من أراضي مهملة إلى حاضنة غذائية... مركز للتأهيل النفسي يروّج للعضوي
|
مركز جبل النجمة للتأهيل النفسي الكائن في بلدة أبو قش قرب رام الله لم يكتفِ بالخضرة الشجرية، بل استغل المساحات الفارغة لإنتاج النبات العضوي. يرى الزائر للمركز صفوفاً متوازية من الخضراوات والنباتات الورقية مختلفة الأصناف، والتي تتميز بأنها نظيفة من الكيماويات ما يجعل المحصول يباع بوقت قياسي، حيث ازداد الطلب مؤخراً على المنتج العضوي مع تنامي الوعي بمخاطر الزراعة بالمدخلات الكيماوية. انضمام مركز النجمة لأصحاب الحيازات العضوية، ضمن توجه للعودة للزراعة الأصيلة، برز مؤخراً فلسطينياً مع انتشار ما يزيد عن 250 مزرعة عضوية صغيرة.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| أحراج جبل النجمة |
يلفت مركز جبل النجمة للتأهيل الكائن في بلدة أبو قش، رام الله الأنظار حيث يحاط بغابة كثيفة من أشجار السرو، ما يجعل المكان أقرب للمتنزه الترفيهي وبيئة مشجعة وخاصةً للفئة التي يتعامل معها المركز من ذوي الإعاقة الفكرية، لكنه مؤخراً لم يكتفِ بالخضرة الشجرية بل استغل المساحات الفارغة لإنتاج النبات العضوي الذي يسوق له من خلال شركة عدل للتجارة العادلة.
يرى الزائر للمركز صفوفاً متوازية من الخضراوات والنباتات الورقية مختلفة الأصناف، والتي تتميز بأنها نظيفة من الكيماويات ما يجعل المحصول يباع بوقت قياسي، حيث ازداد الطلب مؤخراً على المنتج العضوي مع تنامي الوعي بمخاطر الزراعة بالمدخلات الكيماوية.
انضمام مركز النجمة لأصحاب الحيازات العضوية، ضمن توجه للعودة للزراعة الأصيلة برز مؤخراً فلسطينياً مع انتشار ما يزيد عن 250 مزرعة عضوية صغيرة (وفق الخبير الزراعي سعد داغر).
يتحدث الخمسيني المتعلق بالأرض صالح حمدان المكنى "أبو أنس" عن تجربة المركز في هذا المجال: "عانى المكان باستثناء أشجار السرو من مساحات جرداء غير مستغلة، كما تُركت مائتي شجرة زيتون عرضةً للأمراض والجفاف بسبب عدم التقليم، ما دفعني لمعالجة الشجر أولاً ومن ثم استصلاح الأرض وزراعتها". يقول حمدان الذي انضم لأسرة المركز منذ سبع سنوات.

الزراعات البيئية المتداخلة والمنوعة التي أشرف المزارع صالح حمدان على زراعتها في مركز جبل النجمة
مزرعة صغيرة لكن منتجة
استصلح حمدان قطعة ارض مساحتها 600 متر مربع، عبر تسويرها ومن ثم وضع تراب مخلوط بالزبل، في البداية زرع فيها ألف شتلة خيار كتجربة، وقد كانت ناجحة فأنتجت ما معدّلهُ 50 كغم يومياً وقد بيع كل المحصول للموظفين، في العام الثاني بدأ حمدان بزراعة عدة أصناف مثل: الفاصولياء، الباذنجان، الملوخية، الكوسا، الجرجير، النعنع، البقدونس، الذرة، الخس، الزهرة، الملفوف والقرنبيط، وقد تم الاتفاق مع شركة عدل للزراعات العضوية لتسويق المنتج.
عدا هذه الأرض؛ يزرع المركز بإشراف حمدان دفيئة بلاستيكية مساحتها 200 م2 بالخس والسبانخ، وعلى قطعة ارض بذات المساحة يزرع الزعتر. يشير حمدان إلى أن ربح مزارع المركز سنوياً من الزراعات العضوية يصل إلى 17 ألف شيقل.
يمدُّ حمدان أنابيب الري بالتنقيط لتوفير 80% من احتياج النباتات، وتؤمّن ثلاثة آبار لتجميع مياه الأمطار جزءا من حاجة المزروعات فيما تتكلف المزرعة باحتياجها المتبقي من البلدية. وللتسميد العضوي فيوفر قنُّ الدجاج وبيت الأرانب بعض الزبل البلدي، لكن الكمية الأكبر تُشترى من مزارع الدجاج. ولمكافحة الآفات فلا يستخدم حمدان نهائياً الكيماوي، ويلجأ لزراعة نبتة "الشيبة" التي تجذب الحشرات فتبعدها عن المحصول، مؤكداً أن الزراعة المتنوعة كما يعتمد، تمنع انتشار الآفات.
يشير حمدان إلى وجود وحدة معالجة بدائية للمياه العادمة أنشئت قبل 12 عاماً، تعمل وفق نظام الفلترة بالحصى والرمل من خلال تمرير المياه بعدة مراحل عبر قواطع (مناخل) لتصبح نقية بلا شوائب. تستخدم هذه المياه لري شجرات الجوز ونباتات الزينة.
الجميل في مركز النجمة وفق حمدان هو مشاركة ذوي الاحتياجات الخاصة في عملية الزراعة، فمنهم من يقطف الثمر، ومنهم من ينظف الأرض من الحجارة، كما أن بعضهم أحب هذا العمل فبات يزرعه في قريته.
يركز جبل النجمة الذي يعد أحد مؤسسات الكنيسة المورافية العالمية، في عمله على الأشخاص ذوي الإعاقة الفكرية ويوفر خدمات تهدف لدمجهم مع أقرانهم في المجتمع بالإضافة إلى تأهيلهم وتدريبهم. يعمل المركز على نشر الوعي العام عن احتياجات وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة ويتعاون مع الأهالي لتحقيق ذلك.

