|
تزامن محصول الخيار هذا الموسم وفي العامين القادمين مع شهر رمضان، يقلل من الإقبال على الخيار، ويصبح القطاف أصعب، وليس من السهل العمل الليلي فيه. وزارة الزراعة الفلسطينية ونقابة المهندسين الزراعيين تتبنيان في سياستهما دمج الشباب والخريجين في سوق العمل، وتقوية تمسكهم بالأرض، وتأسيس مشاريع زراعية.
المطلوب ربما من نقابة العمال الزراعيين ووزارة العمل المساهمة في تنظيم العمل الزراعي والتأثير، بحكم اختصاصهما، إذ لا تستطيع وزارة الزراعة التدخل في تنظيم العلاقة بين المزارعين والعمال.
الحل لعمالة الخيار، زيادة الأجور، وتوفير مستلزمات الصحة والسلامة للمشتغلين، وتقديم إغراءات للعاملين في هذا القطاع. المزارعون أنفسهم يتعرضون لعمليات استغلال من المقاولين الذين يتراجعون عن التسعيرة المتفق عليها في بداية الموسم.
|
خاص بآفاق البيئة والتنمية
يتفقد المزارع مصلح شهاب آثار نزوح عماله، فيجد على حافة الطريق كميات كبيرة من المحصول الذي فات موعد قطافه عدة أيام.
وقال، وهو يحصي خسائر الأسبوع الثاني: "تركنا عشرات العمال، وتوجهوا لأعمال بديلة، ولمزارع أخرى، بحثًا عن أجور أعلى، ولا نعلم كيف سينتهي الموسم الحالي".
ووفق شهاب، فإن الأيدي العاملة تحصل على ثُلث العائد، لكن جزءا منها لم تعد تقبل بهذه النسبة، واستغلت أصحاب المزارع، فيما أُجبر آخرون على رفع الأسعار ومنح العمال 13 شيقلاً بدلَ قطف كل صندوق خيار (ما يعادل 40% من ثمن الصندوق)، ما يعني أن الصندوق سيباع بـ 39 شيقل، وهذا ليس دقيقًا؛ لأنه مرتبط بالتسعيرة التي تضعها المصانع الإسرائيلية، والتي قد تنخفض هذا العام إلى 30 شيقل.

المزارع محمد تركمان وحيدا في حقله بمرج ابن عامر
خسائر
وأضاف: "عانينا في توفير العمال لثلاثين دونماً، وخسرنا قطاف قرابة الأسبوع، حتى وصلنا إلى عمالٍ جدد، وأُجبرنا على إتلاف كميات كبيرة من المحصول بعد فوات موعد قطف. فيما يدّعي بعض العمال الحصول من مزارعين على 37% بدل قطف الخيار، وهذا أمر مبالغ به كثيرًا، ويعجز المزارع عن توفيرها لنفسه".
وبحسب المزارع الخمسيني، فإن مشكلة الأيدي العاملة "عويصة"، وهي تنذر باندثار زراعة الخيار، التي لم ترتفع أسعاره منذ عشرين سنة إلا بنسبة ضئيلة، فقد كان يباع الصندوق بـ 27 شيقل، أما اليوم فيصل بين 33- و35 شيقل. في المقابل تضاعفت أثمان مدخلات الإنتاج بنسب كبيرة، فقد كان كيس السماد بعشرين شيقلا، والمبيدات الكيماوية بـ 70 شيقل للتر، أما اليوم فارتفعت بين 400-600شيقل، وكان لتر السولار بتسع أغورات، أما اليوم فارتفع إلى 5,5 شيقل.
وتابع: "لا نعرف سبب عزوف العمال بالمجمل عن الزراعة، فنعاني كثيرًا في مسألة توفير العمال، كما أن المياه مشكلة كبيرة، فقد تراجعت، ونخشى جفافها؛ بسبب قلة الأمطار هذا العام، وبسبب الأجواء الحارة والمتقلبة، فقد بدأنا قطف الخيار في الأول من أيار، أما العام الماضي فبدأ الموسم في 18 نيسان".
واستنادًا إلى شهاب، فإن أزمة العمال تطال معظم المزارعين، ولا يُراهنُ على استمرارهم في القطاف، فقد يتركون العمل في أي لحظة، ويتركون الخيار على حاله.
وقال إن عائلة نشيطة من 5 أفراد بوسعها أن تقطف يوميًا بين 2-2,5 طن، ما يعني أن كل فرد يحصل يومًا على 260-280 شيقل، مقابل أقل من 8 ساعات عمل. وتمنى أن يتمكن المزارع من استعادة خسائره قبل حلول شهر رمضان، خشية أن يرحل العاملون من غير رجعة.

