|
كان بروز حزب الخضر الألماني في منتصف التسعينيات، وتمكنه من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية في ألمانيا بمثابة الشرارة لانطلاق ظاهرة تأسيس الأحزاب البيئية الخضراء كأداة لإعلاء صوت البيئة في عملية صنع القرار السياسي في العالم، وأمتد الأمر ليصل بعض الدول العربية مثل لبنان وتونس ومصر والسودان، ومؤخراً وتحديداً في عام 2015، بدأ يأتي بالإعلام المحلي ذكر حزب خضرٍ فلسطيني بشكلٍ مقتضب وعام، فمن أسسهُ؟ وهل هو مؤثرٌ وفاعل؟ ولماذا لا يسمع به الفلسطينيون وتحديداً نشطاء البيئة؟ هذا ما يعالجه التقرير التالي...
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| د. عبد الرحمن التميمي الخبير الهيدرولوجي والأمين العام لحزب الخضر الفلسطيني |
قطعت أحزاب الخضر في العالم شوطاً كبيراً لترسيخ قيم الحفاظ على البيئة وتحقيق العدالة الاجتماعية واحترام التعددية الثقافية والديمقراطية، وكان بروز حزب الخضر الألماني في منتصف التسعينيات، وتمكنه من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية في ألمانيا بمثابة الشرارة لانطلاق ظاهرة تأسيس الأحزاب البيئية الخضراء كأداة لإعلاء صوت البيئة في عملية صنع القرار السياسي في العالم، وأمتد الأمر ليصل بعض الدول العربية مثل لبنان وتونس ومصر والسودان، ومؤخراً وتحديداً في عام 2015، بدأ يأتي بالإعلام المحلي ذكر حزب خضرٍ فلسطيني بشكلٍ مقتضب وعام، فمن أسسهُ؟ وهل هو مؤثرٌ وفاعل؟ ولماذا لا يسمع به الفلسطينيون وتحديداً نشطاء البيئة؟
للاستفسار حول مدى علم نشطاء البيئة بالحزب وتفاعلهم معه، التقت المجلة بالمهندس الزراعي "سعد داغر" أحد أبرز أنصار الزراعة البيئية ومؤسس المزرعة الإنسانية في قريته شمال غرب رام الله، والذي أشار إلى أنه علِمَ بالصدفة من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بالحزب، ولا يعلم سبب عدم توجيه دعوة له بالانضمام، قائلاً: "يمكن التوجه بالسؤال حول ذلك لقيادة الحزب".
ويعتقد سعد، بعدم وجود حزب من هذا النوع كحقيقة على الأرض: "ربما هناك حزب مسجّل فلسطينياً بهذا الاسم، لكني أجهل أي معلومات تتعلق بوجوده أو نشاطه".

الناشط البيئي والخبير الزراعي سعد داغر في حديقة بيئية
تغيير المشهد البيئي
وفي حال أنضم داغر يوما ما لحزب خُضر فاعل وحقيقي، فإن العديد من السياسات سيتبناها لتغيير المشهد البيئي، ومن أهمها:
أولاً: المياه، عبر تبني سياسة خاصة تتعلق بإدارة مياه الأمطار في الطبيعة، لخلق وفرة في المياه المتاحة للزراعة والشرب، وسيتم حمايةُ مناطق الينابيع وما يحيطها بوضع أطر قانونية تصنفها مناطق طبيعية يُمنع البناء عليها أو تغيير معالمها الطبيعية أو حتى إقامة الحفر الامتصاصية بقربها ما سيعرّضها للتلوث، كما سيتبنى سياسة تمنع المساس بالأراضي الزراعية والبناء عليها، وإزالة التعديات عليها.
ثانياً: العمل على الوقف التدريجي ولكن بخطوات متسارعة لاستخدام السموم الكيماوية في الزراعة، مع منع دخول واستخدام البذور المعدلة وراثياً، وفي المقابل تبني سياسة لاستعادة البذور البلدية والحفاظ عليها وتحسينها. وإعطاء أهمية كبيرة لاتخاذ إجراءات منع انجراف التربة، مع التشديد على إعادة الحياة للموروث الزراعي بحلّة علمية تنهض بكل قطاعات الزراعة بالاعتماد على الموارد ومدخلات الإنتاج المحلية.
وأضاف داغر أنه سيعمل أيضاً على تسريع نشر الزراعة البيئية في إنتاج الخضار والمحاصيل الحقلية وأشجار الفاكهة كحلٍّ لكل المشاكل الزراعية. وسيعمل على حماية النحل وقطاع النحالين، وإعادة البريق للزراعة البعلية، وتنظيم حملات توعية وقوانين تمنع الزراعة الأحادية، واستبدالها بالزراعة المتنوعة مع التركيز على إنتاج الغذاء الحقيقي للشعب الفلسطيني.
ثالثاً: إيجاد حل سريع لمشاكل تخريب الطبيعة "الكسارات ومقالع الحجر" لإنتاج الحجارة وبيعها وتصديرها، وإعطاء الأولوية الأولى للمزارعين ذوي الحيازات الصغيرة مع تشجيع العلاقة المباشرة بين المزارع والمستهلك.
رابعاً: النفايات؛ العمل على وضع سياسات للاستفادة القصوى من النفايات التي تصل العضوية منها إلى نحو 70%، عبر تحويلها إلى مخصبات تربة، بدل أن تذهب هدراً كما يحدث اليوم.
وأكد داغر بأن وجود حزب خضر فاعل يضم كل المهتمين بالبيئة، سيؤثر حتماً في السياسات العامة عبر تقديم بدائل للوضع القائم المدمر للبيئة والحياة الفلسطينية، عبر القيام بالدراسات التي تفضح الآثار البيئية المدمرة للطبيعة، وتنظيم الاحتجاجات الشعبية والتنسيق مع أحزاب عالمية لتبني سياسات تحمي البيئة الفلسطينية، ومراجعة القرارات الدولية المتعلقة بحماية البيئة وإجبار الحكومة على تبنيها.