المزارع صالح حمدان يتحدث مع المدونين البيئيين أثناء جولتهم في مركز جبل النجمة من خلال الشبكة الشبابية الفلسطينية للتغيير البيئي
حمدان ينشر ثقافة العضوي في قريته
حمدان إبن الريف لا يطبق العضوي لأنه ينفذ أوامر المركز فقط، بل لأنه مؤمن بالزراعة العضوية وهذا ما يمارسه في قريته "دورا القرع" شمال رام الله حيث يزرع أرضه ويسمدها بالزبل، ويقول: "كرهت الكيماوي حين احضر جدي مرة "سماد الأمونياك" الذي حرق لنا محصول السبانخ ودمر التربة وقتل الدود المفيد للأرض... أنا استخدم الزبل البلدي وأحاول نشر ثقافة العودة للزراعة الأصيلة بلا كيماويات في قريتي، وأول من تأثر بتجربتي شقيقي".
يقرُّ حمدان بأن كثيراً من المزارعين للأسف يستخدمون الكيماوي ويبيعونه للناس، وبعضهم ولاستهلاك أسرهم يزرعون ذات المحصول بالزبل البلدي، إقرارا منهم بأضرار الأول، ولكن بذات الوقت استهتاراً بغيرهم، مضيفاً: "الكيماوي هو شرٌ يجب الابتعاد عنه".
"العضوي له مذاق مميز وينمو بموسمه وليس كما نرى اليوم خضاراً بلا طعم أو رائحة وبشكل مختلف، فالبندورة مثلاً لم تتوفر طوال العام في الماضي، وكانت الناس راضية وغير متذمرة، بل تواظب على تجفيفها لتناولها شتاءً بعد تحميصها". يقول حمدان.
عمل حمدان بالتجارة لكن حب الأرض كان يسري في دمه على حد وصفه، فبقي مخلصاً لمهنة أبيه وجده، فزرع في الماضي العديد من المحاصيل كالكوسا والباذنجان واليقطين والسبانخ، عدا العنب والتين والزيتون.

المزارع صالح حمدان يستمتع بمحصوله البيئي النظيف والمثير للشهية
يستصلح اليوم حمدان في قريته أرض عمته المرحومة، حيث كانت رقعة مهملة ومليئة بالنفايات، فقام بتنظيفها من الحجارة، وخصّب الأرض بالزبل البلدي عبر حفر أنفاقٍ وملئها بالنجارة والقش، ومن فوق وضع طبقة زبل وطمرها بالتراب، بعرض 60 سم، وعمق 30 سم، حيث يتغذى عليها النبات. كما قام بتسوير الحديقة، وينوي في هذا الموسم، أن يزرع فيها الفاصولياء وورق اللسان والزعتر وعلى الجدران العنب، كما يربي حمدان الدجاج ويستفيد من زبله لتسميد الأرض، ويبيع بيضه لأهالي القرية.
 |
 |
| محطة معالجة المياه العادمة في مركز جبل النجمة |
هكذا يجهز صالح حمدان أرض عمته للزراعة العضوية عبر حفر أنفاق وملئها بالتبن والنجارة وطبقة الزبل الطبيعي وأخيرا طمرها بالتربة |
من أحب الأرض أحبته
حب حمدان للزراعة وتفانيه في عمله، جعل مسؤولاً في إحدى الشركات التجارية المصرفية، يعيره أرضه البالغة مساحتها خمسة دونمات لمدة خمس سنوات، حيث ينوي استصلاح الأرض الكائنة في ذات القرية التي يقطنها، وتسويرها وزراعة التين والزيتون والتفاح والخضروات كالخيار والفقوس. كما ينوي إنشاء قن للدجاج وحظيرة للغنم للاستفادة من زبلهما.
"عندي أفكار لعمل مزرعة نموذجية على طريقة البيرماكلتشر، تضم النبات والحيوان ودفيئة زراعية، وبركة ماء لتربية الأسماك للزراعة وفق طريقة الهيدروبونيك، كما أسعى لتوليد الكهرباء وفق نظام الطاقة الشمسية". يخطط حمدان للمستقبل.
يعتبر حمدان الذي يعمل حسب الطلب في تصميم الحدائق والمزارع العضوية، المهندس "سعد داغر" الذي يلقب بالأب الروحي للزراعة البيئية أحد أهم المؤثرين في توجهه الزراعي، فهو يقدم المساعدة دائماً للمزارعين، ويقترح عليهم الأفكار الزراعية البيئية.
قمة سعادة حمدان حين يشتري الناس خضارَ المركز ويشكرونه لأن الخضار العضوي عدا الطعام المميز فمدة صلاحيته طويلة ويستمر بالثلاجة حتى شهر، فيما تعطب الخضار الكيماوية بعد خمسة أيام.