خاص بآفاق البيئة والتننمية
| لم يتخيل المقدسي عبد الكريم شويكي، ابن الـ46 عاماً، وبعد أن منعته ظروف الانتفاضة الأولى من إكمال تعليمه فعمل سائقاً للتاكسي، أنه سيعود في عام 2015 إلى مقاعد الدراسة الجامعية عبر دبلوم "الوقاية والتدخل العلاجي لحالات تعاطي المخدرات" في جامعة بيت لحم |
لم يتخيل المقدسي عبد الكريم شويكي، ابن الـ46 عاماً، وبعد أن منعته ظروف الانتفاضة الأولى من إكمال تعليمه فعمل سائقاً للتاكسي، أنه سيعود في عام 2015 إلى مقاعد الدراسة الجامعية عبر دبلوم "الوقاية والتدخل العلاجي لحالات تعاطي المخدرات" في جامعة بيت لحم، وذلك بعد أن شجعه صديق على ذلك، بعد حديثه المتواصل عن ظاهرة الإدمان المنتشرة في القدس ومشاهدته لضحاياها، إما بالتاكسي الخاص به أو من خلال بؤر بيع المخدرات المنتشرة في مناطق مكشوفة وضوح الشمس في المدينة.
فلأكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في أوقات المساء حتى الفجر، شاهد شويكي ركاباً من القدس والضفة والداخل المحتل ممن وقعوا ضحية لآفة المخدرات وإدمان الكحول، في السابق، كان ينظر إليهم على أنهم مذنبون وبلا أمل، وكان يتجنب الحديث معهم.
|
فلأكثر من عشرين عاماً، وتحديداً في أوقات المساء حتى الفجر، شاهد شويكي ركاباً من القدس والضفة والداخل المحتل ممن وقعوا ضحية لآفة المخدرات وإدمان الكحول، في السابق، كان ينظر إليهم على أنهم مذنبون وبلا أمل، وكان يتجنب الحديث معهم. "كنت أميزهم قبل الصعود إلى التاكسي، حيث تلمع عيونهم في الليل كالقطط، كما كانت ألسنتهم تشكو الارتخاء مع عدم قدرة على الحديث بطلاقة، وكانوا يتأرجحون في مشيهم قبل الركوب".
|
"كنت أميزهم قبل الصعود إلى التاكسي، حيث تلمع عيونهم في الليل كالقطط، كما كانت ألسنتهم تشكو الارتخاء مع عدم قدرة على الحديث بطلاقة، وكانوا يتأرجحون في مشيهم قبل الركوب". يقول شويكي
شاهد عيان على ضحايا الإدمان
يقول شويكي أن مدمني الأمس على أنواع المخدرات التقليدية كالحشيش والماريجوانا والكوكايين والهيروين كانوا من الأعمار الكبيرة نسبياً ما بين الثلاثين إلى الخمسين، أما مدمنو اليوم وتحديداً على المخدرات الكيميائية الخطرة كالمسطلون والمبسطون والنايس جاي، فإن أغلبيتهم من المراهقين حتى ال23 عاماً.
"من خلال عملي من الخامسة عصراً للخامسة فجراً شاهدت بؤرا عديدة لبيع تلك المخدرات وهي منتشرة بشكل علني حيث يتمتع مروجو المخدرات بحماية سلطات الاحتلال بالأغلب، وهم يتواجدون في "حي المصرارة، متحف روكفلر، محطة شارع السلطان سليمان، مقبرة باب السباط، نزلة الجثمانية (الطور)، وكافة الضواحي المقدسية كالثوري، جبل الزيتون، وسلوان وراس العامود والعيسوية".
|
يقول شويكي أن مدمني الأمس على أنواع المخدرات التقليدية كالحشيش والماريجوانا والكوكايين والهيروين كانوا من الأعمار الكبيرة نسبياً ما بين الثلاثين إلى الخمسين، أما مدمنو اليوم وتحديداً على المخدرات الكيميائية الخطرة كالمسطلون والمبسطون والنايس جاي، فإن أغلبيتهم من المراهقين حتى ال23 عاماً. "من خلال عملي من الخامسة عصراً للخامسة فجراً شاهدت بؤرا عديدة لبيع تلك المخدرات وهي منتشرة بشكل علني حيث يتمتع مروجو المخدرات بحماية سلطات الاحتلال بالأغلب
|
يتألم شويكي لمعرفته ركاباً كانت نهايتهم محزنة نتيجة التعاطي، ويذكر منهم إمرأة من إحدى الضواحي كانت تعمل في القدس الغربية وأصبحت مدمنة بسبب تشجيعٍ من زملاء المهنة، ونتيجة عدم تلقيها العلاج المناسب ولعدم اهتمام أهلها بتوجيهها إلى مركز متخصص، فقد توفيت قبل خمس سنوات، كما تحسّر شويكي على صديق الطفولة ممن وقع في شرك المخدرات ولقي مصرعه بعد أن رفض صاحب الصيدلية بيعه المخدر، حيث صعد لسطحها ليقتحمها من أعلى فاختل توازنه وسقط. أما ألمه الأكبر فكان على صديق له، كان من المتفوقين والأوائل في أيام المدرسة، سافر إلى تركيا لتعلم البكالوريوس بمنحة وتعرف على أصدقاء سوء وضعوا له حبة "Trip" أو حبوب هلوسة في كأس العصير فأصيب بجنون مستدام أعادة إلى وطنه عاطلاً عن العمل، عاجزاً عن الاتزان والتركيز، أو حتى الارتباط.