حقول الخيار في جنين بلا عمال
تعب
وأكد نائب مدير الزراعة في جنين م. رائد بشارات، بأن طبيعة عروض العمل في الخيار تكون بموجب حصة من الإنتاج بين المزارعين والعمال، ويتوقف الأمر على الإنتاج.
وأشار إلى أن طبيعة العمل في قطف الخيار مضنية ومنهكة للجسد. ويتشجع العمال عادةً وقت الإنتاج الغزير، لكنهم يتركون العمل في حال قلَّ الإنتاج.
ورأى بشارات بأن تزامن المحصول هذا الموسم وفي العامين القادمين مع شهر رمضان، يقلل من الإقبال على الخيار، ويصبح القطاف أصعب، وليس من السهل العمل الليلي فيه. وأكد بأن الوزارة ونقابة المهندسين الزراعيين تتبنى في سياستها دمج الشباب والخريجين في سوق العمل، وتقوية تمسكهم بالأرض، وتأسيس مشاريع زراعية.
وأشار بأن نقابة العمال الزراعيين، ووزارة العمل ربما يساهمان في تنظيم العمل الزراعي والتأثير، بحكم اختصاصهما، ولا تستطيع "الزراعة" التدخل في تنظيم العلاقة بين المزارعين والعمال.

حقول الخيار في جنين
أرقام
وبحسب التعداد الزراعي (2010) للجهاز المركزي للإحصاء، فإﻥ ﻋﺩﺩ ﺍﻟﺤﻴﺎﺯﺍﺕ ﺍﻟﺯﺭﺍﻋﻴﺔ ﻓﻲ ﻤﺤﺎﻓﻅﺔ ﺠﻨـﻴﻥ 14,662 ﺤﻴـﺎﺯﺓ) 71.7) % منها ﻨﺒﺎﺘﻴﺔ. فيما ﺒﻠﻎ ﺇﺠﻤﺎﻟﻲ ﺍﻟﻤﺴﺎﺤﺔ ﺍﻟﻤﺯﺭﻭﻋﺔ ﺒﺎﻟﻤﺤﺎﺼﻴل ﺍﻟﺤﻘﻠﻴﺔ 55,366 دونما، % 99.3 ﻤﻨﻬﺎ ﺒﻌﻠﻴﺔ ﻭ 0,7% ﻤﺭﻭﻴﺔ . وتحتل ﻤﻴﺜﻠﻭﻥ أكبر ﻤﺴﺎﺤﺔ ﻤﺯﺭﻭﻋﺔ ﺒﺎﻟﻤﺤﺎﺼﻴل ﺍﻟﺤﻘﻠﻴﺔ ﺒﻴﻥ ﺍﻟﺘﺠﻤﻌﺎﺕ ﻓﻲ ﺠﻨﻴﻥ بواقع 3,821 ﺩﻭﻨـمّا.
ووفق التعداد، ﺒلغت ﺍﻟﻤﺴﺎﺤﺔ ﺍﻟﻤﺯﺭﻭﻋﺔ ﺒﺎﻟﺨﻀﺭﺍﻭﺍﺕ 4,378 دونماً، وتشغل ﻗﺒﺎﻁﻴﺔ أكبر ﻤﺴﺎﺤﺔ ﺨﻀﺭﺍﻭﺍﺕ بواقع 3,474 دونماً.
ويشير الإحصاء إلى أن 599 حيازة تستخدم عمالة دائمة بأجر في ﻤﺤﺎﻓﻅﺔ ﺠﻨﻴﻥ، % 36.2 منها ﺘﺴﺘﺨﺩﻡ ﻋﺎملاً ﺯﺭﺍﻋيًا ﺩﺍﺌمًا ﻭﺍﺤﺩًا ﺒﺄﺠﺭ، وﺘﺴﺘﺨﺩﻡ 49.4 % من الحيازات بين عاملين إلى خمسة، فيما تستخدم 14,4% ستة ﻋﻤﺎل ﺩﺍﺌﻤﻴﻥ ﺒﺄﺠﺭ فأكثر.
وتبعاً للجهاز، فإن50.9 من العمالة الزراعية بأجر في جنين تتركز في الفئة العمرية بين (30-59) سنة، يشكل الذكور 80,9% منهم.

خيار جنين
عقبات
ورأى رئيس نقابة عمال الزراعة في جنين عزمي أبو الرب بأن الأمر لا يتعلق بهروب العاملين من الزراعة، وتحديًدا قطاف الخيار، ولكن تزامن الموسم مع الأجواء الحارة، وطبيعة العمل في الحقول المفتوحة، دون توفير الحد الأدنى من وسائل السلامة المهنية والصحية، وغياب دورة للمياه، وعدم تأمين أصحاب المزارع لقبعات وأحذية ما جعل الخيار موسمًا صعبًا جدًا.
وأشار إلى أن العمال كما المزارعين يتعرضون لاستغلال من المقاولين، الذين ينقلون المحصول للشركات الإسرائيلية، ويعقدون صفقات غير مكتوبة حول الأسعار، وغالباً ما يتم التراجع عنها، فمثلاً يتم تحديد (30) شيقلًا ثمن الصندوق الواحد، ووقت الحساب يجري دفع (27) شيقل، كما يتم منح المزارعين شيكات مؤجلة، لمدة طويلة، وما أن تأتي إلا ويكون قسمٌ منها دون رصيد.
ووفق النقابي أبو الرب، فإن قاطفي الخيار يضطرون للذهاب إلى حقول بعيدة من ريف جنين إلى النصارية والأغوار، وبين قرى المحافظة نفسها، وفي بعض الأحيان يمضون الليل والنهار فيها، ويسكنون في ظروف صعبة، فلا أحذية خاصة، أو قبعات تقيهم الحر، كما لا يجدون دورات مياه لقضاء حاجتهم، وهناك عائلات تجبر على العمل مع أطفالها الرضّع تحت أشعة الشمس الحارقة.
وتابع: "الطبيعة التي تغلب على العمل في هذا المحصول أُسرية، ويحصل الفرد الواحد في العائلة على أجر زهيد لا يتجاوز 50 شيقل يوميًا في أحسن ألأحوال، وغالبًا ما يكونون ضحية لعدم التزام المقاول بالسعر. وأغلب المتوجهين لحقول الخيار هم الأيدي المضطرة للعمل".

