خاص بآفاق البيئة والتنمية
|
أعلنت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في آذار عام 2015، أن مادة "الغلايفوسات" (المادة الفعالة في بعض مبيدات الأعشاب) "يحتمل أن تكون مسببة للأورام لدى البشر"
|
أعلنت الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية، في آذار عام 2015، أن مادة "الغلايفوسات" (المادة الفعالة في بعض مبيدات الأعشاب) "يحتمل أن تكون مسببة للأورام لدى البشر". إثر ذلك، توجهت وزارة الصحة الإسرائيلية إلى وزارة الزراعة بطلب فرض قيود صارمة على استعمال المبيدات المحتوية على هذه المادة والمستخدمة ليس فقط في الأراضي الزراعية، بل أيضا في المدن، بما في ذلك الحدائق العامة، الروضات والمدارس.
وزارة الزراعة الإسرائيلية رفضت في أوائل كانون ثاني الماضي توصية وزارة الصحة الإسرائيلية لتقييد استعمال المبيد الكيماوي المسرطن المحتوي على المادة الفعالة "غلايفوسات" (glyphosate)، وأصدرت تعليماتها لمواصلة استعماله بحسب "إرشادات" الشركة المنتجة؛ وذلك رغم أن منظمات حقوقية إسرائيلية دعت إلى تقييد استخدامه حفاظا على صحة الجمهور (صحيفة هآرتس، 4/1/2016)؛ ما يعني أن وزارة الزراعة الإسرائيلية تعطي الأولوية لمصالح تجار ومنتجي المبيدات المسرطنة على حساب صحة وحياة الناس.
الجدير بالذكر أن الوكالة الأوروبية للحماية البيئية أجرت العام الماضي مراجعة للآثار الصحية والبيئية لمادة "غلايفوسات" التي تعتبر المكون الرئيسي في العديد من مبيدات الأعشاب وأبرزها مبيد "راونداب" الذي تنتجه شركة "مونسانتو"، ويعد أكثر مبيدات الأعشاب انتشارا في العالم. إلا أن هذه المادة الفعالة تدخل في نحو 700 منتج آخر يباع في الأسواق العالمية.
وتقدر عائدات شركة "مونسانتو" من المبيدات والمواد الكيميائية المحتوية على "غلايفوسات" بنحو خمسة مليارات دولار خلال عام 2014.
| وفي مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة يستخدم عدد كبير من المزارعين مبيدات عشبية تحوي مادة "الغلايفوسات" المسرطنة. مبيد "راوندأب" يعتبر في طليعة مبيدات الأعشاب الأكثر شيوعا في الضفة والقطاع. كما أن ذات المبيد يباع في الأسواق بأسماء تجارية مختلفة. |
وفي مستوى الضفة الغربية وقطاع غزة يستخدم عدد كبير من المزارعين مبيدات عشبية تحوي مادة "الغلايفوسات" المسرطنة. مبيد "راوندأب" يعتبر في طليعة مبيدات الأعشاب الأكثر شيوعا في الضفة والقطاع. كما أن ذات المبيد يباع في الأسواق بأسماء تجارية مختلفة. واللافت أن القائمة المعمول بها حاليا لمبيدات الآفات الزراعية المسموح تداولها في مناطق السلطة الفلسطينية (حتى كتابة هذا التقرير) والصادرة عن وزارة الزراعة الفلسطينية، هي قائمة عام 2013-2014. ومن بين عدد كبير من المبيدات العشبية الخطرة تضمنت القائمة 8 مبيدات عشبية، بأسماء تجارية مختلفة، تحوي المادة الفعالة "الغلايفوسات" وبذات التركيز الموصى به (480 gr/l). هذه المبيدات هي: pilaround, taifun, galoop, glyphogan, glyphos, glefon up, roundup, rondopaz
دعاوى قضائية ضد شركة "مونسانتو" بسبب تضليلها الجمهور
|
بعض المزارعين الأميركيين رفعوا دعاوى قضائية ضد شركة "مونسانتو" استنادا إلى أن مبيد "راوندأب" يسبب السرطان، وان "مونسانتو ضللت الجمهور والجهات الرقابية بشأن مخاطر المبيد. وجاءت تلك الدعاوى القضائية بعد بضعة أشهر من إعلان الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية بأن مادة "غلايفوسات" "يحتمل أن تكون مسببة للأورام لدى البشر".
