|
الزراعات البلدية والبيئية تعزز عملية إعادة تدوير الثروة ورأس المال في داخل بلدنا، وبالتالي تقلل من تبعيتنا الغذائية للاحتلال الإسرائيلي وشركاته. كما أن هذه الزراعات لا تستخدم الأسمدة الكيميائية النيتروجينية التي تعمل على زيادة نسبة الأكاسيد النيتروجينية في الجو، والتي تعتبر من أخطر غازات الدفيئة.
لو تناولنا التآكل الحاصل في التربة الزراعية بالضفة الغربية وقطاع غزة، والناجم عن عوامل التغير المناخي والاستخدام المكثف للكيماويات الزراعية وتراجع الغطاء الأخضر، نجد بأن قدرة الأسر الفلاحية والمجتمعات المحلية على مواجهة هذه "النكبة" البيئية المتعاظمة تزداد، على المدى البعيد، من خلال التنويع في زراعة المحاصيل والذي يعتبر أحد أهم أعمدة الأنماط الزراعية الطبيعية والعضوية.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
 |
| الأغنام في الأغوار الفلسطينية ترعى في أراض جافة |
لا يختلف اثنان على أن الاقتصاد الزراعي الفلسطيني يواجه منذ عقود طويلة عملية إسرائيلية منهجية لتحطيم مقوماته. وإلى جانب ذلك، تعاني الزراعة الفلسطينية أيضا من التغير المناخي المتمثل بشكل أساسي في شح الأمطار والجفاف. طرحنا في سياقات سابقة في مجلة آفاق البيئة والتنمية، على أن نقطة الانطلاق لمواجهة هذه التحديات لا بد أن تنطلق من بلورة ممارسات وسياسات وطنية جذرية أصيلة تهدف إلى تعزيز زراعة وشراء واستهلاك الأطعمة المحلية-البلدية والعضوية أو البيئية، إذ أن الزراعات البلدية والبيئية تعزز عملية إعادة تدوير الثروة ورأس المال في داخل بلدنا، وبالتالي تقلل من تبعيتنا الغذائية للاحتلال وشركاته.
كما أن هذه الزراعات لا تستخدم الأسمدة الكيميائية النيتروجينية التي تعمل على زيادة نسبة غاز الميثان في الجو، والذي يعتبر من أخطر غازات الدفيئة، كما لا تستخدم المبيدات الكيميائية الملوثة للتربة وللمياه الجوفية وللهواء، والمؤذية جدا للصحة العامة.
القدرة الحقيقية على مواجهة التحديات المناخية تحديدا، تتطلب تغييرات جوهرية في أنماط حياتنا وسلوكنا. وهنا قد نجادل بأن مدى الاستعداد لإجراء التعديلات الحياتية الضرورية ولإحداث التغيير الأساسي في أنماط حياتنا السائدة، يمكن أن يفهم بعمق أكبر حين ربطه بالتركيبة المعقدة لثقافتنا.
إن قدرة أهل الأرياف والمزارعين على التنظيم الذاتي استنادا إلى معارفهم وخبراتهم التقليدية، يعد عاملاً هاما في تعزيز قدرتهم على مقاومة التغيرات. وبغياب التنظيم السلس والمرن سوف يفقدون أعظم مصادر قدرتهم على التكيف. الأوساط المؤسسية المقيدة لعملية التنظيم الريفي-الفلاحي تشكل معيقا مؤسسيا جديا أمام القدرة على التكيف ومواجهة الضغوط.
التجارب البشرية أثبتت بأن لتنوع سبل العيش، والمعرفة المحلية والروابط الاجتماعية، قدرة على تعزيز التكيف مع آثار التغير المناخي. ومع ذلك، توجد بعض الحالات التي تكون فيها مثل هذه الاستراتيجيات أقل فعالية في تعزيز التكيف أو قد تعيق التكيف. فعلى سبيل المثال، التنوع الحياتي قد لا يقلص مدى قابلية التأثر (الانكشاف)، وبخاصة حينما تتأثر جميع النشاطات بحادث مناخي متطرف؛ كاعتماد جميع النشاطات على موارد طبيعية متغيرة؛ ما قد يقلل كثيرا القدرة على مواجهة الآثار المناخية العاصفة.