الناشطة المجتمعية والبيئية لينا اسماعيل
العمل الشعبي سر النجاح
الناشطة البيئية "لينا إسماعيل" والتي تعمل حالياً في مؤسسة دالية المجتمعية فتؤكد أنها تفاجأت بوجود حزب خضر فلسطيني، حيث لم تسمع عنه إلا بالصدفة البحتة، ولم يتم دعوتها للانضمام إليه، مؤكدة أنها سترحب بأي دعوة إن كان الحزب مستقلاً وليس مؤطراً سياسياً.
وترى إسماعيل أن إنشاء حزب خضر في فلسطين هام للغاية، لأن أي برنامج سياسي -وبعد قراءتها لبرامج حزب الخضر في العالم- يتمحور حول النضال من أجل إعادة بناء مجتمع إيكولوجي يحترم البيئة وينادي بقيم التضامن الإنساني والعدالة البيئية والاجتماعية، والتي في سياقنا الخاص، يتم انتهاكها من قبل المحتل، وتجاهلها محليا عبر فئات تسعى لتحقيق مصالح خاصة.
ولفتت إلى أن وجود هكذا حزب على المستوى السياسي يشكل قوة ضاغطة باتجاه اعتبار البيئة والإنسان هما الأساس في عملية اتخاذ القرارات، ووضع السياسات الهادفة للنهوض بالمجتمع الفلسطيني وتعزيز صموده.
ولينجح الحزب، وفق إسماعيل، ويشكّل قاعدة جماهيرية تعمل على المستوى الشعبي ومن ثم التمثيل المناطقي والوطني؛ فعليه أن ينظم نشاطات شعبية تهتم بتفعيل دور الأفراد والأهالي، عن طريق رفع الوعي في قضايا بيئية وأخلاقية هامة، مثل أخلاقيات الاستهلاك، البصمة البيئية والمائية للمنتجات، أهمية الزراعة التقليدية البلدية في الحفاظ على البيئة وكرامة الإنسان وصحته، وصموده على أرضه، وتقوية الاقتصاد المحلي المبني على أساس الاعتماد والمحافظة على الموارد المحلية، وعلى الكائنات الحية.
"يجب أن يكون لهم صدىً على الأرض، بحيث يؤسس الحزب لوجوده بناءً على الاحتياجات والتحديات البيئية والاجتماعية، وليس وفق شروط أو متطلبات عالمية لا تحقق أهدافاً بعيدة المدى أو مستدامة". ختمت إسماعيل

الناشطة المجتمعية والبيئية عايشة منصور
حزمة من الرؤى الخضراء
"عايشة منصور" من مؤسسي مجموعة شراكة التطوعية وناشطة علا صوتها البيئي حين ترشحت لانتخابات بلدية البيرة بهدف التأثير باتجاه ترسيخ القيم البيئية والنهوض بمجتمع محلي باقتصاد مستدام.
وكما سُئل زملاءها، تتطلع منصور في حال تسنى لها الانضمام لحزب الخضر إلى تبني سياسات تتعلق بمشاريع ذات صلة بالطاقة المتجددة، تدوير النفايات البلاستيكية والعضوية، إعادة تخطيط المدن عبر التقليل من الاستثمار في الاسمنت، وتكثيف المساحات الخضراء، وتقليل التلوث بتشجيع الاعتماد على المواصلات العامة.
تعد منصور ريادية في الحفاظ على الموروث الزراعي والبيئي الفلسطيني، من خلال مبادرة "شراكة التطوعية" التي هدفت من تأسيسها إلى إعادة بناء العلاقة المباشرة بين المزارع والمستهلك، وتشجيع الأنماط الأخلاقية سواء في الإنتاج أو في الاستهلاك.
منصور كنظرائها من نشطاء البيئة لم تسمع بحزب الخضر الفلسطيني نهائياً وبالتالي لم تُدعَ للانضمام إليه، لكنها ترحب في حال تم دعوتها. والسؤال الذي تبحث "مجلة آفاق البيئة والتنمية" عن إجابة عنه، إذا كان نشطاء البيئة وهم أكثر الفئات المفترض ضلوعهم بحزب الخضر، لم يسمعوا عنه! وتباعاً عموم الشعب، إذن؛ ما هو وضع هذا الحزب المجهول للكثيرين؟