|
اللافت أن بعض المزارعين الأميركيين رفعوا دعاوى قضائية ضد شركة "مونسانتو" استنادا إلى أن مبيد "راوندأب" يسبب السرطان، وان "مونسانتو ضللت الجمهور والجهات الرقابية بشأن مخاطر المبيد. وجاءت تلك الدعاوى القضائية بعد بضعة أشهر من إعلان الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية بأن مادة "غلايفوسات" "يحتمل أن تكون مسببة للأورام لدى البشر". العامل الزراعي السابق انريكو روبيو (58 عاما) الذي عمل سنوات طويلة في مزارع البصل والخيار وخضروات أخرى في كاليفورنيا وتكساس واوريجون، رفع دعوى أمام المحكمة الجزائية الأميركية في لوس انجليس. ملخص الدعوى ينص بأن روبيو كان يعمل في رش الحقول بمبيد "راونداب" ومبيدات أخرى تحوي على مادة "غلايفوسات"، قبل إصابته بسرطان العظام عام 1995 .
كما رفعت شكاوى أخرى مماثلة أبرزها للعاملة جودي فيتزجيرالد (64 عاما) أمام المحكمة الاتحادية في نيويورك. أثناء عملها في شركة للمنتجات البستانية تعرضت فيتزجيرالد في تسعينيات القرن الماضي لمبيد "راوندأب"، وأصيبت عام 2012 بسرطان الدم.
وكما هي عادة شركات المبيدات الكيميائية، تزعم "مونسانتو" بأن ما يقوله العاملون الزراعيون المصابون بالأمراض السرطانية لا أساس له من الصحة، وان مادة "غلايفوسات" آمنة للبشر في حال الالتزام بالتعليمات!!
مشروع قانون إسرائيلي يفرض قيودا صارمة على استخدام المبيدات
على ضوء الضغوط الممارسة من قبل منظمات بيئية وحقوقية إسرائيلية والمتعلقة بتساهل وزارة الزراعة الإسرائيلية في مجال المبيدات الكيميائية، ورفضها أحيانا توصيات وزارة الصحة بخصوص المخاطر الصحية للعديد من تلك المبيدات وبالتالي ضرورة حظر استعمالها أو فرض شروط وقيود صارمة على استخداماتها- على ضوء ذلك، طُرِح في "الكنيست" الإسرائيلي مشروع قانون يفرض قيودا وأنظمة إضافية على استخدامات المبيدات، ويقترح فرض غرامات عالية والسجن الفعلي للمخالفين.
لجنة الداخلية والبيئة في "الكنيست" وافقت (في كانون ثاني الماضي) على مشروع القانون الذي يهدف إلى فرض قيود أكثر صرامة على استخدام المبيدات الكيميائية.
مشروع القانون ينص على معايير أكثر تشددا لترخيص المبيدات، وعقوبات أشد صرامة على المنتهكين؛ وذلك بهدف تقليل المخاطر الصحية الناجمة عن المبيدات، إضافة إلى الأضرار البيئية. ويتوقع أن يتحول مشروع القانون إلى قانون ملزم بعد القراءتين الثانية والثالثة في "الكنيست"؛ علما أن مشروع القانون تمت الموافقة عليه في القراءة الأولى ("الكنيست" السابقة) منذ نحو سنتين.
وزارة البيئة الإسرائيلية أكدت أكثر من مرة بأن مكافحة الآفات الزراعية غالبا ما تنطوي على استعمال مركبات كيميائية خطرة في المحيط السكني؛ ما يتطلب تشديد أنظمة استخدام تلك المركبات لمنع حدوث مآسي صحية وبيئية ناجمة عن استخدام مبيدات محظورة أو غير قانونية.
