنزل "أم فرج".
وبحسب إحصائيات حديثة نشرها المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان الذي يتخذ من جنيف مقرًا له، فإن نحو 70% من سكان قطاع غزة يعانون من انعدام أو سوء الأمن الغذائي، حيث انخفضت المساعدات بعد العدوان الإسرائيلي صيف 2014م، وأصبح معظم السكان عاجزين عن توفير احتياجاتهم الأساسية من الغذاء.
وأجمع مواطنون على أن توفير المنظفات يتطلب ميزانية مالية من الصعوبة إيجادها في الوقت الراهن، إثر تدهور الأوضاع الاقتصادية وزيادة نسب الفقر بسبب تواصل الحصار الإسرائيلي وتقليص السلطة الفلسطينية رواتب موظفيها بالقطاع.
ويؤكد المواطنون أن توفير لقمة العيش باتت الرقم الأول والأخير في أولوياتهم.

مواد تنظيف كيميائية عشوائية تباع لفقراء غزة
منظفات رخيصة ولكن!
وبينوا أن المنظفات ذات الجودة العالية لم تعد تعرف طريقها إلى منازلهم وباتوا يعتمدون على تلك التي يتم تصنيعها داخل المنازل لأنها تباع بأسعار زهيدة جدا؛ لا يتجاوز سعر اللتر الواحد منها "2" شيكل مقارنة بثلاثة أضعاف للمستوردة.
ولطالما حذّر خبراء بيئيون من خطورة الوضع البيئي في غزة مع تفاقم أزماته، مؤكدين أنه يتجه نحو كارثة بيئية حقيقية.
ويرى الخبراء أن أنظار الأسر الفلسطينية باتت تتجه نحو توفير لقمة العيش والتي بالكاد تلبي احتياجاتهم اليومية.
وتقرُّ "أم محمد عطا الله" بأن بعض المنظفات المحلية التي تضطر ومعظم جيرانها إلى شرائها، لا تتمتع بمواصفات جيدة كما هو حال المستوردة.
وتؤكد أن انقطاع زوجها عن العمل لأسابيع طويلة في قطاع الإنشاءات وندرة وجود المال بين أيديهم، بالكاد يجعلهم يتدبرون توفير الطعام والشراب لأطفالهم الأربعة.
وتضيف أنها تحرم البيت من أية مستلزمات أخرى بحاجة شديدة إليها كأكياس القمامة، مما دفعها إلى إلقاء القمامة في الحاويات بدون إغلاق، وبسبب ذلك انتشر الذباب في بيتها بشكل ملحوظ، فضلًا عن أن باب البيت حيث تضع قربه "دلو القمامة" صار مزارًا لطوارق الليل خصوصًا القطط.

مواد تنظيف كيميائية مجهولة التركيب تباع لفقراء غزة دون رقابة
النظافة العامة على المحكّ
ونتيجة استفحال الفقر وندرة فرص العمل، لجأ الكثير من الأفراد إلى صناعة المنظفات بمواد خام بسيطة داخل بيوتهم ومن ثم يقومون بتسويقها في الوسط المحيط بأسعار زهيدة لقاء عائد مادي بسيط يغنيهم عن سؤال الناس.
وغالبًا لا تخضع هذه المهن الصغيرة لرقابة الجهات الرسمية في قطاع غزة مما قد يجعلها مصدر خطرٍ لمستخدميها.
ويقر الشاب العشريني أحمد أبو زنادة وهو أحد باعة المنظفات التي يجهزها داخل بيته، بقلة الجودة التي يعانيها المنتج المحلي، مشيرًا إلى أن المواد الخام الأولية التي تستخدم في تصنيع المنظفات قد تكون أحيانًا عديمة الفائدة للاستخدامات المنزلية.
ويؤكد أبو زنادة الذي تنقل في أكثر من عمل قبل أن يقلع عنه لضعف مردوده المادي، على أن معظم زبائنه هم من أصحاب الدخل المحدود، أما من يلجأون إلى مواد التنظيف المستوردة فغالبا هم من ميسوري الحال.
بالنسبة لربة المنزل "فدوى عطوة" فحالها لا يبدو بعيدًا عن سابقاتها من حيث واقع النظافة في بيتها، إذ أنها تشتكي من تراكم الملابس المتسخة وعجزها عن تنظيفها بالغسالة، بسبب انقطاع التيارين الكهربائي والمائي لساعات طويلة وأحيانًا لأيام.
ولأجل ذلك تجبر هذه السيدة أولادها على الإبقاء على ملابسهم دون تغيير حتى ساعات طويلة منعًا لتراكم الملابس المتسخة في ظل عدم قدرتها على غسلها يدويًا أو شراء ملابس إضافية جديدة.
وتتوقع أن يكون الحال أسوأ في المستقبل خصوصًا مع بدء العام الدراسي والحاجة للاعتناء بملابس الطلبة بشكل دوري.
رأي مختصين
تقول المختصة في الشأن البيئي م.حنان الصبيحي أن الأوضاع الاقتصادية المتردية التي أدت وبصورة كبيرة إلى زيادة متسارعة في معدلات الفقر داخل المجتمع الغزي، غيرت من أولويات المواطنين لا سيما محدودي الدخل مما انعكس سلباً وبالدرجة الأولى على الواقع البيئي داخل المنازل.
وأضافت أن الأمر انعكس برمته على مدى امكانية توفير المنظفات الأساسية سواء أكانت للاستخدام الشخصي أو المنزلي".
وتبين الصبيحي، أن النّظافة هي جملةٌ من السلوكيات والممارسات التي تتفق مع حفاظ الإنسان على صحته ومعيشته، وهو مفهوم متصل بالطب، حيثُ تستخدم الممارسات الصحيّة في الجانب الطبي لتقليل نسبة الإصابة بالأمراض وانتشارها. بالإضافة لارتباط النظافة بالعناية الشخصيّة والمهنيّة التي تدخل في كل نواحي الحياة.
وتُعرّف النّظافة الشخصية بأنّها مجموعة السلوكيات والعادات التي يقوم بها الإنسان بقصد الحفاظ على صحته ومظهره ورائحته، حيث تعتبر النّظافة الشخصيّة عِماد الصحّة، ومن العوامل المهمّة التي تبعث على احترام النّاس، كما تمنحُ الإنسان الشّعور بالحيوية والنّشاط.
وتشير إلى أن النظافة تلعب دوراً بالغ الأهمية في منع الكثير من الأمراض والالتهابات في المعدة والجلد والعينين والرئتين، وفي عموم الجسم.
وحذّرت الصبيحي من إهمال توفير المنظفات ذات الجودة والمعروفة لدى الموطنين، لافتةً إلى أن المنظفات التي يتم تصنيعها داخل المنازل لا تقي لأنها عبارة عن "رغوة" فقط أي صابون ولا تحتوي على مواد تعقيم.