العالم السفلي
"كنت أسأل المدمنين لماذا تقع في فخ الإدمان، فكان جواب العديد منهم أنه لا يجد وظيفة يعيل نفسه منها، بالإضافة إلى المشاكل الأسرية ورفقاء السوء". مع أنه، وفق شويكي، لا مبرر للمدمن أو المتعاطي على الإدمان، ويرى أن أحد الأسباب التي قد تؤدي إلى ذلك عوامل سياسية، اجتماعية، اقتصادية، ثقافية، وأسباب تعود إلى المدمن نفسه.
المدمن والمتعاطي قد يسوقه هذا النوع من المرض إلى درك العالم السفلي المليء بالجوانب المظلمة كالدعارة والاتجار بالمخدرات. وهذا ما لاحظه خلال سنوات عمله قبل صدور قانون إسرائيلي يمنع نقل تجار المخدرات من والى نقاط البيع، حيث كان يلبي نقليات سفر من القدس إلى اللد والعكس، واكتشف لاحقاً أنها لشراء وبيع المخدرات.
عبد الكريم شويكي سائق التكسي تعلم عد بلوغه أواوئل الأربعينيات في جامعة بيت لحم أصول الوقاية والتدخل العلاجي لحالات تعاطي المخدرات
دبلوم لصالح ركاب التاكسي
|
وأصبح شويكي يشخص جيداً المدمن، حيث يتصف بخمسة أفعال: لو توقف عن استخدام المخدرات ستظهر لديه أعراض انسحاب نفسية وجسمية. يدرك المدمن مخاطر المخدرات وتأثيراته السلبية ويستمر بالتعاطي. يمضي المدمن وقتاً وجهداً طويلاً حتى يحصل على المخدر ويزيد من كمية الجرعة ليصل إلى الانتشاء. ويظهر على المدمن تراجع واضح على أدائه على المستوى المهني والاجتماعي، بالإضافة إلى عدم القدرة على تمرير أي يوم دون مخدر.
|
تعرف شويكي على الدبلوم من خلال صديق له يعمل مرشداً في موضوع الوقاية من المخدرات "علاء خروب"، حيث نصحه بعد الاستماع إلى ملاحظاته كسائق تاكسي إلى التعلم في الدبلوم الخاص بالمخدرات، فأعجبته الفكرة وبدأ يتعلم، وأصبح يقارن مشاهداته خلال الـ 20 عاماً مع المعرفة المكتسبة في الدراسة فتغيرت نظرته للمدمن، فمن نظرة الوصمة للمدمن كمتهم أصبح ينظر إليه كمريض لا حول له ولا قوة، وحان الوقت ليمارس دوره من سائق تاكسي صامت سابقاً إلى مرشد وناصح ومنقذ للمقدسي المدمن.
"كنت في السابق أقول "أعوذ بالله من هالمشوار" متمنياً انتهاؤه لأتخلص من المدمن خارج سيارتي، أما الآن فصرت اشعر أن هناك رسالة علي تأديتها وهي إنقاذ شباب القدس من مأساة الإدمان بنصحهم بالتوجه إلى مراكز العلاج، وتحذيرهم من المخدرات الكيميائية الخطرة جدا على الأعصاب، ولاحظت أن الكثير أصبح يتفاعل معي ويهتم بالعلاج خاصة أنه شبه مجاني. مشدداً على أن المدمن بحاجة إلى الاحتواء خلال مسيرة علاجه لأنه يكون مهدداً بالانتكاسة أو العودة إلى الإدمان بنسبة 70%، في حال تعرضه لظروف محبطة وخاصة في الستة شهور الأولى.
وأصبح شويكي يشخص جيداً المدمن، حيث يتصف بخمسة أفعال: لو توقف عن استخدام المخدرات ستظهر لديه أعراض انسحاب نفسية وجسمية. يدرك المدمن مخاطر المخدرات وتأثيراته السلبية ويستمر بالتعاطي. يمضي المدمن وقتاً وجهداً طويلاً حتى يحصل على المخدر ويزيد من كمية الجرعة ليصل إلى الانتشاء. ويظهر على المدمن تراجع واضح على أدائه على المستوى المهني والاجتماعي، بالإضافة إلى عدم القدرة على تمرير أي يوم دون مخدر.
عمل عبد الكريم شويكي كسائق تاكسي دفعه للدراسة الجامعية كي يصبح مرشدا لمتعاطي المخدرات في القدس المحتلة
عطاء لبث الأمل
تعلُم شويكي الأب لخمسة أبناء في الجامعة، كان مبادرة تطوعية من وقته وجهده لإفادة أبناء بلده، فهو يعشق قيمة العطاء ويرغب بتغيير مجتمعه للأفضل، حيث يتألم كلما رأى شباناً بعمر الورد يضيعون بسبب غياب المؤسسات المجتمعية والتثقيفية الداعمة للشباب والمحذرة لهم من آفة المخدرات.
ويرى شباب القدس ضحية للاحتلال أولا وللمجتمع ثانياً. وبالنسبة للحل الجذري لتلك الآفة فلا يوجد، لأنها منتشرة في العالم اجمع ومن متابعته فالمحتل يدمن بنفس المقدار وربما أكثر من الفلسطينيين، لكن التوعية للتخفيف من هذه الآفة من خلال المؤسسات والأفراد بحاجة إلى تكاتف جهود وعمل دؤوب.
وختم شويكي بكلمة عن المخدرات: "هي كالماء المالح لا يرتوي شاربها فتجنبوها".