تحول مشروع القانون إلى قانون إسرائيلي ملزم يعني بأن يشارك جميع الذين يتعاطون أو يرشون المبيدات ببرنامج تدريبي خاص قبل منحهم الترخيص الذي يؤهلهم لرش المبيدات. كما أن جميع العاملين في الرش يجب أن يحصلوا على ترخيص خاص؛ وستكون هناك أنواع مختلفة من التراخيص المتاحة.
ويدعو مشروع القانون إلى منح المسؤولين صلاحيات أوسع للمراقبة والإنفاذ، ولفرض عقوبات أكثر صرامة على المخالفين. كما يطرح مشروع القانون فرض عقوبة على المخالفين قد تصل إلى السجن الفعلي لمدة عام كامل وغرامة قد تتجاوز 900 ألف شيقل.
|
التشريع الإسرائيلي المقترح يصنف المبيدات استنادا إلى مخاطرها الصحية وأضرارها البيئية. بعض المبيدات الخطرة جدا سيتم حظر استعمالها، سوى في بعض الحالات الخاصة أو لدى الضرورة القصوى. ويدعو مشروع القانون إلى منح المسؤولين صلاحيات أوسع للمراقبة والإنفاذ، ولفرض عقوبات أكثر صرامة على المخالفين. كما يطرح مشروع القانون فرض عقوبة على المخالفين قد تصل إلى السجن الفعلي لمدة عام كامل وغرامة قد تتجاوز 900 ألف شيقل.
وإجمالا، لدى التعامل مع المبيدات الكيميائية بشكل عام، والمبيدات التي سميتها مرتفعة جدا بشكل خاص في أميركا الشمالية والدول لأوروبية، يَرُش تلك المبيدات مهنيون متخصصون ومؤهلون، وفي حال تعذر ذلك، تستخدم بدائل أقل خطرا وسمية. أما في الضفة الغربية وقطاع غزة، وبمدى أقل في "إسرائيل" فنجد العديد من المزارعين يستخدمون مثل هذه المبيدات دون أي إجراء وقائي، أو ربما قد يلبس بعضهم قفازات عادية وقناع واق بسيط للوجه.
قرارات أوروبية حاسمة
خلال السنوات الأخيرة اتخذت دول الاتحاد الأوروبي بضع قرارات حاسمة فيما يتعلق ببعض مجموعات المبيدات المسببة لأمراض خطرة؛ فحظرت بعض تلك المبيدات وفرضت قيودا صارمة على استخدام مبيدات أخرى. فعلى سبيل المثال، تحولت أوروبا عام 2013، إلى القارة الأولى التي يحظر فيها استعمال المبيدات الكيميائية المسببة لأضرار فادحة في النحل. فقد حظر الاتحاد الأوروبي استخدام المبيدات المنتمية لمجموعة neonicotinoids التي تتسبب بأضرار بالغة للجهاز العصبي في الحشرات والإنسان. وتعكف المفوضية الأوروبية على متابعة تنفيذ قرار الحظر الأوروبي.
واعتبر قرار الحظر آنذاك نصرا لملايين الناشطين البيئيين الذين ازداد، في السنوات الأخيرة، خوفهم من ظاهرة الانخفاض الهائل في أعداد النحل وسائر الحشرات الضرورية لإنتاج الغذاء في العالم؛ إذ أن الأخيرة تعمل على تلقيح نحو ثلاثة أرباع إجمالي المحاصيل.
وقد وجدت الأبحاث العلمية علاقة سببية قوية بين استعمال مبيدات neonicotinoids التي تعتبر الأكثر استخداما في العالم، وبين موت أعداد هائلة من ملكات النحل والارتفاع الكبير في نسبة النحل الفاقد، أي النحل الذي لا يعود إلى خلاياه، بعد خروجه بحثا عن الغذاء.