مواد تنظيف كيميائية مجهولة التركيب تصنع في بعض المنازل وتباع في أحياء غزة
مساعدات طارئة وإجراءات وقائية
ومع تجاوز مستويات الفقر والبطالة حاجز الخمسين في المائة في قطاع غزة، يتحول الحديث إلى الاهتمام بالنظافة لمجرد ترف، كما يقول الخبير الاقتصادي محمد أبو جياب.
ويشير أبو جياب إلى أن الأولويات لدى المواطن لم تعد تقتصر على عدم الاهتمام بالنظافة الشخصية بل طالت إلى التكيف مع مشكلات أكبر كتلوث مياه البحر والخزان الجوفي والتربة، نتيجةً لعوامل عديدة أبرزها سوء الظروف الاقتصادية والحصار الإسرائيلي.
وينبه إلى أن كثيرًا من الأسر التي تحصل على قسائم شرائية من المؤسسات الخيرية والإغاثية؛ تُحرم من شراء مواد التنظيف من المحلات التجارية بحجة أنها غير مشمولة في قائمة المشتريات.
لذلك يقترح بأن تخصص المؤسسات الإغاثية جزءًا من نشاطها الخيري لتوفير أدوات التنظيف للأسر الفقيرة إذ أنها لا تقلُّ أهميةً عن توفير مستلزمات المأكل والمشرب.
بدورها، تشير م.شروق جندية، إلى أن قلة النظافة سبب رئيس لانتشار الأمراض وهي ظاهرة اجتماعية سلبية.
وتضيف أن النظافة عادة مستحبة تساعد الإنسان على الوقاية من الأمراض، مقدمةً جملة من النصائح يمكن من خلالها الوقاية من انتشار الأمراض. وتشدد على وجوب التركيز على نظافة أظافر الأطفال وتقليمها باستمرار.
وتؤكد أن نظافة اليد هي واحدة من أهم الخطوات التي يمكننا اتخاذها للوقاية من حصول المرض ونشر الجراثيم للآخرين، حيث يعتبر غسل اليدين بالماء والصابون العادي أو الصحي عنصراً أساسياً لمنع العدوى في الكثير من الأمراض.
وتنبه إلى أن عدم غسل اليدين يساهم في انتقال ملايين الكائنات الدقيقة المسببة للمرض، وخاصةً قبل وخلال وبعد إعداد الطعام وتناوله.
وأوصت كذلك بغسل اليدين بعد العطس أو السعال وبعد رمي النفايات، وبعد الإمساك بأطعمة نيئة خاصة اللحوم، وبعد ملامسة الحيوانات، أو تغيير الحفاضات للأطفال.
وشددت على ضرورة الاهتمام بنظافة المنزل وذلك للحفاظ عليه من الجراثيم المختلفة، من خلال: خلع الأحذية داخل المنزل، الحرص على تجميع الأحذية في مكان واحد قريب من المدخل، إضافةً إلى الانتباه عند الإمساك بمقابض الأبواب كونها مليئةً بالجراثيم والملوثات.