وفي كل الأحوال، إمكانية الوصول إلى أشكال متعددة من المواجهة محكومة ببعض السمات الأسرية والفردية، بما في ذلك الثروة، النوع الاجتماعي، السن، الصحة، العمل المتاح، المهارات والروابط الاجتماعية (أو رأس المال الطبيعي، الفيزيائي، المالي، البشري والاجتماعي). وقد يصعب على الفئات الأكثر انكشافا (مثل النساء، المسنين والأسر الأشد فقرا) الوصول إلى الأنماط المتعددة من مواجهة الضغوط المرتكزة على تنوع سبل العيش.
ومع ذلك، فحتى التنوع المحدود في سبل العيش، كالتنوع المؤقت، يمكنه أن يوفر للأسر الأكثر انكشافا، قدرة ما على المقاومة أو المواجهة. وبما أن لدى النساء، المسنين، والأسر الأشد فقرا خيارات شحيحة، فإن طرق التكيف المستندة إلى المعرفة أو التقاليد المحلية قد تكون هامة لهم؛ لكن الوصول إليها قد يكون محدودا، إما بسبب القيود المفروضة بين الجنسين، أو بسبب أن نشاطات الأسر الغنية والتغيرات الاجتماعية والبيئية قلصت مدى توافر الموارد الضرورية.

التدمير الإسرائيلي المنهجي للأراضي الزراعية الفلسطينية من خلال الجدران الاستعمارية والمستوطنات ومصادرات الأراضي ونهب المياه
التعامل مع التغير المناخي
في سياق الحديث عن قدرة النظام الزراعي على التعامل مع التغير المناخي من خلال الحفاظ على المرونة، نشير هنا إلى أن المحافظة على التربة الصحية المتوازنة والخصبة وذات البنية الجيدة للنباتات يشكل خط الدفاع الأول ضد آفات وأمراض التربة، ما يضمن إنتاجا نباتيا قويا وسليما. استخدام المخصبات والأسمدة الطبيعية والعضوية والكُمْبوست يعتبر أمرا ضروريا وحاسما، لأن تلك المخصبات تعمل على إغناء التربة بالعناصر الغذائية الحيوية لنمو النباتات، وتقلل إلى حد كبير من استعمال المياه، وتحسن قوام التربة وخواصها وبنيتها وتركيبها وجودتها، كما تحسن النظام الهوائي والمائي بداخلها؛ فضلا عن أن مساهمتها في الاحتباس الحراري هامشية.
الأعشاب الجافة وبقايا المحاصيل التي يتم جمعها يجب ألا تحرق، بل يعاد استعمالها من خلال إضافتها لكومة السماد العضوي (الكمبوست)، أو استخدامها في عملية تخمير الزبل البلدي، كما يمكن استعمالها كغطاء حيوي (المَلْش) حول المزروعات.
ومن بين الأساليب التي تعزز خصوبة التربة وتماسكها، عدم ترك مساحات أرضية عارية بين الصفوف المزروعة، بل الاستفادة المكثفة من هذه المساحات؛ من خلال تغطيتها بنباتات إضافية وتنويع الأنماط المحصولية التي تدمج أنواعا نباتية تكمل بعضها بعضا؛ علما أن هذا النمط الزراعي يقلل الاحتكاك بين قطرات المطر والتربة، كما أن الغطاء النباتي الإضافي يجذب الحشرات التي تعتبر عدوا طبيعيا لآفات ضارة وبالتالي تُنَفِّر تلك الآفات أو تفترسها؛ ما يعني بأن لا حاجة لاستعمال المبيدات الكيميائية.