وقررت المفوضية الأوروبية في حينه حظر هذه المواد، إثر توصل الهيئةالأوروبية لسلامة الأغذية (EFSA) في عام 2013 إلى نتيجة مفادها أن ثلاثة مبيدات تنتمي لمجموعة neonicotinoids وهي تحديدا:
thiamethoxam؛ Clothianidin؛ و imidacloprid تشكل خطرا جسيما على النحل. وكمرحلة أولى، حظر استعمال هذه المواد لمدة سنتين على النباتات التي يتغذى النحل على أزهارها، مثل الفاصوليا والذرة وعباد الشمس، إضافة للنباتات التي تستخدم بذورها لاستخراج الزيوت، كالقطن على سبيل المثال.
وإثر قرار الاتحاد الأوروبي الذي يعد ضربة قوية لشركات الكيماويات التي تراكم أرباحا سنوية بمليارات الدولارات نتيجة بيع هذه المبيدات، زعمت شركة "سينجنتا" التي تعد من أكبر منتجي هذه المبيدات، قائلة: "هذا القرار يستند إلى فرضيات علمية خاطئة"!!.
المبيدات والتلوث
وفي عام 2014 أكد بحث عالمي شامل درس عواقب استخدام الكيماويات الزراعية، بأن المبيدات الحشرية الكيميائية الأكثر انتشارا في العالم تسببت في تلويث كبير وخطير للبيئة في جميع أنحاء المعمورة، لدرجة أنها أصبحت تهدد إنتاج الغذاء في العالم.
| وأكد الباحثون في بحثهم الذي استمر أربع سنوات ويعد الأكثر تفصيلا حتى اليوم في هذا المجال- أكدوا بأن المبيدات السامة جدا للجهاز العصبي تباع سنويا بمليارات الدولارات، وبأن الأنظمة والمواصفات التي تهدف إلى تنظيم استعمالها فشلت في منع تسميم معظم الموائل. وبسبب ذلك، قد تعاني كائنات حية حيوية لإنتاج الغذاء، مثل النحل والديدان، من ضربة قاتلة. لذا، خلص البحث إلى ضرورة التوقف التدريجي عن استعمال الكيماويات الزراعية. |
وأكد الباحثون في بحثهم الذي استمر أربع سنوات ويعد الأكثر تفصيلا حتى اليوم في هذا المجال- أكدوا بأن المبيدات السامة جدا للجهاز العصبي تباع سنويا بمليارات الدولارات، وبأن الأنظمة والمواصفات التي تهدف إلى تنظيم استعمالها فشلت في منع تسميم معظم الموائل. وبسبب ذلك، قد تعاني كائنات حية حيوية لإنتاج الغذاء، مثل النحل والديدان، من ضربة قاتلة. لذا، خلص البحث إلى ضرورة التوقف التدريجي عن استعمال الكيماويات الزراعية.
وقد ركز البحث الذي نشر في المجلة العلمية "Environmental Science and Pollution Research"، على تقييم المخاطر الناتجة من استخدام المبيدات التي تنتمي لمجموعة neonicotinoids وهي من أكثر المبيدات الحشرية التي يستخدمها المزارعون بقيمة نحو 2.7 مليار دولار سنويا. وتستعمل هذه المبيدات بشكل روتيني، وليس بالضرورة بسبب الإصابة بالآفات. وأشار العلماء إلى عدم وجود دليل قاطع بأن الرش بهذه المجموعة من المبيدات يؤدي إلى زيادة كمية المحصول.
وبحسب نتائج البحث، فإن مبيدات الآفات تؤذي قدرة النحل على الحركة والتعلم، وتتلف جهازها المناعي وعملية تكاثرها. كما أن الكيماويات الزراعية تؤذي إلى حد كبير القدرة الحركية للديدان التي تلعب دورا حيويا في تهوية التربة وتخصيبها. كما أكدت الدراسة بأن اليعسوب الذي يلتهم البعوض وكائنات أخرى تعيش في الماء يتأثر أيضا من المبيدات الكيميائية. وحذر الباحثون من أنه في حال أكلت الطيور من البذور المرشوشة، فإنها ستموت على الفور.