حزب الخضر الألماني
حزب قديم جديد
الشخص المخول للإجابة عن هذه الاستفسارات هو الخبير الهيدرولوجي والأمين العام لحزب الخضر الفلسطيني "د.عبد الرحمن التميمي" الذي يؤكد أن الحزب ليس حديثاً بل تأسس عام 1995 من قبل "جرير القدوة" و"سليمان أبو حسان" وآخرين، لكنه لم يفعّل لغياب أي أطر قانونية تحتويه، وبقي وثيقة على الرف، لحين قام التميمي يشاركه 11 عضواً بخلفيات سياسية وبيئية مختلفة بتفعيله سنة 2015، بهدف الحفاظ على البيئة الفلسطينية وجعلها ثقافة وطنية، مشيراً إلى أن البيئة تتعرض لانتهاكات من الإسرائيليين أولا، وثانياً من قبل السلطة لعدم قدرتها الحفاظ على البيئة في المناطق التي تخضع لإدارتها.
الخط السياسي للحزب، كما جاء في نبذة عنه: حزب وطني، غير مسيس، بيئي، اجتماعي، ديمقراطي، تنموي، يهتم بالمحافظة على البيئة والطبيعة والإنسان.
وحول أنشطة الحزب، قال د. التميمي أنهم ينفذون فعاليات بيئية وتوعوية بالتعاون مع مؤسسات أخرى تتركز بنسبة كبيرة في قطاع غزة، مؤكداً أن الحزب لا يتلقى أي تمويل خارجي بل يعتمد على المشاريع المشتركة مع مؤسسات مجتمع مدني.
وحول سر عدم إثبات وجودهم في انتخابات المجالس المحلية العام الماضي، على الرغم من كونهم حزباً معترفاً به من قبل وزارة الداخلية ولجنة الانتخابات المركزية، أشار التميمي إلى أن السبب كان متعلقاً باعتراضهم على عدم تكافؤ الفرص في تمويل الأحزاب. "لم يقدم لنا أي دعم مالي في حين قُدّم لغيرنا لذلك أعلنا مقاطعة الانتخابات".
ولفت د. التميمي إلى أن الحزب في فلسطين هو الثاني بعد لبنان عربياً من حيث الاعتراف الدولي والانضمام لرابطة أحزاب الخضر في العالم "لجنة غرب آسيا".

من أبرز شعارات أحزاب الخضر الأوروبية مساكن للجميع، هواء نظيف، عدالة في الرواتب ومساواة وعدالة اجتماعية
أجندة الحزب، وانفتاحه على أعضاء جدد
سيعمل الحزب في المدى القريب، وفق د. التميمي، على تشريع قانون ملزم عبر فرض ميزانية بسيطة (1%) على القطاع الخاص ممن تتجاوز أرباحه المليون دولار سنوياً، لخدمة مشاريع بيئية ضمن ما يعرف بالمسؤولية الاجتماعية.
كما سيعمل الحزب على تطوير نظام عقوبات لمنتهكي البيئة بمختلف عناصرها للتقليل من هذه التجاوزات المضرة بالطبيعة، والمتابعة مع سلطة جودة البيئة لإنشاء شرطة بيئية متخصصة.
وعند سؤال د.التميمي عن سبب عدم دعوة نشطاء البيئة للانضمام للحزب حين تم تفعيله قبل ثلاثة أعوام، لم يجب على هذه الجزئية، لكنه أشار إلى أن الحزب يرحب بالجميع بغض النظر عن انتمائهم السياسي بشرط أن يكون العضو مؤمناً بأفكار الحزب الخاصة بالتنمية المستدامة والقيم البيئية، معلناً عن نيته تنظيم مؤتمر عام أواخر حزيران القادم سيطرح من خلاله رؤية الحزب وتطلعاته وانتخاب لجنة قيادية له، وسيكون المؤتمر بمثابة دعوة للجميع بالانضمام، وسيشارك فيه أحزاب خضر من مختلف العالم.
يُذكر أنه في الوطن العربي، ظهرَ تباينٌ في نجاح الأحزاب الخضراء، ففي تونس تمكن حزب الخضر من الحصول على نسبة 1.7 % في الانتخابات التشريعية في العام 2009 وبالتالي دخول البرلمان. وأيضاً يعدّ حزب الخضر نشيطاً إعلامياً في لبنان وإن ما زال بلا ممثلين في البرلمان، فيما تجاهد أحزاب الخضر في اليمن والسودان ومصر والأردن للمساهمة في الحياة السياسية، وبالنسبة لفلسطين فنجاح الحزب يعتمد على مدى انفتاحه على الشعب وتمثيله لقضاياهم وقبوله لمبدأ التعددية في الأعضاء والتشاركية في الآراء، بحيث لا يبقى مقتصراً على فئة نخبوية قليلة.