عزوف الايدي العاملة الفلسطينية عن الزراعة
حلول
ورأى أبو الرب أن الحل لعمالة الخيار، زيادة الأجور، وتوفير مستلزمات الصحة والسلامة للمشتغلين، وتقديم إغراءات للعاملين في هذا القطاع. وأكد أن المزارعين أنفسهم يتعرضون لعمليات استغلال من المقاولين، الذين يتراجعون عن التسعيرة المتفق عليها في بداية الموسم.
وأقترح تشكيل لجنة من المزارعين لتوقيع اتفاقات ملزمة بوجود محامين، تكون ملتزمة بالأسعار وبضمان السداد، والإنصاف النسبي لعمال الخيار، وتحسين وضع صاحب العمل.
وبيّن أن المعضلة في الخيار حصر الموسم في 40 يوماً، ما يمنع العمال من التضحية بعمل دائم، ولو بأجر أقل، من أجل التوجه لعمل موسمي.
وأنهى أبو الرب: "صحيح أن الواقع الزراعي سيء ونتضامن مع أصحاب العمل، لكن الأيدي العاملة هي المتضررة أكثر من غيرها، فهي تبيع جهدها لتوفير خبز أطفالها، وفي المقابل لا تراعي وزارة الزراعة هذا القطاع".
أزمة
فيما وقف المزارع في مرج ابن عامر محمد تركمان وحيدًا في حقله، بعد يوم معاناة مع العمال، وقال: "لدي 40 دونماً، وما يفعله العمال استغلال المزارع في موسم الخيار، الزراعة الوحيدة الناجحة بسبب تصدير منتجها إلى الداخل بسعر ثابت طوال الموسم".
وأضاف: "يطلب العمال دفعات مالية كبيرة أول الموسم، وحين يبدأ القطاف، يتراجعون عن الوفاء بقطف كامل المساحة المتفق عليها قبل الزراعة، ويتركون صاحب الأرض وحيدًا، ليبدأ بالبحث عن عمال جدد".
وقال تركمان: "نعطي العمال 33% من العائد على القطف لوحده، ويستغلنا بعضهم، فيأخذون دفعات مالية، وينسحبون، أو يختفون، وفي أحسن الأحوال يقلصون المساحة التي يقطفونها. ونحتاج إلى 35% من عائد الخيار لسداد التكاليف، ونحصل على الباقي (32%) كأرباح".
وتابع: "بوسع العامل النشيط أن يحصل يوميًا على 250-300 شيقل من القطاف، وهو مبلغ يعجز أصحاب المزرعة في بعض الأحيان عن جمعه؛ بفعل الارتفاع الكبير في أسعار مستلزمات الإنتاج الزراعي، واستئجار الأرض. ولدي عائلة من 7 أفراد، جمعت الموسم الماضي من الخيار لوحده 37 ألف شيقل، من 6 دونمات فقط".
وأنهى تركمان بأن المشكلة الأصعب هذا العام الماء، كما أن معظم المزارعين يعانون البحث المتواصل عن الأيدي العاملة. ويُشغّل الأربعيني تركمان 10 عائلات، ويدفع 200 دينار بدل إيجار الأرض، و3000 شيقل لمستلزمات الإنتاج. مقترحاً توفير عمال من محافظات أخرى غير زراعية كبيت لحم والخليل، لحل مشكلة قاطفي الخيار.
آراء
تجمع (آفاق) آراء ثلاثة شبان عملوا سابقًا في قطاف الخيار، فيقول الأول ( عمر إبراهيم):" الخيار أشغال شاقة، ولا حاجة لنا بزراعته في العامين القادمين"، ويعتقد الثاني ( أبو عادل)، بأنه "أفضل من كل الزراعات، ولولاه لسقطت ورقة التوت عن قطاع الزراعة، ومن يعمل فعليه أن يتعب مقابل أجره". أما الثالث (محمد الشيخ)، فيشبه الخيار بـ"النار التي تلتهم كل ما يصلها من عمال، ولا تشبع وتظل تطلب المزيد."