ويعتبر مبيد imidaclopridمن ضمن مبيدات هذه المجموعة الأكثر شيوعا في الضفة الغربية وقطاع غزة (وهو مذكور في قائمة مبيدات الآفات الزراعية المسموح تداولها فلسطينيا)؛ ويسوق بأسماء تجارية مختلفة ("كونفيدور"، "كودكود"، "كومودور"،"كوهنير"، و"إماكسي") تصنعها شركات Lied Chemical، Tapazol، Chemia Spa، Makhteshim، وRotam China على التوالي. كما أن مبيد thiamethoxam المنتمي إلى مجموعة neonicotinoids، يسمح باستعماله أيضا في الضفة والقطاع باسمه التجاري Actara (المصدر السابق).
وزارة الزراعة الفلسطينية: المبيدات الخطرة سيتم منع تداولها وتسويقها
بخصوص توصية وزارة الصحة الإسرائيلية بتقييد استعمال المبيدات الكيماوية المسرطنة المحتوية على المادة الفعالة (glyphosate) أكد م. أمجد صلاح مدير عام وقاية النبات والحجر الصحي في وزارة الزراعة الفلسطينية لمسئول تحرير مجلة آفاق البيئة والتنمية علمه بالتوصية وأيضاً بأخرى من منظمة الصحة العالمية.
وفي سياق تعقيبه لمجلة "آفاق" حول إعلان الوكالة الدولية لأبحاث السرطان (IARC) التابعة لمنظمة الصحة العالمية بأن مادة "الغلايفوسات" (المادة الفعالة في بعض مبيدات الأعشاب) "يحتمل أن تكون مسببة للأورام لدى البشر"، أكد صلاح صحة ذلك التقرير الصادر عن المنظمة الدولية؛ وأضاف: "جاءنا من منظمة الصحة العالمية (WHO) بأنها تعكف حاليا على عمل دراسة لتثبيت ما توصل إليه تقرير منظمة IARC؛ حيث أن نتائج الدراسة من منظمة (IARC) غير ملزمة لتوقيف انتاج او استعمال هذا المبيد.
ولكن، يشير صلاح، إلى أن التقرير كان كاف لبحث الموضوع من خلال اللجنة العلمية الفلسطينية (الخاصة بالمبيدات) واتخاذ قرار بضرورة انتظار المزيد من نتائج الأبحاث المؤكدة لنتائج التقرير وخاصة من الهيئات ذات العلاقة مثل منظمة الصحة العالمية والوكالة الأميركية لحماية البيئة الخاص بهذا الموضوع تحديدا؛ وبعدئذ سيتم اتخاذ القرار الذي سيتمثل بمنع المبيدات التي تحوي مادة glyphosate، وليس، كما القرار الإسرائيلي، مجرد فرض قيود على الاستخدامات. ذلك أن مسألة القيود لدينا تفتقر إلى الضوابط التي تضمن الالتزام بالقيود؛ وبالتالي فرض القيود في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية مسألة صعبة جدا. فعندما تكون لدينا مادة بهذه الخطورة، من الأسهل علينا منعها منعا كاملا، سواء استيرادها أو إدخالها من إسرائيل؛ بمعنى أن هذا الحل أكثر سهولة وسرعة للتنفيذ والسيطرة".
صلاح: "المنع القاطع أجدى من فرض القيود"
وفيما يتعلق بوجود ما لا يقل عن 8 مبيدات أعشاب كيميائية تجارية تحوي مادة glyphosate، والمسموح تداولها فلسطينيا حتى لحظة كتابة هذا التقرير (بحسب قائمة وزارة الزراعة للمبيدات المسموح تداولها) أفاد صلاح: "بالنسبة لنا، المبيدات بشكل عام يوجد لها دائما بدائل لأنها موجودة بكثرة. فليس بالضرورة أن ذهاب الغلايفوسات معناه أننا في فلسطين سنواجه مشكلة كبيرة في عدم وجود البديل؛ فالبدائل موجودة دائما. لكننا نأخذ في الاعتبار أن الدراسة أو التقرير الذي نعتمده يكون صادرا عن جهة ذات مصداقية علمية عالمية، كي يكون قرارنا مبرراً من الناحية العلمية وكاف لرد أية اعتراضات من الشركة المصنعة أو دعاوى في المحاكم".