يمكننا أيضا "ترييح" قطعة الأرض، وبخاصة الأراضي البعلية، بمعنى تركها دون زراعة لفترة معينة من السنة، بهدف الحفاظ على استقرارها وتماسكها؛ وهذا ينطبق على الأراضي التي سمك تربتها الأكثر خصوبة قليل، أي لا يتجاوز 30 سنتيمترا.
ثم، لو تناولنا التآكل الحاصل في التربة الزراعية بالضفة الغربية وقطاع غزة، والناجم عن عوامل التغير المناخي (تراجع كمية الأمطار وتوزيعها الزمني، ارتفاع كبير في معدلات درجات الحرارة والجفاف) والاستخدام المكثف للكيماويات الزراعية وتراجع الغطاء الأخضر، نجد بأن قدرة الأسر الفلاحية والمجتمعات المحلية على مواجهة هذه "النكبة" البيئية المتعاظمة تزداد، على المدى البعيد، من خلال التنويع في زراعة المحاصيل والذي يعتبر أحد أهم أعمدة الأنماط الزراعية الطبيعية والعضوية؛ إذ أنه يلعب دورا حاسما في التحكم بالآفات وضبط انتشارها، كما انه يهدف إلى توزيع الإنتاج على أطول فترة ممكنة؛ بمعنى أنه يوفر الإنتاج خلال كل مواسم السنة، ويقلل بالتالي من المخاطرة الاقتصادية الكامنة في الاعتماد على نوع واحد من المحاصيل، علما أن الزراعة الأحادية المكثفة تتسبب في تكاثر وانتشار الآفات التي يصعب غالبا مكافحتها.
وفي ذات الاتجاه، فإن الزراعة المختلطة أو المترافقة تعد جزءا أساسيا من الزراعة المتنوعة والمتداخلة؛ وتكمن أهمية هذه التقنية في إعاقتها وردعها للآفات وضبط انتشارها، وذلك من خلال زراعة نباتات وخضار وأشجار مختلفة ومتنوعة بعضها مع بعض بشكل متداخل، بحيث تخدم وتعزز بعضها بعضا في عدة اتجاهات بشكل تكافلي، ودون أية منافسة فيما بينها؛ فالمنفعة هنا قد تكون متبادلة بين النباتات المترافقة أو من طرف واحد.
ومن الأهمية بمكان تقليل الحراثة إلى الحد الأدنى، لأنها تحطم بعض المكونات البيولوجية والأحياء الدقيقة النافعة والمخصبة للتربة، وبالتالي تضعف النشاط البيولوجي داخل التربة؛ كما أن الحراثة المفرطة تسيء للتربة، من حيث أنها تدفع الطبقة الفقيرة بالمغذيات إلى الأعلى، في حين تضغط إلى الأسفل التربة الغنية.
حاليا، توجد في الأسواق آلات تحرث بطريقة تقلل من تفكك جسيمات التربة. أما الزراعة دون حراثة فلا بد أن تترافق مع تشجيع نمو النباتات الأخرى التي تعمل جذورها على تقوية التربة.
وبخصوص المياه الطبيعية المتدفقة التي تضيع سدى، لا بد من الاستفادة الناجعة القصوى منها، كإقامة أكبر عدد ممكن من آبار الجمع والسدود الترابية، بهدف الانتفاع المباشر من مياه الأمطار للاستخدامات الزراعية والمنزلية؛ فضلا عن الاستفادة من مياه بعض الينابيع المنتشرة في الضفة الغربية، وتشجيع الزراعات البعلية وزراعة المحاصيل التي لا تحتاج لكميات كبيرة من مياه الري. كما لا بد من إعادة تدوير المياه العادمة في الزراعة، وبالتالي زيادة كمية مياه الري والتقليل من تلوث البيئة والمياه الجوفية.