وتابع: "أخذنا هذه المسألة بجدية، لأن الدراسة التي صدرت بهذا الخصوص مقلقة، ونحن لسنا مسرورين بأن تكون هناك مادة لها هذه المحاذير وموجودة لدينا على نطاق واسع في الأسواق".
نقاش جدلي
تلك المحاذير تضعنا أمام نقاش يدور منذ سنوات طويلة حول العديد من المبيدات "المسموح" تداولها والمشكوك بها باعتبارها قد تتسبب بأمراض خطيرة؛ وبعد فترة من الزمن تخرج علينا منظمات دولية (مثل IARC، WHO، FAO وغيرها) لتؤكد علميا بأن هذه المبيدات قد تتسبب فعلا بأمراض خطيرة (الجهاز العصبي، الجهاز التناسلي، السرطانات...إلخ)؛ فمن يتحمل إذن مسؤولية الأمراض الخطيرة والمميتة التي تسببت بها تلك المبيدات طيلة السنوات الماضية؟ لأنه إذا تأكد اليوم بأن هذا أو ذاك المبيد يتسبب بمرض كذا أو كذا، فمعنى ذلك أنه خلال السنوات الماضية أيضا، حينما كان تداول ذلك المبيد "مسموحا به" (قبل أن تؤكد المنظمات الدولية بأن هذا المبيد ممرض أو مسرطن)، فإن ذلك المبيد نفسه كان يتسبب بالتأكيد بذات الأمراض. فمن يتحمل إذن تبعات إصابة الناس بتلك الأمراض طيلة الفترة التي كان "يسمح" خلالها استعمال ذات المبيد الذي حظر استعماله لاحقا؟
يقول صلاح رداً على ذلك الجدال القائم حول مدى سلامة المبيد: "أحيانا كثيرة، عند إنتاج مبيد معين أو لدى نزوله إلى السوق يكون قد خضع لجميع الدراسات. وحينما تتم المصادقة على ذلك المبيد، بما في ذلك دراسة السمية لمدة ثلاث سنوات، ويثبت عدم احتوائه على أي مخاطر، يمنح عندئذ، وفي جميع أنحاء العالم، تصريحٌ باستعماله.
بعدئذ، يضيف صلاح، بأنه قد يعلن عن بعض المحاذير بسبب تغيرات أو طفرات معينة أو بسبب سوء استعماله على محاصيل معينة. " لدينا مشكلة كبيرة تتمثل في أن المُزارع أحيانا كثيرة يسيء استخدام المبيد؛ بمعنى أن مبيد معين يكون مصرحا به لمحصول محدد، وجميع الدراسات الخاصة بهذا المبيد جرت على ذلك المحصول، لكننا نجد أن المزارع يرش المبيد على محاصيل أخرى يمنع استخدامه عليها؛ أو أنه يقطف المحصول بعد وقت قصير من الرش".
ولفت إلى أنه في غزة على سبيل المثال، تبين بأن بعض المزارعين يستخدمون مبيد النيماكور الذي يفترض استعماله قبل الزراعة بوقت كاف لا يقل عن ثلاثين يوما- "لكن ما يحدث أنهم يستخدمونه على الأشتال في مرحلة أسبوع أو أسبوعين ما قبل القطاف. وفي هذه الحالة من المؤكد وجود متبقيات في المحصول، والتي يكون الكثير منها عادةً بسبب الممارسات الخاطئة للأسف".
| واستطرد صلاح: "سيتم قريبا تزويد المجلة بقائمة حديثة تشير إلى أن مبيدات كثيرة فيها ستكون محظورة بشكل كامل، بما في ذلك جميع المبيدات الفسفورية العضوية. وهناك مجموعة لا بأس بها من المبيدات ستخرج خلال العام الحالي من الأسواق. |
واستطرد صلاح: "سيتم قريبا تزويد المجلة بقائمة حديثة تشير إلى أن مبيدات كثيرة فيها ستكون محظورة بشكل كامل، بما في ذلك جميع المبيدات الفسفورية العضوية. وهناك مجموعة لا بأس بها من المبيدات ستخرج خلال العام الحالي من الأسواق. لقد جمعنا أكبر عدد من الدراسات والتقارير العلمية التي ليس بالضرورة أنها أكدت بأن مبيدات معينة تتسبب بأمراض مختلفة؛ بل إنها أعلنت عن وجود شك كبير وبدرجة عالية بأن مبيداً محدداً قد يتسبب بمرض كذا أو كذا، فعندئذ سنعمل على منعه".
المبيد القاضي على النحل
وبخصوص حظر الاتحاد الأوروبي (عام 2013) للمبيدات المتسببة بأضرار فادحة للنحل لدرجة قتله، وبخاصة مبيدات neonicotinoids التي تنتشر لدينا من خلال المبيدات المحتوية على مادة imidacloprid وthiamethoxam، فهل وزارة الزراعة في وارد منع هذه المبيدات أيضا؟
قال صلاح: "صحيح أن الاتحاد الأوروبي وضع عام 2013 محاذير على هذه المبيدات، لكن لو نظرنا إلى القائمة الأوروبية نجد بأنه حتى هذه اللحظة جميع هذه المواد لا تزال مسجلة بأنها مسموحة حتى نهاية عام 2018. فللأسف، حتى الاتحاد الأوروبي الذي وضع محاذير على بعض المبيدات، لا يزال يستعملها ومسجلة. أما موضوع النحل فالعالم بأجمعه مهتم به".
وأضاف أنهم في فلسطين مهتمون بمسألة المبيدات التي تؤثر على النحل؛ إذ أن النحل آخذ في الاختفاء، وهبط وجوده في بعض المناطق بدرجة كبيرة. علما أن هذه المبيدات الحشرية، وفق صلاح، غير متخصصة، بمعنى أنها قد تقتل الكائنات الأكبر من الحشرات، وبما أن النحل من الحشرات فسيتأثر بالتأكيد، ومحلياً يتم رش مزارع وحقول مفتوحة يرتادها النحل بسبب الأزهار، ومن المؤكد، كما يلفت صلاح، إلى أن لهذه المبيدات أضراراً كبيرة على النحل؛ لذلك تتابع الوزارة الموضوع باهتمام بالغ.
وفيما يتعلق بالبحث المنشور في مجلة "Environmental Science and Pollution Research" والذي أكد وجود دليل قاطع بأن الرش بالمبيدات المذكورة (وبخاصة المنتمية إلى مجموعة neonicotinoids) قد لعب دورا كبيرا في تناقص أو اختفاء وانقراض عدد كبير من النحل.
يوضح صلاح: "هذا صحيح، وليس فقط هذا البحث، بل إن بضع دراسات أخرى ذكرت وجود هذه العلاقة؛ إلا أن المنظمات الدولية (WHO, EPA وغيرها) تتروى في هذا الموضوع. ويمكننا القول بأن الكثير من هذه التقارير تشير إلى أن لمجموعة neonicotinoids، بما في ذلك imidacloprid، تأثير على النحل. هذا أمر أكيد، ولا أعتقد، من الناحية المنطقية، بأننا كمتخصصين في هذا المجال يمكننا القول لا، هذا مستحيل".
وختم صلاح: "أعتقد أننا وإياكم نعمل بنفس الاتجاه، ولا نختلف حول أن هذه المبيدات تتسبب بأضرار وهي من أكثر الملوثات والمسببات للأمراض".
الحراثة التقليدية بعد انتهاء الموسم الزراعي مباشرة تساهم في التحكم الطبيعي بالأعشاب الضارة ومنع نموها دون استعمال مبيدات عشبية سامة
خلاصة واستنتاجات
| الحقيقة أن الأرباح التجارية تأتي في أول سلم أولويات شركات الكيماويات الزراعية، أما الاعتبارات الصحية والإنسانية والبيئية فتأتي في المقام الأخير، بمعنى أن الربحية تعد السبب الأساسي والوحيد لمواصلة إنتاج المبيدات وتسويقها. |
تزعم شركات المبيدات بأن فوائد مبيداتها أكثر من مخاطرها، لكن الحقيقة أننا لا نعرف كل احتمالات تسبب المبيدات بأذى لصحة الناس، وذلك بسبب حجب المصانع لمعظم البيانات المتعلقة بالصحة والسلامة. وما دام هناك غموض وإخفاء للمعلومات، أفلا يجدر بنا، من باب الحيطة والحذر، أن نقلل إلى الحد الأدنى من استعمال المبيدات الكيميائية، بل أن نتخلص منها نهائيا؟
باعتقادي أن "تبرير" استخدام مبيدات معينة في الضفة والقطاع إنما يستند إلى الادعاء القائل بأن هذه المبيدات "مرخصة" في الاتحاد الأوروبي أو أميركا أو "إسرائيل"، تبرير واه وغير مقنع، لأن ترخيص مبيد في أميركا أو أوروبا لا يعني إطلاقا أن هذا المبيد لا يتسبب بأمراض خطيرة وقاتلة؛ بدليل الإعلانات المتأخرة التي تصدر من فترة لأخرى عن المنظمات الصحية الدولية بأن هذه المجموعة أو تلك من المبيدات مسببة لأمراض خطيرة ومزمنة.
الشركات الإسرائيلية والأجنبية الأخرى تسوق بحرية المبيدات الخطيرة (بما في ذلك بعض المحظورة) في الضفة والقطاع؛ علما أن عملية التسويق تتم باتجاه واحد، أي من "إسرائيل" ومستعمراتها إلى الضفة والقطاع، وليس العكس، وعلما أن "إسرائيل" لا تعتبر سوقا لبائعي المبيدات العرب في الضفة والقطاع. السلع الإسرائيلية هي التي تتمتع وحدها "بالحركة الحرة" في مناطق الحكم الذاتي الفلسطيني وليس العكس. كما أن "لإسرائيل" وحدها السيطرة المطلقة على "الحدود" و"المعابر".
هناك مجال للشك بأن "حربا" كيميائية خفية تشنها جهات وشركات إسرائيلية وأجنبية أخرى ضد أبناء شعبنا وأطفالنا، من خلال ترويج أو تسويق مبيدات مسرطنة ومميتة ومخربة للجهاز العصبي وتؤدي إلى العقم أو إلى الإخلال بخصوبة النساء وغير ذلك.
تدعي شركات الكيماويات الزراعية بأن مناقشة أضرار أو فوائد المبيدات هي من اختصاص "الخبراء". يعتبر هذا الادعاء عملية تكميم لأفواه المواطنين والمستهلكين واستهتار بعقولهم، وبخاصة أن المبيدات تؤثر على صحتنا جميعا وصحة أطفالنا؛ وبالتالي من حقنا جميعا أن نعبر عن رأينا فيما يتعلق بمصير الكيماويات الزراعية في بلدنا وأن نشارك في القرارات المتعلقة باستعمال هذه الكيماويات. ومن واجبنا أن ننتزع حقنا في التحكم بحياتنا وحياة أطفالنا. فكلما عرف المستهلكون والمزارعون معلومات حقيقية أكثر عن المبيدات ومخاطرها الصحية كلما ازداد وعيهم وبالتالي قل تعاملهم مع المبيدات وقل استهلاكهم للأغذية التي تحوي متبقياتها.
وبالإضافة إلى اعتبار استعمال المبيدات حربا كيميائية خفية ضد الإنسان، فإن استعمالها ضد الآفات والحشرات التي تنافسنا على الغذاء والشراب، يعد كذلك بكل المقاييس، حربا كيميائية خاسرة، نظرا لكون الحشرات سريعة التكيف، فضلا عن قدرتها على توليد مناعة (مقاومة) ضد المبيدات التي تقتل أيضا الحشرات والكائنات الدقيقة النافعة التي تغنينا عن استعمال المبيدات.
الحقيقة أن الأرباح التجارية تأتي في أول سلم أولويات شركات الكيماويات الزراعية، أما الاعتبارات الصحية والإنسانية والبيئية فتأتي في المقام الأخير، بمعنى أن الربحية تعد السبب الأساسي والوحيد لمواصلة إنتاج المبيدات وتسويقها.